باكستان وأفغانستان: صراع نفوذ وحدود في ظل "حروب الوكالة"

وائل عوادالاثنين 2026/03/02
ثلاثة من شرطة الأخلاق التابعة لطالبان (غيتي).jpg
طالبان أعادت تشكيل التوازنات في المنطقة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في واحدة من أكثر الجبهات هشاشة وتعقيداً في آسيا، تعود المواجهات بين أفغانستان وباكستان إلى الواجهة، ليس بوصفها مجرد اشتباكات حدودية عابرة، بل كامتداد لصراع أعمق يتعلق بهوية الدولة، وطبيعة السلطة، وحدود النفوذ بين طرفين تجمعهما الجغرافيا، وتفرّقهما الحسابات الاستراتيجية.

فما يبدو للوهلة الأولى توتراً أمنياً محدوداً على خط "ديورند" الحدودي، يخفي في جوهره تناقضاً بنيوياً بين مشروعين: دولة تسعى إلى تثبيت سيادتها في بيئة مفككة، وأخرى تحاول إدارة عمقها الاستراتيجي عبر أدوات غير تقليدية.

 

جذور الأزمة: حدود لم تُحسم وهويات لم تُستقر

تعود جذور التوتر بين كابول وإسلام آباد إلى أكثر من قرن، منذ رسم "خط ديورند" في العام 1893، الذي قسّم القبائل البشتونية بين دولتين. ومنذ ذلك الحين، لم تعترف الحكومات الأفغانية المتعاقبة بشرعية هذا الخط كحدود دولية، وهذا ما جعل الحدود منطقة مفتوحة على النزاع، لا سيما في ظل غياب سيطرة مركزية قوية على جانبيها.

لكن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بالجغرافيا، بل بهوية الدولة نفسها. فـَ "طالبان" التي تحكم أفغانستان اليوم، بالرغم من جذورها التاريخية في البيئة الباكستانية، تحاول تقديم نفسها كسلطة وطنية مستقلة، وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع التوقعات الباكستانية التي طالما رأت في أفغانستان عمقاً استراتيجياً.

 

من "العمق الاستراتيجي" إلى "الارتداد الأمني"

لعقود، اعتمدت باكستان سياسة قائمة على دعم جماعات مسلحة لتحقيق توازنات إقليمية، سواء في أفغانستان أو في كشمير. وقد شكّلت حركة طالبان أحد أبرز أدوات هذه الاستراتيجية، التي هدفت إلى منع قيام نظام أفغاني معادٍ لإسلام آباد.

غير أن هذه السياسة بدأت ترتد على صانعها. فمع عودة طالبان إلى الحكم في العام 2021، لم تلتزم الحركة بالكامل بالأجندة الباكستانية، بل سمحت أو لم تتمكن من منع نشاط جماعات مثل "تحريك طالبان باكستان"، التي تنفذ هجمات داخل الأراضي الباكستانية.

وهنا تكمن المفارقة: الأدوات التي استُخدمت لتحقيق النفوذ الإقليمي تحولت إلى مصدر تهديد داخلي، في ما يمكن وصفه بـِ "الارتداد الأمني" لسياسات حروب الوكالة.

 

شبكات متداخلة: بين الوكلاء والفاعلين المستقلين

لفهم التصعيد الحالي، لا بد من النظر إلى شبكة العلاقات المعقدة بين الجماعات المسلحة في المنطقة. فالتاريخ الموثق يشير إلى علاقة وثيقة بين أجهزة الأمن الباكستانية وبعض التنظيمات مثل "لشكر طيبة"، التي استُخدمت كأداة لتحقيق أهداف استراتيجية.

لكن هذه العلاقة، بالرغم مما تتسم به من تنظيم ورقابة، لا تعني بالضرورة سيطرة مطلقة. فظهور تنظيم "داعش – خراسان" خلق ديناميكيات جديدة، حيث تتداخل الولاءات، وتتشابك المصالح، وتزداد احتمالات الانفلات.

