تناول الباحث الإسرائيلي راز تسيمت، في مقال تحليلي نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، سؤالاً مركزياً يتعلق بمدى استقرار النظام الإيراني بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، والمعروفة بـ"حرب شعب كالأسد".
ويستند المقال إلى معطيات وتصريحات إيرانية، إضافة إلى قراءة لتطورات ما بعد الحرب، ليطرح تساؤلات حول قدرة الجمهورية الإسلامية على الصمود في مواجهة هجوم إسرائيلي–أميركي جديد، وحول ما إذا كانت الضربات العسكرية قادرة فعلاً على تهديد بقاء النظام أو دفعه إلى تغيير استراتيجي في سياساته.
ويقول تسيمت إنه بعد انتهاء حرب "شعب كالأسد"، أقرّ أحد كبار الضباط في الجيش الإيراني، أمير فوردستان، بأن بلاده فوجئت بالهجوم الإسرائيلي في بداية الحرب. ونقلت الصحيفة عن فوردستان قوله إن "ضربة صادمة نُفذت للجميع"، مضيفاً أن من "أعاد لنا الحياة وأعطانا طاقة وحيوية ووجّهنا بحكمته كان المرشد الأعلى وقائد القوات المسلحة الإمام علي الخامنئي".
وبحسب ما أورده تسيمت، أشار الضابط الإيراني إلى أن مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف، اتصل خلال الحرب طالباً وقف إطلاق النار. وقال فوردستان، وفق المصدر نفسه، إن طلب وقف النار "لم يكن بسبب قوة ترامب، بل لأنه كان يخاف حقاً".
معركة أوسع من الحرب السابقة
يرى تسيمت أنه بعد نحو ثمانية أشهر على انتهاء الحرب، تجد الجمهورية الإسلامية نفسها أمام معركة عسكرية أوسع وأكثر أهمية. ويعزو فشل المفاوضات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، ليس فقط إلى التباين في المواقف، بل إلى قناعة ترسخت لدى القيادة الإيرانية مفادها أن إسرائيل والولايات المتحدة فشلتا في تحقيق هدفهما الرئيسي في حزيران/يونيو 2025، أي إسقاط النظام.
وبحسب التحليل المنشور في "يديعوت أحرونوت"، تعتقد طهران أن أي هجوم أميركي مقبل قد يلحق أضراراً جسيمة، وربما يؤدي إلى اغتيال مسؤولين كبار، لكنه لن يشكل تهديداً وجودياً لبقاء النظام. هذه القناعة، وفق الكاتب، حالت دون تبني إيران موقفاً أكثر مرونة كان يمكن أن يمنع الهجوم الحالي.
ويتناول المقال أيضاً الاحتجاجات التي اندلعت في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025، والتي جرى قمعها بعنف. ويشير تسيمت إلى أن القمع لم يحل الأزمات البنيوية التي تواجهها الجمهورية الإسلامية، بل عمق أزمة الشرعية وفاقم التدهور الاقتصادي.
ويرى الكاتب أنه من الصعب تقدير تأثير الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على استقرار النظام وبقائه. ويشكك في قدرة أي هجوم جوي، مهما بلغ حجمه، على إسقاط الجمهورية الإسلامية أو إقامة بديل مناسب من دون مشاركة فاعلة من ملايين الإيرانيين. ويضيف أن استعداد المواطنين للمخاطرة بحياتهم يرتبط بمدى اقتناعهم بوجود أفق لتغيير إيجابي.
في المقابل، يشير إلى أنه كلما استهدف الهجوم "قطع رؤوس" القيادات السياسية والعسكرية، وأضعف قدرة الأجهزة الأمنية على قمع تحديات داخلية مستقبلية، زادت احتمالات زعزعة أسس النظام.
أربع قضايا مفتوحة
ويطرح تسيمت أربع قضايا رئيسية في هذه المرحلة من الصراع، وهي تأثير المعركة على تماسك النظام وقدرته على البقاء ومنع الإيرانيين الغاضبين من استغلال الهجمات لإسقاطه، وتأثير الضربات على المنظومات الاستراتيجية، وفي مقدمتها برنامج الصواريخ الباليستية، الذي بدأ إعادة بنائه فور انتهاء "معركة شعب كالأسد"، والبرنامج النووي الذي تعرض لضربة كبيرة خلال "حرب الأيام الـ12"، لكنه احتفظ بقدرات تتيح إعادة البناء إذا اتُّخذ القرار بذلك، وسياسة الرد الإيراني ووكلائه، وعلى رأسهم "حزب الله"، تجاه إسرائيل والقوات الأميركية في الشرق الأوسط، وربما تجاه دول الخليج، في ضوء تحذيرات القيادة الإيرانية من تحويل أي مواجهة إلى صراع إقليمي، بالإضافة إلى السؤال المركزي ما هو الهدف الرئيسي للهجوم الإسرائيلي–الأميركي المشترك؟ وما الآلية التي يمكن أن تتيح إنهاء الحملة؟
ويستعرض المقال جدلاً دار في إيران عقب انتهاء "حرب الأيام الاثني عشر" بين تيار براغماتي رأى أن الأزمات الداخلية ودروس الحرب تفرض تغييراً جذرياً في السياسات الداخلية والخارجية، وبين محافظين ومتشددين اعتبروا أن الضربات التي تلقتها إيران لا تبرر تعديل الأهداف الاستراتيجية للجمهورية الإسلامية.
ويخلص تسيمت إلى أن هذا الجدل حُسم لمصلحة نهج "المقاومة"، بعد أن اعتبر المرشد الإيراني علي الخامنئي أنه لا بديل عن الصمود الحازم في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة.
نهاية مفتوحة
يختم الكاتب بالإشارة إلى وجود أمل في أن تنتهي الحملة الحالية بطريقة لا تستدعي جولة قتال جديدة بعد أشهر قليلة، لكنه يشكك في إمكانية تحقيق هذا الهدف عبر إلحاق ضرر كبير بالقدرات العسكرية الإيرانية فقط، من دون زعزعة أسس النظام وتقويض قدرته على العمل، بما يؤدي إلى تحول استراتيجي في سياسات طهران.
وبذلك، يبقى السؤال الذي يطرحه المقال مفتوحاً: هل تستهدف الحملة تغيير سلوك إيران، أم تغيير النظام نفسه؟.




