ملامح السياسة الإسرائيلية في الضفة: التهجير وفرض السيادة

ياسر مناعالسبت 2026/02/28
Image-1772220973
سياسة إسرائيل بالضفة: فرض السيطرة والتهجير (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تتصاعد النقاشات داخل الحكومة الإسرائيلية حول مستقبل الضفة الغربية، وبرز في هذا السياق تصريح غير مسبوق بهذا المستوى لوزير  المالية بتسلئيل سموتريتش إذ قال يوم 18 شباط/فبراير 2026، دعا فيه إلى تشجيع هجرة الفلسطينيين من الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها، معتبراً أن هذا المسار يمثّل الحل الوحيد على المدى البعيد، وداعياً إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو. 

قدّم سموتريتش هذه المواقف خلال عرض ما وصفه بخطة الاستيطان حتى عام 2030 في مؤتمر لـ"حزب الصهيونية الدينية" ضمن خطاب يركز على توسيع المشروع الاستيطاني وتعزيز السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية.

يتزامن ذلك مع مؤشرات ميدانية تفيد بوجود أنماط تهجير غير معلنة، إذ تعرّضت عشرات التجمعات الفلسطينية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 لاعتداءات مكثفة من مستوطنين. اتبع المستوطنون نمطاً متكرراً تمثل في دخول مجموعات، بعض أفرادها يرتدون زياً عسكرياً، إلى تجمعات رعاة صغيرة وتهديد السكان لإجبارهم على المغادرة. ذكرت صحيفة هآرتس في 18 فبراير 2026 أن الجيش والشرطة كانا على علم بعدد من هذه الحالات، لكنهما سمحا باستمرارها.

يتقاطع هذا المسار المؤسسي مع واقع ميداني يتسم بتشديد غير مسبوق للسيطرة المكانية والأمنية في الضفة الغربية. فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعاً كبيراً في منظومة الحواجز والبوابات العسكرية، حيث تجاوز عددها ألف حاجز وبوابة حديدية، بالتوازي مع استمرار التوسع الاستيطاني وتصاعد عمليات الاعتقال وتدهور الأوضاع الاقتصادية واقتطاع أموال عائدات الضرائب، ما أدى إلى عجز في دفع الرواتب وتراجع الظروف المعيشية للفلسطينيين. ما خلق بنية ضغط مركبة تقلّص الحيز الجغرافي والحركي والاقتصادي المتاح للسكان. يصنّف هذا النمط من السياسات ضمن ما يسمى التهجير القسري غير المباشر، حيث يؤدي تراكم القيود الأمنية والاقتصادية إلى دفع السكان إلى مغادرة مناطقهم نتيجة تآكل شروط الحياة.

 

تصاعد عمليات تهجير

في ذات السياق، تشير معطيات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة أوتشا إلى أنه تم تهجير نحو 700 فلسطيني من تسع تجمعات سكانية في الضفة الغربية منذ بداية العام 2026، غالبيتهم من قرية شلال العوجات في أريحا. تكشف المقارنة السنوية تصاعداً واضحاً في أعداد المهجّرين إذ بلغ عدد الذين جرى تهجيرهم في مناطق ج والقدس خلال عام 2025 نحو 1749 فلسطينياً، مقارنة بـ 1442 عام 2024، ونحو 1206 عام 2023، و931 عام 2022. إضافة إلى ذلك تشير إحصائيات الأونروا إلى وجود نحو 33 ألف نازح من مخيمات طولكرم ونور شمس وجنين، ما يعكس اتساع نطاق الهجرة الداخلية في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة.

