يسود قلق سياسي عميق في الساحة الفلسطينية وتحديداً طرفيها المركزيين السلطة في رام الله وحركة حماس في غزة، تجاه الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وبالرغم من التباين الظاهر في التصريحات مع تركيز السلطة على إدانة الهجمات الإيرانية ضد دول الخليج العربي وتجاهل اتخاذ موقف واضح وصريح من الحرب، وذهاب حماس إلى العكس تقريباً مع التنديد بالحرب والدعوة للاصطفاف إلى جانب إيران، وتجاهل الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية، إلا أن ثمة قلق عميق لدى الطرفين من تداعيات الحرب واحتمال تجاهل القضية الفلسطينية، وإطلاق يد إسرائيل فيما يتعلق بالاستيطان والضم غير المعلن بالضفة الغربية، والتشدد في تنفيذ خطة اتفاق وقف إطلاق النار بغزة، مع التذكير بما قالته صحيفة "هآرتس" قبل الزيارة السابعة لبنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض أوائل شباط/ فبراير الجاري، والتي تمثل عنوانها الأبرز حسب الصحيفة بمعادلة غزة مقابل إيران، بمعنى تقديم تل أبيب تنازلات وتسهيلات لتنفيذ الاتفاق، وتحديداً المرحلة الثانية منه، مقابل تماهي أميركي أكثر معها في التعاطي مع الملف الإيراني.
انشغال أميركي ودولي
إذن، رغم التعاطي المختلف لطرفي الساحة الفلسطينية مع الحرب على إيران، إلا أن هذا التباين لا يحجب القلق السياسي العميق للطرفين تجاه الحرب وتداعياتها، مع التلاقي بالعنوان العريض المتمثل باحتمال بتهميش وتجاهل القضية الفلسطينية وإطلاق يد إسرائيل أكثر في الضفة وغزة وفلسطين والمنطقة بشكل عام.
وتعتقد السلطة أن الحرب قد تؤدي إلى انشغال أميركي ودولي أكثر بإيران وملفاتها المتداخلة – النووي والصاروخي والأذرع الاقليمية – وربما حتى الاهتمام باليوم التالي للحرب بطهران لا غزة وفلسطين، كما جاء فعلاً في إحدى ندوات مؤتمر ميونيخ الأمني الأخير، وبالتالي تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بمراحله المختلفة.
وتخشى السلطة من امتداد التقارب الكبير بين واشنطن وتل أبيب، كما تخشى أن ينعكس ذلك بإطلاق يد نتنياهو -رغم الموقف الأميركي الرسمي المعارض- وحكومته المتطرفة بالضفة الغربية لمواصلة تنفيذ الضم الزاحف والصامت، خصوصاً بعد سلسلة القرارات الأخيرة للحكومة والمتضمنة مشروعE1 الاستيطاني الذي يفصل شمال الضفة عن جنوبها، ويعزل مدينة القدس تماماً عن محيطها البشري والجغرافي الفلسطيني، إضافة إلى تغيير آليات تسجيل وتملك الأراضي بالضفة لتسهيل الضم وفرض الوقائع على الأرض بقوة الاحتلال الجبرية.
كما تكمن بواعث القلق لدى السلطة من حقيقة أن الشعب الفلسطيني يدفع عادة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ثمن التطورات والتحولات الكبرى بالمنطقة، من حرب الخليج الثانية 1990 وهجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001 وغزو العراق 2003، وهو ما بدت ملامحه فعلاً بإغلاق الاحتلال مدن وبلدات الضفة وقطع أوصالها والتضييق أكثر على حياة الفلسطينيين وحرياتهم بمستوياتها المختلفة، كما رأينا على سبيل المثال لا الحصر في إغلاق المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي أمام المصلين بليالي شهر رمضان الفضيل.
دعم سياسي وإعلامي
أما حركة حماس، فلها مقارباتها الخاصة الحزبية والوطنية مع قلق تيار متنفذ فيها من خسارة دعم طهران المالي والسياسي والإعلامي، مع تجاوز الحسرة والانتقادات لعدم تطبيق وحدة مفهوم وحدة الساحات، والتخلي عن وعود صريحة وتفاهمات سابقة بعدم ترك الحركة وغزة وحيدة أمام آلة الإبادة والتدمير الإسرائيلية، وبالعموم تجد حماس نفسها بحل من تطبيق المفهوم من جهتها وهي لا تريد ولا تستطيع حتى لو أرادت دعم إيران عسكرياً بفتح جبهة غزة المدمرة، ولكن بالمقابل الاستعداد لتقديم دعم سياسي وإعلامي كبير لإيران بمواجهة العدوان الاسرائيلي الأميركي.
وعلى المستوى الوطني فحماس كما السلطة متوجسة من احتمال إطلاق يد إسرائيل أكثر وتراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، والحركة قلقة بشكل خاص من تباطؤ تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بغزة وتشدد ومماطلة إسرائيلية في تطبيقه لبقاء الواقع الراهن حيث الدمار شبه الشامل وتأخير التعافي المبكر والايواء العاجل وإعادة الاعمار لأبعد مدى زمني ممكن.
أخيراً وللأسف، وبالرغم من المعطيات السابقة إلا إن ثمة ابتعاد منهجي للطرفين "السلطة وحماس" عن الخط المستقيم والبديهي لمواجهة الحرب وتداعياتها الفلسطينية والإقليمية وحتى الدولية، والمتمثل بضرورة التلاقي ورص الصفوف والتفاهم على استراتيجية وطنية موحدة استعداداً للمرحلة الغامضة والمعقدة القادمة، مع مراجعة المرحلة السابقة برمتها والاقتناع بحقيقة حضور إيران الطارئ والمستجد بالقضية الفلسطينية "عقد ونصف تقريباً خلال قرن من الصراع" وهذا الحضور، لم يمنع نكبة غزة ولا تهميش القضية لسنوات بحجة الانشغال الإقليمي والدولي بإيران وملفها النووي وتوسعها في الدول العربية، مع ضرورة التذكير بقناعة تاريخية متجذرة وصحيحة أخرى مفادها استحالة فرض أي حلول غير عادلة يرفضها الشعب الفلسطيني العنيد والمقاوم من كامب ديفيد وعملية التسوية لهنري كيسنجر إلى صفقة القرن لترامب.




