ركزت قراءات أمنية واستراتيجية إسرائيلية خلال الساعات الأخيرة، على سؤالين مركزيين هما "ماذا بعد اغتيال 40 قيادياً مركزياً في إيران أبرزهم المرشد علي خامنئي؟ وما تأثير ذلك على سيرورة الحرب؟".
ورصدت "المدن" محاولة من الباحث الإسرائيلي في شؤون الشرق الأوسط إيال زيسر، للإجابة على السؤالين، خلال حديثه لإذاعة "مكان" العبرية، اعتبر فيه أنه "لا صلة مباشرة" بين اغتيال خامنئي وإسقاط أو انهيار النظام الإيراني، مشيراً إلى "أننا نتكلم في النهاية عن إيران وليس نظام الأسد في سوريا أو صدام حسين في العراق"، ورأى زيسر أنّ هناك شخصيات وبدائل كثيرة داخل نظام الجمهورية الإسلامية، وبالإمكان اختيار أحدهم ليكون خليفة خامنئي، عدا عن امتلاك النظام "قواعد قوة" وركيزة اجتماعية- أيديولوجية مؤيدة له.
واللافت أن القراءة الأكاديمية والبحثية لإيال زيسر، لم تختلف كثيراً عن تقييمات عسكرية في إسرائيل، حيث نقلت هيئة البث العبرية عن جنرال بالاحتياط الإسرائيلي، أنه رغم وجود "بلبلة" داخل الجمهورية الإسلامية بسبب صدمة خلفتها "الضربة الافتتاحية"، إلا أن هناك 14 بديلاً لكل قائد إيراني اغتيل في الدقيقة الأولى للحرب، مضيفاً أن "إيران دولة كبيرة" وفيها مليون جندي.
"كل السيناريوهات مفتوحة"
وبشأن سيرورة الحرب، رأى هذا الجنرال الإسرائيلي أنّ الأيام القادمة تحمل عدة سيناريوهات، سواء بتوقف الحرب نهاية الأسبوع الحالي أو القادم، وإما تدحرجها لعمليات أكثر عمقا، مبينا أنه في حال "غامرت" طهران ووجهت ضربات "أصعب" تجاه دول الخليج وإسرائيل وعموم المنطقة، فإن ذلك سيقود ردودا أميركية وإسرائيلية "أشد"، وبالتالي بإطالة أمد الحرب.
ووفق المصدر العسكري نفسه، فإن أكثر من 110 صواريخ انطلقت من غرب إيران نحو إسرائيل منذ بدء الحرب، متوقعا أن يعرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقفا للحرب خلال أيام، مقابل قبول طهران بالشروط الأميركية، خصوصا أنه لا يرغب بتحول الحرب إلى "استنزاف"، غير أنه سيجد نفسه مضطرا لمواصلتها؛ لأن ما يهم ترامب هو "ماذا بعد وقف الحرب؟ هل سيتم الاتفاق بشأن الصواريخ الباليستية ومنع تخصيب اليورانيوم؟"، بمنظور إسرائيل.
وبذلك، تبدو كل السيناريوهات مفتوحة، بحسب القراءات العسكرية الإسرائيلية، وتساءل محللون عسكريون إسرائيليون عن مصير "450 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب في إيران وكذلك صواريخها في اليوم التالي للحرب". وتقر التقديرات العسكرية والأمنية الإسرائيلية أن الضربات الجوية مهما بلغت شدتها، لن تؤدي إلى انهيار النظام، معتبرة أنّ الشعب الإيراني وحده القادر على التغيير، وأن النظام الإيراني "ما زال واقفا على قدميه". وهذا يعني، أن واشنطن وتل أبيب تراهنان على أن تؤدي الضربات إلى تغيير سلوك النظام عبر بروز تيار متجاوب مع الشروط الأميركية، أو حدوث مفاجآت داخل الجمهورية الإسلامية تقود إلى إضعاف تراكمي له.