تعود جذور هذه النقاشات إلى ما بعد حرب 1967 التي أعادت تشكيل التوازن الديموغرافي عقب احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث عاش نحو مليون فلسطيني مقابل نحو 2.4 مليون يهودي ونحو 400 ألف فلسطيني داخل إسرائيل. سعت إسرائيل إلى ضم الأراضي من دون سكانها الفلسطينيين لأن وجودهم عُدّ تهديداً للأغلبية اليهودية. عبّر رئيس الوزراء ليفي أشكول عن هذا التوجه حين أبدى رغبته في الحصول على الأرض من دون السكان. في ضوء ذلك تخيّلت القيادة الإسرائيلية ومعها باحثون عملوا إلى جانبها إمكانية إحداث تغيير ديموغرافي فعلي عبر أدوات اقتصادية ، وركزت الجهود على ثلاثة مشاريع بحثية رئيسية. تمثل الأول في تعداد السكان عام 1967 بهدف تقليص تقديرات عدد سكان الضفة وإظهار عدد أقل من لاجئي 1948 مقارنة بتقديرات الأونروا. جاء المشروع الثاني في شكل مسح اقتصادي للضفة وغزة لتطوير سياسات تقلّل عدد الفلسطينيين وتسهّل خروجهم. أما المشروع الثالث فتمثل في دراسات اجتماعية هدفت إلى توفير أدوات تشجّع الهجرة من الضفة الغربية بأقل قدر ممكن من المعارضة.

بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر أصبحت مسألة تهجير الفلسطينيين بوصفها احتمالاً مطروحاً في ضوء مؤشرات سياسية ومؤسسية متراكمة. من أبرز هذه المؤشرات قرار المجلس الوزاري الأمني السياسي في 22 آذار/مارس 2025 إنشاء مديرية خاصة في وزارة الأمن تُعنى بما سُمّي المغادرة الطوعية، وتوسيع مهامها لتشمل التخطيط والتنفيذ اللوجستي والأمني والتنسيق مع منظمات دولية وأطراف إقليمية، إضافة إلى إنشاء مسارات ومعابر برية وبحرية لنقل الفلسطينيين إلى دول ثالثة. جاء هذا القرار في سياق نقاشات إسرائيلية متصاعدة حول نقل سكان غزة إلى أماكن أكثر أماناً وتوزيعهم على دول مستعدة لاستيعابهم، ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية لأن السياسات التي تُطبّق في غزة قد تُستخدم لاحقاً كنموذج قابل للامتداد إلى الضفة الغربية.

 

تشديد السيطرة والضغط

يساهم الجمع بين المسار المؤسسي المرتبط بإنشاء آليات رسمية للنقل السكاني والمسار الميداني المرتبط بتشديد السيطرة والضغط في ترسيخ فرضية التعامل مع سيناريو التهجير بوصفه احتمالاً قائماً في التحليل السياسي. لا يعني ذلك حتمية تحققه الآن، لكنه يشير إلى توافر عناصر بنيوية قد تسمح به في ظروف سياسية وأمنية معينة، خاصة في ظل النقاشات الإسرائيلية المتزايدة حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني والمرحلة التي قد تعقب مرحلة الرئيس الفلسطيني أبو مازن.

أشار مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست في ورقة صادرة في 8 آب/أغسطس 2024 إلى أن حركة الفلسطينيين من الضفة الغربية تُنظَّم عبر منظومة تصاريح تديرها إسرائيل، وأن السياسات تشددت بشكل كبير بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. أصبحت الحركة إلى داخل إسرائيل مقتصرة على تصاريح استثنائية مرتبطة بأوامر الإغلاق، مع السماح بالدخول لأسباب إنسانية فقط مثل العلاج. أظهرت الورقة نقصاً في البيانات الرسمية حول الهجرة من الضفة إذ لم تقدّم الجهات الحكومية معلومات كافية بالرغم من وجود مؤشرات سابقة على ميزان هجرة سلبي بلغ نحو 175 ألف شخص عبر معبر اللنبي خلال خمسة عشر عاماً.