تشير بعض المعطيات إلى أن عناصر من هذه التنظيمات تمكنت من التحرك عبر الحدود، مستفيدة من شبكات لوجستية قائمة، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى السيطرة الفعلية للأجهزة الأمنية، أو وجود "تجزئة وظيفية" داخل هذه المنظومات. كما أن التقارير الدولية، بما في ذلك تقارير مجلس الأمن، تشير إلى استمرار وجود جماعات مسلحة عبر الحدود، ما يعزز فرضية أن المنطقة تحولت إلى فضاء مفتوح لحروب غير تقليدية، تتجاوز سيطرة الدول.

 

ما بعد 2021: طالبان بين الشرعية والضغوط

أدى وصول طالبان إلى السلطة إلى إعادة تشكيل التوازنات في المنطقة. فمن جهة، تسعى الحركة إلى الحصول على اعتراف دولي، وهو ما يتطلب منها ضبط الجماعات المسلحة على أراضيها. ومن جهة أخرى، تواجه تحديات داخلية تجعل قدرتها على فرض السيطرة الكاملة محدودة.

هذا التناقض يضع كابول في موقف معقد: فهي مطالبة من باكستان بضبط الحدود ومنع الهجمات، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في الظهور كأداة في يد إسلام آباد. أما باكستان، فتجد نفسها أمام واقع جديد: نظام في كابول لا يمكن التحكم فيه بسهولة، وحدود تتحول إلى مصدر تهديد مستمر.

 

التصعيد الأخير: رسائل ضغط متبادلة

تتجاوز الاشتباكات الأخيرة بعدها العسكري، لتتحول إلى رسائل سياسية متبادلة. فالقصف الباكستاني داخل الأراضي الأفغانية يعكس محاولة لفرض معادلة ردع جديدة، بينما ترد طالبان بتأكيد سيادتها ورفضها لأي انتهاك لأراضيها.

وفي ظل غياب آليات فعالة لإدارة الأزمة، يصبح التصعيد خياراً سهلاً، حتى وإن كان مكلفاً على المدى الطويل.

 

البعد الإقليمي: صراع يتجاوز الحدود

لا يمكن فصل الأزمة عن سياقها الإقليمي الأوسع. فالصين، التي تستثمر في الممر الاقتصادي الباكستاني، تنظر بقلق إلى أي عدم استقرار قد يهدد مشاريعها. كما أن روسيا وإيران تراقبان التطورات خشية تمدد الجماعات المتطرفة.

وفي الوقت ذاته، تحاول قوى إقليمية مثل قطر والسعودية لعب دور الوسيط، إدراكاً منها أن انفجار الوضع قد يؤدي إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار في المنطقة.

وفي هذا السياق المعقد، لا يمكن قراءة التقارب المتسارع بين كابول ونيودلهي بمعزل عن التحولات الجيوسياسية الأوسع. فتعزيز الحضور الهندي في أفغانستان، سواء عبر المشاريع التنموية أو الانخراط السياسي، يمثل بالنسبة لإسلام آباد تهديداً استراتيجياً مزدوجاً، إذ يطوّقها من الجبهة الغربية ويقوّض عمقها الاستراتيجي التقليدي.

غير أن هذا التقارب لا ينفصل أيضاً عن حسابات القوى الكبرى، حيث تتزايد المؤشرات على تصاعد الضغوط الأميركية والإسرائيلية في ظل الحديث عن سيناريوهات مواجهة محتملة مع إيران. وفي هذا الإطار، تبدو كل من أفغانستان وباكستان أمام معادلة دقيقة، حيث تتعرضان لضغوط لوجستية وسياسية قد تدفع باتجاه فتح قنوات عبور أو تسهيلات غير مباشرة لتحركات جماعات مسلحة، الأمر الذي يضعهما أمام اختبار صعب بين الحفاظ على توازناتهما الداخلية وتفادي الانزلاق إلى صراع إقليمي أوسع.