5 أيام.. للمرحلة الأولى؟
وفيما بدا أن خطة الحرب الأميركية الإسرائيلية تتعامل مع أكثر من سيناريو، فإن محرر الشؤون السياسية لهيئة البث العبرية شمعون آران، قال إن الجيشين الأميركي والإسرائيلي سينجزان أهداف المرحلة الأولى للحرب خلال 5 أيام، قبل الانطلاق نحو المرحلة الثانية، في إشارة إلى استنادها إلى عدة مراحل، ويبدو أن هذا ما قصده الجيش الإسرائيلي، بإعلانه إنه يتعامل في هذا الوقت مع الأهداف "الأكثر أولوية"، وهي الصواريخ الباليستية ومنصات الإطلاق ومخازن التصنيع العسكري ورموز النظام، بحجة تحقيق هدفين رئيسيين، هما "تحييد خطر وجودي على إسرائيل.. وخلق الظروف لإسقاط النظام في طهران". لكنّ الجيش الإسرائيلي هدد أيضا بتعميق الضربات أكثر بناء على التطورات، وبما يشمل المنشآت النووية ومواقع أخرى في المرحلة التالية. كما ذكرت قراءات عبرية أن إسرائيل ستصعد هجماتها لتشمل بنى حيوية إيرانية، إذا وجهت الأخيرة ضربات أصعب ضد إسرائيل والمرافق الأميركية بالمنطقة.
"خطة مبرمجة"
هذا ويجتمع مجلس الكابينت الإسرائيلي مساء الأحد، حيث تعرض خلاله الأجهزة الأمنية الإسرائيلية آخر تحديثات العملية العسكرية ضد إيران، في حين أوضحت الإذاعة العبرية الرسمية أن هناك خطة "مبرمجة" بين إسرائيل وأميركا، بحيث يتعامل كل طرف مع أهداف محددة داخل الجمهورية الإسلامية. وقال المحرر السياسي للإذاعة العبرية، إن الحرب ستتواصل كلما اقتضت الضرورة، بينما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن هناك آلاف الأهداف الإيرانية لقصفها، في إشارة إلى أن بنك الأهداف لم ينفد بعد!
بدوره، أقرّ المراسل العسكري للتلفزيون العبري الرسمي إيال عاليما، أنّ تدفق الصواريخ الإيرانية باتجاه إسرائيل والمنطقة، لم يتوقف، وأن هذا يدل على أن طهران استعدت للمعركة رغم اغتيال القيادة العليا بالضربة الافتتاحية، منوها بأن الرد الإيراني كان "فوريا"، ولم ينتظر ساعات طويلة كما في المواجهة السابقة، عدا أنه شمل أكثر من دولة في المنطقة بموازاة إسرائيل، بحسب عاليما الذي أكد أيضا اتباع إيران نهج "إدارة" مخزون الصواريخ المتبقية لديها، على شكل رشقات متتالية وبعدد صواريخ مقنّن؛ للتمكن من خوض حرب طويلة، لكن عاليما بيّن أن هذا يشكل في المقابل "تحديا للجبهة الداخلية الإسرائيلية".
إخفاء نسبة "الاعتراض الصاروخي"!
واللافت انه خلافا للحرب السابقة، فإن الرقابة العسكرية الإسرائيلية لا تكتفي فقط بمنع تصوير أو ذكر المواقع الدقيقة لسقوط الصواريخ، بل تحظر أيضا نشر عدد الصواريخ الإيرانية التي تتمكن من الوصول إلى العمق الإسرائيلي، أو نسبة اعتراضها؛ وذلك خشية أن يوفر ذلك فرصة للقوات الإيرانية لتقييم ضرباتها و"تصويبها" بشكل أدق في المرات اللاحقة.
بالعموم، تتفق القراءات الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية، على اعتبار ما يجري "أكثر من عملية عسكرية" إلى محاولة لرسم موازين قوى بالشرق الأوسط، في حين عدّتها مواقع أمنية عبرية "لحظة مفصلية" لإعادة صياغة المنطقة عسكريا وسياسيا واقتصاديا، وفق قولها.




