في مقال تحليلي نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، ضمن قسم الشؤون الاستراتيجية والعسكرية، كتب المحلل السياسي تسفي برئيل أن الإعلان الرسمي الصادر من طهران عن وفاة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يفتح أمام النظام الإيراني سلسلة خيارات معقدة، لكنه لا يحسم المسألة الجوهرية المرتبطة بمستقبله السياسي، ولا يجيب عن سؤال ما إذا كانت الضربات العسكرية كافية لإسقاطه.
وفاة خامنئي وسؤال الهدف الأميركي
بحسب برئيل، فإن الهجوم المشترك الذي شنته إسرائيل والولايات المتحدة على إيران يثير تساؤلاً مركزياً حول هدف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هل يسعى إلى إخضاع النظام الإيراني وإجباره على الاعتراف بالهزيمة والقبول بجميع شروط واشنطن وتل أبيب؟ أم أن الهدف هو تفكيك بنية النظام نفسه تمهيداً لقيام قيادة جديدة؟
الاحتمال الأول، وفق التحليل، يمنح القيادة الإيرانية فرصة سريعة لتعيين مرشد أعلى جديد، وربما إنقاذ النظام عبر توقيع اتفاق استسلام مع الولايات المتحدة. أما الاحتمال الثاني، فيفتح الباب أمام تحول سياسي جذري قد يقود إلى ثورة داخلية تتبنى قيادة بديلة تسارع إلى توقيع اتفاق سلام مع واشنطن وربما مع إسرائيل، بما قد يؤسس لـ"شرق أوسط جديد".
ترتيبات ما بعد خامنئي
ينقل المقال عن تقارير إيرانية أن خامنئي كان قد استعد لاحتمال وفاته منذ حزيران/يونيو الماضي عقب "حرب الأيام الإثني عشر"، وعين لجنة من ثلاثة مسؤولين كبار لتوصي بخليفته في حال وفاته أو اغتياله. غير أن اسم المرشح المفضل لم يُكشف.
من بين الأسماء المطروحة، يذكر برئيل مجتبى خامنئي، نجل المرشد، لكنه يفتقر إلى المكانة الدينية المناسبة، والرئيس السابق إبراهيم رئيسي، الذي كان يُطرح اسمه قبل مقتله في حادث تحطم مروحية، والرئيس الأسبق حسن روحاني، صاحب رتبة دينية رفيعة، وصادق لاريجاني، رئيس السلطة القضائية، وعلي لاريجاني، الأمين العام لمجلس الأمن القومي، الذي أصبح – وفق المقال – صاحب أعلى سلطة بعد وفاة خامنئي.
ويوضح المقال أن اختيار المرشد الأعلى من صلاحيات مجلس خبراء القيادة دستورياً، وهو هيئة منتخبة تضم 88 عضواً. غير أن العملية، عملياً، قد تتحول إلى ساحة صراع سياسي بين المحافظين والمتشددين، وبينهم وبين الحرس الثوري الذي سيحرص – بحسب التحليل – على تعيين مرشح ينسجم مع مصالحه. ويشير برئيل إلى أن نتيجة هذا الصراع ستحدد اتجاه النظام ومصير الحرب.
مسار ترامب: اتفاق أم إسقاط؟
يرى برئيل أنه حتى بدء الهجوم، بدا علناً أن ترامب يسعى إلى اتفاق مع القيادة الحالية يقوم على وقف كامل لتخصيب اليورانيوم داخل إيران وتطبيق رقابة صارمة تضمن عدم السعي إلى تطوير سلاح نووي. غير أن جولتي المحادثات اللتين أُجريتا، بحسب المقال، لم تؤسسا لقاعدة صلبة تتيح الاعتقاد بأن الجولة الثالثة المقررة في جنيف كانت ستفضي إلى نتائج عملية وسريعة.
وعلى الرغم من النبرة المتفائلة التي أظهرها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، فإن طهران – وفق التحليل – لم تُبد استعداداً لتقديم تنازلات إضافية تمنع الهجوم.
ويلاحظ برئيل أن إيران، في ردها، وسّعت نطاق ضرباتها إلى ما هو أبعد من إسرائيل، فأطلقت صواريخ باتجاه البحرين وقطر والكويت والإمارات والسعودية، لكنها – بحسب المعطيات التي يستند إليها المقال – استهدفت قواعد وأهدافاً أميركية أو منشآت تخدم نشاطاً عسكرياً، ولم تستهدف أهدافاً مدنية أو منشآت نفط وغاز أو بنى تحتية مدنية.
كما لم تتحرك مباشرة لتعطيل الملاحة في الخليج، ولا تزال التقارير بشأن إغلاق مضيق هرمز غير مؤكدة. كذلك، ولم تطلب من وكلائها في العراق ولبنان واليمن فتح جبهات إضافية، ما اعتبره الكاتب إشارة إلى رغبة طهران في ضبط مستوى التهديد من دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
خيار "المرونة البطولية"
ويشير المقال إلى مفهوم "المرونة البطولية" الذي استخدمه خامنئي سابقاً، باعتباره تعبيراً عن قبول تنازلات تحت الضغط. ويرى برئيل أن خيار التنازل ليس أقل خطورة من خيار الحرب الشاملة، خصوصاً في ظل تباين مراكز القوى داخل إيران.
فالجيش والحرس الثوري والباسيج والشرطة يخضعون للمرشد، لكنهم يملكون أصولاً اقتصادية ضخمة تعيل ملايين الأشخاص. وفي أوقات الأزمات، قد لا تكون مواقفهم متجانسة، وقد يسعى بعضهم – وفق التحليل – إلى حماية مصالحه أو حتى اقتراح تسويات خاصة مع الولايات المتحدة.
ويناقش المقال تأثير اغتيال قيادات بارزة، مثل علي شمخاني، مستشار خامنئي العسكري، ويؤكد أن مقتل القادة لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار المؤسسات. فالبرنامج النووي استمر رغم اغتيال علماء بارزين، والحرس الثوري لم ينهَر بعد مقتل قائده حسين سلامي، كما واصل الجيش عمله بعد مقتل قائده محمد باقري.
غير أن الكاتب يحذر من التقليل من أثر استهداف القيادات العليا، مستشهداً باغتيال قاسم سليماني عام 2020، حيث خلفه إسماعيل قاآني الذي بدا – وفق التحليل – أقل كفاءة وتأثيراً.
حرب استنزاف طويلة؟
وتفيد تقارير أشار إليها المقال أن خامنئي أمر بتعيين بدلاء للقيادات العسكرية تحسباً لاستهداف متسلسل، وأن الوحدات العسكرية والوكلاء الإقليميين تلقوا تعليمات بالعمل بشكل مستقل في حال انقطاع الاتصال بطهران. وبهذه الآلية، يمكن للنظام – بحسب برئيل – تحويل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة، ما يضع الولايات المتحدة وإسرائيل أمام معضلة استمرار الحرب بكلفتها الإقليمية في مقابل إطالة عمر النظام.
ويتوقف المقال عند تأثير الحرب على احتمالات تجدد الاحتجاجات الداخلية، معتبراً أن النظام لا يزال يمتلك ما يكفي من القوة لقمع أي تحرك بعنف شديد. كما يحذر من أن الإصابات المدنية قد تعزز خطاب النظام القائل إن الحرب موجهة ضد الشعب الإيراني، ما قد يدفع نحو مزيد من التضامن الوطني بدلاً من التمرد.
ويخلص تسفي برئيل في مقاله في "هآرتس" إلى أنه في غياب بديل قيادي واضح قادر على تنفيذ الأهداف العسكرية والسياسية التي طرحها ترامب، قد يكتفي الرئيس الأميركي بإنجازات عسكرية قابلة للقياس لإعلان النصر.
ويرى أن تقليص القدرات العسكرية الإيرانية، ولا سيما منظومات الصواريخ الباليستية والتدمير الكامل للمنشآت النووية، قد يقلّص التهديد الاستراتيجي الإيراني بدرجة كبيرة، لكنه – وفق تقديره – لا يضمن إسقاط النظام أو تغييره.
وبذلك، يطرح المقال خلاصة أساسية مفادها أن الإنجازات العسكرية، مهما كانت ملموسة، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جذري في إيران.