اعتمدت الورقة على تقديرات خارجية لقياس حجم الهجرة. قدّر مكتب الإحصاء الأميركي متوسط الهجرة السلبية من الضفة الغربية بين 2013  - 2023 بنحو 12,271 فلسطينياً سنوياً، بينما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى مغادرة عشرات الآلاف سنوياً من الضفة وغزة معاً خلال الفترة نفسها. عرضت الورقة جدلاً حول حجم السكان في الضفة حيث قدّر الجهاز الإحصائي الفلسطيني عددهم بنحو 3.3 مليون عام 2023 في حين شكك باحثون إسرائيليون في هذه الأرقام وقدّروا وجود مبالغة قد تصل إلى 1.7 مليون شخص.

 

الهجرة السلبية

تشير المعطيات إلى اتجاه طويل المدى للهجرة السلبية مع تباين واضح بين التقديرات. تفيد دراسة تعتمد بيانات إسرائيلية بأن متوسط الهجرة السلبية بلغ نحو 9,882 شخصاً سنوياً بين 1967 - 2007. توقع الجهاز الإحصائي الفلسطيني استمرار الهجرة السلبية بمعدل يقارب 8000 شخص سنوياً خلال الفترة 2017 - 2027. قدّر تحليل قائم على بيانات إسرائيلية أن الهجرة السلبية بين 2015 - 2022 بلغت نحو 20,277 شخصاً سنوياً. قدّر مكتب الإحصاء الأميركي متوسط الهجرة السلبية بنحو 12,271 فلسطينياً سنوياً بين 2013  - 2023، أي نحو أربعة مغادرين لكل ألف من السكان سنوياً، بينما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى مغادرة ما بين 12 ألفاً و27 ألفاً سنوياً من الضفة وغزة معاً خلال الفترة نفسها.

كذلك، تناول مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في دراسة بعنوان حالة تشجيع هجرة الفلسطينيين من الضفة الغربية نشرت في شباط/فبراير 2024 ارتباط النقاش الإسرائيلي بحزمة أدوات تاريخية وإجرائية واقتصادية هدفت إلى التأثير في الاتجاهات الديموغرافية وتشجيع الهجرة. برز البعد الإداري والقانوني في التعداد السكاني لعام 1967 الذي احتسب من كان موجوداً فعلياً فقط، ما حرم من كان خارج الضفة من الإقامة والعودة وحوّل الغياب المؤقت إلى غياب دائم عبر إجراء بيروقراطي منظم.

تناولت المقاربات أدوات التخطيط الاقتصادي التي ربطت التنمية بالهجرة عبر توسيع التعليم والتدريب المهني ومنح فرص الدراسة في الخارج وتقديم تعويضات مالية للمغادرين مقابل ممتلكاتهم، إلى جانب خلق وظائف غير ماهرة محلياً مقابل توجيه الفئات المتعلمة نحو سوق العمل الخارجي. ارتبط ذلك بإعادة تشكيل سوق العمل عبر تطوير صناعات كثيفة العمالة لاستيعاب فئات معينة محلياً مقابل دفع الفئات المتعلمة وأصحاب المهن إلى أسواق العمل الخارجية حيث يرتفع الطلب على المهارات.

برز التعليم بوصفه أداة غير مباشرة لتشجيع الهجرة من خلال توسيع الاستثمار في التدريب والتأهيل وفتح مسارات الدراسة والعمل في الخارج، مع إدارة الهجرة المؤقتة كمرحلة انتقالية تتحول غالباً إلى هجرة دائمة مع مرور الوقت ولمّ شمل الأسر. شددت التوصيات على تنفيذ هذه السياسات عبر قنوات غير مباشرة ومن خلال جهات وسيطة لتجنب الإعلان العلني، مع استثمار عوامل الدفع الاقتصادية مثل البطالة وتدني مستوى المعيشة لدفع السكان إلى المغادرة والتركيز على الفئات الشابة والمتعلمة باعتبارها الأكثر قابلية للهجرة والأكثر طلباً في الأسواق الخارجية.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث