مع دخول الحرب يومها الرابع، تجد إسرائيل نفسها أمام حرب آخذة بالاتساع من دون سقف زمني واضح، إلا أنها تتحرك وفق تصور استراتيجي وضعته مسبقاً محدد للأهداف تسعى إلى تحقيقها. تشير التقارير المتقاطعة في الإعلام الإسرائيلي، إلى أن القيادة السياسية والعسكرية تتهيأ لأسابيع من القتال، بانتظار ما وصفته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، بـ"نقطة تحوّل" قد تعيد توجيه مسار الحرب سواء من خلال إضعاف جوهري للقدرات العسكرية الإيرانية أو عبر إحداث تصدعات داخلية في بنية النظام السياسي في طهران.
ويعزز هذا التوجه ما أوردته القناة (12) الإسرائيلية بشأن جلسة الكابينت التي امتدت حتى الساعة الواحدة فجراً، حيث أُبلغ الوزراء بأن الحرب مرشحة للاستمرار عدة أسابيع على الأقل، مع صعوبة تحديد سقفها الزمني في هذه المرحلة. ووفق التقدير الرسمي الذي عُرض خلال الجلسة، فإن العمليات العسكرية تسير وفق التخطيط المسبق، في ظل تنسيق وثيق ومكثف مع الولايات المتحدة على مختلف المستويات.
تنظر إسرائيل والولايات المتحدة إلى الضربة الافتتاحية التي نفذتاها بوصفها ناجحة ومباغتة، بعدما استهدفت موجة اغتيالات طالت شخصيات قيادية بارزة، في مقدمتها المرشد الإيراني علي خامنئي. غير أن هذا الإنجاز العملياتي لم يفضِ إلى انهيار سريع في طهران. فلم يُبدِ المسؤولون الإيرانيون مؤشرات على التراجع أو الاستسلام كما أن مؤسسات الدولة تحركت سريعاً لاحتواء الضربة وسد أي فراغ نتج عنه.
هذا المعطى عزز في تل أبيب تقديراً بأن الحرب ستكون أطول وأكثر تعقيداً مما قُدّر في بدايتها، إلا أنها لن تمتد إلى سنوات بحسب ما صرّح به بنيامين نتنياهو في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز صباح الثلاثاء 3 آذار. وفي موازاة ذلك، دعا نتنياهو في كلمة مصوّرة له، الإيرانيين إلى الخروج إلى الشارع وأكد أن لدى إسرائيل "أدوات خاصة" قادرة على دفع الحرب نحو تحقيق هدفها المركزي من دون أن يكشف عن طبيعة هذه الأدوات أو كيفية توظيفها.
في الإطار ذاته، تتحدث شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، عن استهداف ما وصفتها بالهيئات المسؤولة عن قمع المعارضة داخل إيران. الرهان يقوم على أن ضرب أجهزة الأمن الداخلي وقوات الباسيج والحرس الثوري، قد يفتح المجال أمام عودة الاحتجاجات إلى الشارع. غير أن المعطيات المتوافرة حتى الآن لا تشير إلى وجود انشقاقات داخل هذه الأجهزة، وهو عنصر حاسم في أي سيناريو يراهن على تغيير داخلي في بنية النظام.
لكن اللافت أنه بعد أربعة أيام من الحرب، تراجعت المؤسسة الأمنية عن طرح هدف القضاء الكامل على تهديد الصواريخ الباليستية. ما عُرض على الكابينت جاء واضحاً، ستبقى صواريخ في حوزة إيران إلا أن إسرائيل تسعى إلى تقليص حجم هذا المخزون والحد من قدرته على إعادة الإنتاج. لذلك، فإن الجهد الحالي يتركز على ملاحقة منصات إطلاق الصواريخ، وضمان استمرار التفوق الجوي الإسرائيلي في محاولة للسيطرة على المجال الجوي الإيراني.
يبدو أن تجربة حزيران/يونيو الماضي، تحضر بقوة في الحسابات الإسرائيلية، فبعد جولة الأيام الاثني عشر، ترى إسرائيل أن طهران نجحت في إعادة ترميم جانب من منظوماتها العسكرية خلال أشهر قليلة. في هذه الحرب تسعى إسرائيل إلى إلحاق ضرر أعمق وأوسع نطاقاً بما يؤخر أي مواجهة مقبلة لفترة أطول. الهدف لا يقتصر على إضعاف الترسانة الصاروخية فقط؛ بل يشمل تقليص قدرة إيران على استئناف إنتاجها وتسليحها بوتيرة متسارعة.
في هذا السياق، يرى رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق عاموس يادلين، أن أهداف الحرب لا تقتصر على تدمير المنظومات العسكرية فحسب. برأيه، تركز الضربات على مراكز ثقل النظام والحرس الثوري بهدف توليد ضغط داخلي مباشر على القيادة الإيرانية وتعزيز موقع التيارات البراغماتية داخل بنية الحكم ودفع مسار تغيير ينبع من الداخل لا من الخارج.
ويعتبر يادلين أن المواجهة تمثل كذلك اختباراً لمستوى التصعيد بين إيران والولايات المتحدة. فمقتل جنود أميركيين يضع الرئيس دونالد ترامب أمام معادلة دقيقة إما رد عسكري قاسٍ يوسع نطاق الحرب أو ضبط إيقاع التصعيد مع تحمل كلفة سياسية داخلية.
كما يشدد على ضرورة تفكيك السردية القائلة إن إسرائيل دفعت واشنطن إلى الحرب عبر التأكيد أنها تتحرك ضمن منظومة ردع مشتركة وتتحمل جزءاً من العبء العملياتي بدلاً من تحميله بالكامل للولايات المتحدة. وفي تقديره، قد يشكل استهداف إيران أهدافاً مدنية في دول عربية خطأ استراتيجياً؛ لأنه يعزز تقارباً خليجياً مع إسرائيل ويفتح مساراً سياسياً موازيا للمسار العسكري.
على الجبهة اللبنانية، برز تطور دراماتيكي مع انضمام حزب الله إلى المواجهة، ما منح إسرائيل مبرراً لتوسيع نطاق ضرباتها. الوزراء في حكومة نتنياهو صادقوا على تكثيف الهجمات الجوية، مع موافقة المستوى العسكري على السيطرة على مواقع مرتفعة إضافية داخل الأراضي اللبنانية، "بهدف منع إطلاق نار باتجاه المستوطنات الإسرائيلية المحاذية للحدود". تفيد تقديرات المؤسسة الأمنية بأن انخراط الحزب كان متوقعاً؛ إلا أن مستوى مشاركته ما زال محدوداً نسبياً. في المقابل، ترى تل أبيب أن الظرف الحالي قد يتيح إلحاق ضرر إضافي به مستفيدة من مناخ داخلي لبناني متحفظ إزاء جرّ لبنان إلى مواجهة واسعة جديدة.
في هذا السياق، ذكرت صحيفة هآرتس أمس الثلاثاء، أن إسرائيل تعتزم مواصلة إخلاء خط القرى الأول والثاني تحسباً لاحتمال توسع القتال، مع تمركز الفرقة (91) في نقاط متقدمة قرب الحدود لإقامة حزام أمني إضافي لسكان مستوطنات الشمال. وأشارت الصحيفة إلى أن الجيش يستعد لتنفيذ عملية برية إذا تطلبت التطورات ذلك مع إبقاء الأولوية للحرب على إيران، انطلاقاً من تقدير بأن إضعاف طهران سينعكس مباشرة على حزب الله. تشمل الخطة توسيع الضربات على ما تصفه إسرائيل بمخازن السلاح والبنية الاستخباراتية في الجنوب و العاصمة بيروت، واستهداف المنظومة المالية عبر قصف مصارف ومؤسسات تمويل تصنفها على أنها تابعة للحزب، إلى جانب تنفيذ عمليات اغتيال تطال قيادات وعناصر فيه، بهدف تقويض بنيته القيادية والحد من قدرته على إدارة القتال.
إقليمياً، تتسع دائرة المخاطر إذ أن إيران تطلق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه دول في الخليج. حيث تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن طهران قد تسعى إلى رفع أسعار الطاقة للضغط على العواصم الخليجية ودفعها إلى التأثير على واشنطن لوقف الحرب. حتى الآن، تعتقد إسرائيل أن النتائج لم تسِر وفق هذا الرهان، وأن بعض الدول الخليجية باتت أقرب إلى الاصطفاف مع الولايات المتحدة في مواجهة التصعيد الإيراني.
في الخلفية يظل عامل حاسم يوجّه الحسابات الإسرائيلية، وهو التوازن بين مخزون صواريخ الاعتراض الدفاعية وحجم الترسانة الهجومية الإيرانية. فكلما نجح الجيش في استهداف منصات الإطلاق وتقليص المخزون الإيراني القابل للاستخدام، تراجع القلق من خسائر واسعة في الجبهة الداخلية. أما إذا امتدت الحرب من دون إحداث خفض ملموس في التهديد الصاروخي فإن الكلفة السياسية والاقتصادية سترتفع ويتآكل مخزون الصواريخ الاعتراضية ما يزيد الضغط على صناع القرار في إسرائيل.
في ضوء ذلك كله، تتوزع السيناريوهات المتوقعة على ثلاث مسارات رئيسية:
المسار الأول يتمثل في حرب ممتدة لأسابيع عدة تنجح خلالها إسرائيل في إلحاق ضرر كبير بالقدرات العسكرية الإيرانية من دون أن يؤدي ذلك إلى إسقاط النظام، ينتهي هذا المسار بترتيب سياسي أو تفاهم جديد يعيد ضبط قواعد الاشتباك ويكرّس واقعاً ردعياً مختلفاً.
المسار الثاني يقوم على تصعيد أوسع نطاقاً يشمل انخراطاً أكبر من لبنان واليمن، وربما توسيع استهداف منشآت نفطية في الخليج. هذا المسار يرفع كلفة الحرب إقليمياً ودولياً ويضع واشنطن أمام قرار أكثر حسماً مع احتمال اتساع رقعة المشاركة لتشمل دولاً أخرى. وفي حال انزلقت المواجهة إلى حرب أوسع مما هي عليه الآن قد يفتح ذلك الباب أمام محاولة إحداث تغيير جذري في بنية النظام القائم في إيران.
أما المسار الثالث فيراهن على نقطة تحوّل داخلية في إيران سواء عبر موجة احتجاجات واسعة أو انشقاقات داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية. يعد هذا السيناريو الأكثر طموحاً من منظور إسرائيلي لكنه يظل الأقل وضوحاً حتى الآن في ظل غياب مؤشرات ملموسة على تصدع داخلي حاسم.
بشكل عام، تسعى إسرائيل إلى استثمار الظرف الراهن إلى أقصى حد وسط توافق واسع داخل الحكومة والمؤسسة الأمنية والمعارضة على أن الفرصة قد لا تتكرر. إلا أن هذا المسار يظل مرهوناً بعوامل خارجة عن سيطرتها مثل موقف البيت الأبيض وقدرة إيران على الصمود وحدود تحمّل الجبهة الداخلية لحرب طويلة. في هذا الإطار تتحرك تل أبيب بهامش محدود مدركة أن النتائج الحرب حتى اللحظة غير مضمونة.