وعليه، فإن أي انخراط غير محسوب في هذه الترتيبات قد يعيد إنتاج حالة عدم الاستقرار في الإقليم، ويحوّل أفغانستان مجدداً إلى ساحة صراع بالوكالة، فيما تجد باكستان نفسها أمام تحديات أمنية مضاعفة على حدودها الشرقية والغربية في آن واحد.

 

نحو مقاربة مختلفة: من الاستعراض إلى الحلول الجذرية

إن استمرار التصعيد بين أفغانستان وباكستان لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة. فالحلول الاستعراضية، سواء عبر القصف أو الخطاب التصعيدي، قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها لا تعالج جذور المشكلة.وباكستان في حقيقة الامر لاتقاتل من اجل التوسع الجغرافي أو الصراع الايدلوجي بل لانهاء نشاطات الجماعات المسلحة المعادية لها داخل أفغانستان .

ثمة حاجة إلى مقاربة مختلفة تقوم على ثلاث ركائز:

  1. معالجة ملف الجماعات المسلحة بشكل شفاف وقابل للتحقق
    لا يمكن لأي من الطرفين الاستمرار في إنكار وجود هذه الجماعات أو استخدامها كأدوات سياسية.

  2. إعادة تفعيل الوساطة الإقليمية
    يمكن لقوى مثل قطر والسعودية، إلى جانب الصين وتركيا، لعب دور في خفض التصعيد وفتح قنوات الحوار.

  3. خفض الخطاب التصعيدي
    فالتصريحات المتشددة قد ترضي الداخل، لكنها تعقّد فرص التوصل إلى حلول واقعية.

 

أزمة دولة أم أزمة نظام إقليمي؟

في جوهرها، تعكس المواجهة بين أفغانستان وباكستان أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة في بيئة غير مستقرة، وبحدود استخدام الجماعات المسلحة كأدوات للسياسة الخارجية.

لقد أثبتت التجربة أن “حروب الوكالة” قد تمنح نفوذاً مؤقتاً، لكنها في المقابل تُراكم مخاطر طويلة الأمد قد تتحول في لحظة ما إلى تهديد وجودي للدولة نفسها. وفي هذا السياق، لا يحتاج تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان إلى تحقيق نصر عسكري مباشر، بقدر ما يعتمد على استمرار حالة التنافس والتشرذم الإقليمي كبيئة مثالية للنمو والتمدد.

فكل تأخير في التنسيق الأمني يفتح أمام التنظيم نافذة لتعزيز شبكاته، وتوسيع قاعدة التجنيد، والتخطيط لهجمات عابرة للحدود. وقد أظهر منذ عام 2023 قدرة متزايدة على استهداف قوى إقليمية ودولية انطلاقاً من الفضاء الأفغاني–الباكستاني، مستفيداً من هشاشة الحدود وتراجع مستويات الثقة بين الدول. ومع استمرار هذه البيئة الرخوة، تصبح الحاجة إلى تعاون استخباراتي فعّال وانخراط عملي حتى وإن كان مشروطاً أمراً لا يحتمل التأجيل، لتفادي تصعيد يبدو أقرب إلى الحتمية.

وعليه، فإن المعادلة باتت واضحة: إما تنسيق واقعي يتجاوز الحساسيات السياسية، أو ترك المجال لتنظيم يجيد استثمار الانقسامات لإعادة إنتاج تهديده على نطاق أوسع وأكثر تعقيداً.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل تستطيع كابول وإسلام آباد الانتقال من منطق الصراع إلى منطق إدارة المصالح، أم أن المنطقة ستظل رهينة دوامة العنف المتكرر، حيث تتحول الحدود إلى خطوط نار دائمة لا تعرف الاستقرار؟

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث