عقد مجلس الأمن الدولي، مساء السبت، جلسة طارئة لبحث التصعيد العسكري غير المسبوق في الشرق الأوسط، وذلك إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران والهجمات الإيرانية الانتقامية على قواعد أميركية في الخليج. وشهدت الجلسة اتهاماً إيرانياً مباشراً للولايات المتحدة وإسرائيل بشن "عدوان مسلح" على البلاد، وسط تحذيرات أممية من انهيار الأمن والسلم الدوليين.
جاء انعقاد الجلسة التي دعت إليها كل من فرنسا والصين وروسيا والبحرين وكولومبيا، بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في غارات جوية استهدفت العاصمة طهران.
اتهامات إيرانية
وفي كلمة له أمام المجلس، وجه المندوب الإيراني لدى الأمم المتحدة اتهاماً لاذعاً لواشنطن وتل أبيب، واصفاً الهجمات بأنها "غير مبررة" وتشكل "عدواناً مسلحاً" وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وأكد المندوب الإيراني أن "الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا هجوماً غير مبرر على بلادنا"، مشدداً على أن الهجمات "تعمدت استهداف مناطق بها كثافة من المدنيين"، مما أسفر عن "إصابة مئات المدنيين" بحسب التقديرات الأولية. ووصف ما حدث بأنه "انتهاك للقانون الدولي" و"حرب ضد القانون الدولي، لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة."
وشدد الدبلوماسي الإيراني على أن إعلان ترامب ونتنياهو صراحة عن "سعيهما لتغيير النظام في إيران" يشكل "دليلاً على انتهاك سيادتنا" وشؤوننا الداخلية، في إشارة إلى التدخل المباشر في الشؤون السياسية للبلاد.
الدفاع عن النفس
وفي مقابل الاتهامات، دافع المندوب الإيراني عن الهجمات التي شنتها بلاده على إسرائيل والقواعد الأميركية في الخليج، واصفاً إياها بأنها "ممارسة مشروعة لحقنا في الدفاع عن النفس" بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. وأكد أن طهران "ستستمر في ممارسة حقنا المشروع في الدفاع عن النفس حتى زوال العدوان"، محملاً الولايات المتحدة وإسرائيل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد أرسل رسالة مماثلة إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، دعا فيها المجلس إلى "اتخاذ إجراء فوري إزاء هذا الخرق للسلم والأمن الدوليين"، محذراً من أن "جميع قواعد ومنشآت وأصول القوات المعادية في المنطقة ستعتبر أهدافاً عسكرية مشروعة" في إطار الدفاع عن النفس.
السفير الأميركي
من جهة أخرى، قال مايك والتز السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة إن "عملية الغضب الملحمي" التي شنتها بلاده اليوم (السبت) موجهة ضد أهداف استراتيجية محددة "لتفكيك قدرات نووية تهدد الحلفاء، وإضعاف قدرات بحرية تستخدم لزعزعة استقرار مياه إقليمية، وتعطيل الآلية التي تُسلح الميليشيات الوكيلة، وضمان أن النظام الإيراني لن يهدد العالم أبداً بسلاح نووي".
وأشار إلى ما ذكره الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن أن "النظام الإيراني ولعقود طويلة زعزع الاستقرار في العالم، وقتل جنوداً ومدنيين أميركيين، وهدد حلفاء إقليميين، وعرض للخطر أمن الملاحة الدولية التي يعتمد عليها العالم".
وأضاف أن المسؤولية الأساسية لأي حكومة تتمتع بالسيادة تتمثل في حماية مواطنيها، وأن أي دولة مسؤولة لا يمكنها تجاهل العدوان المستمر والعنف.
وقال إن النظام في إيران "قاد هجمات أدت إلى خسائر في أرواح الأميركيين، واستهدف السفن الأميركية في البحر الأحمر، ودعم وسلح منظمات مسلحة قوضت حكومات شرعية وزعزعت الاستقرار".
وذكر أن مواصلة إيران تطوير قدرات صاروخية مع "رفضها للتخلي عن الطموح النووي على الرغم من الفرص الدبلوماسية" يمثل خطراً جسيماً ومتزايداً.
وقال إن المجتمع الدولي أكد مراراً على مبدأ أساسي ضروري وهو أن إيران يجب ألا تمتلك سلاحاً نووياً. وذكر أن هذا المبدأ لا يتعلق بالسياسة ولكن بالأمن الدولي لذا فإن "الولايات المتحدة قامت بعمل مشروع" كما قال والتز.
زعزعة النظام
من جهته، قال المندوب الإسرائيلي في مجلس الأمن داني دانون إن بلاده عملت مع الولايات المتحدة للتصدي لتهديد وجودي ووقفه قبل أن يتعذر ذلك. وأضاف أن العملية "استهدفت منشآت نووية ومواقع صواريخ باليستية وآلية القمع التي تغذي الإرهاب في أنحاء منطقتنا".
وقال إن إسرائيل لم تتصرف انطلاقاً من عدوان وإنما من ضرورة لأن "النظام الإيراني لم يترك بديلاً معقولاً. وهذا الجهد المشترك سيستمر مادام التهديد ظل باقياً".
وأضاف أن الجهود الدبلوماسية قد اُستنفدت، وأن إيران لم تلتزم بوقف تخصيب اليورانيوم ومشاريع الماء الثقيل وتطوير الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية، أو السماح بالتفتيش الكامل.
وقال إن العملية التي نفذتها بلاده تسترشد بأهداف واضحة: "القضاء على التهديدات الحالية، وتفكيك البرنامج النووي، وتدمير إنتاج الصواريخ الباليستية، وتحييد تهديدات البحرية، وكسر الشبكات الوكيلة التي تزعزع استقرار المنطقة".
وذكر أن العملية نُفذت لحماية الإسرائيليين في إطار الصراع المسلح القائم بين إسرائيل وإيران، بما يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
تحذير أممي
من جانبه، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إنه يأسف بشدة على "ضياع" فرصة الحلول الدبلوماسية. وأدان بشدة التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، مؤكداً أن "استخدام القوة" من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، و"الرد الإيراني" اللاحق، "يقوض السلم والأمن الدوليين". ودعا غوتيريش إلى "وقف فوري للأعمال العدائية وخفض التصعيد"، مشدداً على أن ميثاق الأمم المتحدة "يحظر بوضوح استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة".
وفي الجلسة طالبت روسيا بوقف فوري للهجمات الأميركية الإسرائيلية، ووصفتها بأنها "غير قانونية". ودعت الصين من جهتها إلى وقف فوري للعمل العسكري واحترام سيادة إيران.
فيما بريطانيا وفرنسا وألمانيا أدانت الضربات الإيرانية الانتقامية، مؤكدة أنها لم تشارك في العملية الأميركية الإسرائيلية.
وحذر الاتحاد الأوروبي حذر من مخاطر وقوع كارثة إشعاعية في حال استهداف المنشآت النووية الإيرانية. أما قطر أدانت استهداف أراضيها بالصواريخ الإيرانية، محتفظة بحق الرد.
وتأتي هذه الجلسة في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً هو الأعنف منذ عقود، مع استمرار التحذيرات من انزلاق الشرق الأوسط إلى حرب إقليمية شاملة متعددة الجبهات.




