مسار سعودي يجرّ إسرائيل لتصبح عبئاً على أميركا؟

ملاك عبد اللهالسبت 2026/02/28
محمد بن سلمان.jpg
بن سلمان يحاول أن يستثمر في ما استجد من ظروف إقليمية وعالمية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد زيارة ترامب إلى السعودية في أيار/مايو من العام الماضي وعقد صفقات معها، أظهرت بعض الكتابات في الصحافة العبرية المخاوف والتوجسات. كتب مثلاً يومها بن كسبيت في معاريف: "ترامب في السعودية، إنها كارثة على وجود إسرائيل". أما نحوم برنياع، فتوجّس من الصفقة باعتبارها تمنح القادة الخليجيين نفوذاً سياسياً في أميركا لم يعطَ لأي دولة أجنبية حتى اليوم، وهو الأمر الذي يشكّل خطراً على أمن إسرائيل.


رؤية إسرائيلية مستجدة
شكلت أصوات كهذه وغيرها تلخيصاً وتتويجاً لرؤية إسرائيلية استجدّت بعد "طوفان الأقصى" تجاه المملكة العربية السعودية، واختلفت عمّا كانت عليه قبله. بل هي تتويجٌ موازٍ أيضاً للاختلاف في رؤية المملكة لطبيعة المسار الذي كانت قد انتهجته قبل تاريخ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. فبعد أن كانت "لا تنظر إلى إسرائيل كعدو بل كحليف محتمل في العديد من المصالح" وفقاً لما قاله ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لصحيفة "ذا اتلانتيك" الأميركية عام 2022، وبعد أن صرّح للصحيفة نفسها عام 2018 بأن للإسرائيليين الحقّ بامتلاك أرضهم الخاصة، وأن بلاده تتقاسم المصالح مع الإسرائيليين.. بل بعد أن كانت السعودية جزءاً من محور الاعتدال السني وفقاً لتعبير رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الذي شكر بن سلمان بشكل مباشر لمساهمته في إنجاح اتفاقيات أبراهام، تنتمي السعودية الجديدة إلى المحور السني الرديكالي، وفقاً لتعبير نتنياهو نفسه منذ أيام. 
أوقفت السعودية المحادثات مع الولايات المتحدة بخصوص اتفاقية التطبيع مع إسرائيل بعد أسبوع واحد من اندلاع الحرب على غزة، ومشهد الإبادة الذي رافقها. خطوة سياسية كان لا بدّ منها، خصوصاُ وأن قضية التطبيع تتأثر بالرأي العام السعودي وفقاً لدراسة أعدها الباحث في شؤون دول الخليج في معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب يوئيل جوزانسكي، وهي مسألة حسّاسة لبن سلمان كي لا تحول دون تتويجه ملكاً؛ علماً أن وليّ العهد كان قد صرّح بعدما استجدّ من وقائع بأنه قد يخاطر بحياته إذا وقّع اتفاقاً مع إسرائيل. وعندما سأله وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن آنذاك، في كانون الثاني/يناير 2024 إذا كان يريد فعلاً دولة فلسطينية، كانت الإجابة بوضوح: " أريدها؟ لا يهم كثيراً. هل أحتاجها؟ بالتأكيد". 


تبدل الوقائع والمعطيات
تبدّلت الوقائع والمعطيات وتبدّلت معها السياسات واللغة. ومن على منبر حوار المنامة 2025، خرج رئيس الاستخبارات السعودية السابق تركي الفيصل بعبارات جديدة للقول إن إسرائيل تمثّل الاستعمار الغربي في الشرق الأوسط. وهو نفسه صرّح في معهد ميلكن للشرق الأوسط وأفريقيا أن تل أبيب هي التي تشكّل التهديد الأكبر للاستقرار الإقليمي.
تبدو السعودية الراهنة وفقاً للطوفان السياسي الذي حلّ بعد "الطوفان" في المنطقة أكثر إلماماً بمعادلات الأمن الإقليمي، وأكثر إدراكاً بمصالحها والمخاطر التي تعترضها، في ظلّ نظام دولي يعاد تشكيله و"ترميمه" أميركياً وفقاً لكلام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أخيراً، وفي ظلّ مساعٍ إسرائيلية متعاظمة لأن تغدو إسرائيل الشرطي الأوحد في المنطقة.  
وبعد الضربة الإسرائيلية على قطر بالتحديد، ما عادت مسألة التطبيع السعودي-الإسرائيلي بالأمر السهل، بل دونها إصرار على أن يقدّم الإسرائيليون ثمناً من خلال الموافقة على مسار لا رجعة فيه وموثوق ومحدد زمنياً لإقامة دولة فلسطينية، وفقاً لما قاله بن سلمان لترامب في لقائه معه في تشرين الثاني/نوفمبر، وهو اللقاء الذي وصفته بعض التقارير الأميركية آنذاك بالمتوتر. إصرارٌ يأخذ في الاعتبار الكثير من المعطيات، من ضمنها تصريح نتنياهو لـ"القناة 12" العبرية في شباط فبراير/2025 عندما قال إنه لن يكون هناك دولة فلسطينية بعد 7 أكتوبر، وأن لدى السعودية ما يكفي من الأراضي لتوفير دولة للفسطينيين، وبالتالي لن يبرم أي اتفاق يعرّض إسرائيل للخطر. بل من ضمن المعطيات أيضاً ما صرحه عن أنه في خضمّ مهمة تاريخية روحية لتحقيق إسرائيل الكبرى، وما جاء أخيراً على لسان السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي عن حقّ إسرائيل التوراتي، ثمّ ما قاله نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس حول مواقف هاكابي: "أعتقد أنها تطور إيجابي". 


الاستثمارات لا تجعل الدول مؤثرة
وبملاحظة ردة الفعل الأميركية المحدودة بعض الشيء تجاه الضربة على قطر، والتي أتت مشابهة لتلك التي تلت ما تعرّضت له شركة "أرامكو" السعودية، يكتب تسفي برئيل في هآرتس: " لقد اكتشفت السعودية ومعها بقية دول الخليج أن أدوات الضغط التقليدية والتزاماتها تجاه استثمارات بترليونات الدولارات في الاقتصاد الأميركي تضمن لها علاقة حارّة مع ترامب، لكنها لا تمنحها مكانة دول قد تؤثر في سياسته الخارجية". لكن السعودية، إذ أدركت هذه النتيجة بالفعل، راحت تفتش عن السبل التي تتيح لها التأثير أكثر، وأخذت تتصرف كفاعل أكثر استقلالاً من ذي قبل: تقيم تحالفاً دفاعياً مع باكستان، تنحي منحى مشابهاً مع تركيا، تضغط على أميركا للجم اندفاعاتها في ضرب إيران، تواجه الإمارات حفاظاً على مصالحها، وترسل رسائل تذكّر القوى الفاعلة سياسيا بأنها تمتلك أدوات ردعٍ من شأنها أن تفرمل بعض المساعي بل حتى التحالفات المستجدة، وآخرها ما أسماه نتنياهو بالتحالف السداسي المستجد، والذي يتضمن الهند وقبرص واليونان وعدداً من الدول العربية والإفريقية التي لم يسمّها. 
تدرك السعوديّة تماماً أنّ تخفيف حدة التوترات الإقليمية ليست من مصلحة نتنياهو، وأنّه يحاول أن يمارس سياسة تخويفٍ متعمّدة من بعض الدول، من ضمها السعودية، يستجدي بها كسباً انتخابياً في الداخل، كما يكسب معها تطبيعاً لشعوب الدول التي ارتبطت معه بتحالف جديد تحت دواعي أمنية أو مصلحية، من أجل استمالة الرأي العام من جديد. علماً أن نتنياهو الذي يتباهى بإنجازاته فيما يخص المحور الشيعي، فإنه يصور "المحور السني الراديكالي" الجديد كحالة مضخّمة يحتاج معها إلى أن يُعطى فيها مزيداً من الوقت والفرصة لاستكمال مهمته. 


الردع السعودي
من بوادر حالة الردع مثلاً، ما توارد من أخبار عن حظر سعودي لاستيراد الدواجن من الهند، وما ولّده الأمر من أصداء، إذ كتب الناقد الهندي كمال خان في صفحته على منصة إكس ليشير إلى حظر سعودي لمنتجات هندية أساسية، كجزء من حالة عقابية للصداقة المستجدة بين مودي ونتنياهو. وقد تساءل خان: هل يمكن لنيودلهي تجاهل دولة إسلامية ضخمة من أجل 10 مليون شخص في إسرائيل؟ كما أشار البعض إلى أن المؤسسة الاقتصادية الهندية العميقة ترى أن صورة مودي الأخيرة بعناقه لنتنياهو تضع رقبة الاقتصاد الهندي تحت مقصلة الغضب السعودي والخليجي، على اعتبار أن هناك أكثر من 8 مليون ونصف هندي يعملون في دول الخليج ويضخّون مليارات الدولارات كتحويلات مالية تدّعم الاقتصاد الهندي، وأنّ بإمكان الرياض، لا بوصفها سوقاً استهلاكياً للهند وحسب، بل كصمام أمان لمصانعها وجيوشها، من خلال ما تؤمنه لها أيضاً من موارد نفطية، بإمكانها أن تضغط في أوراق القوة هذه للتأثير على ما تحاول إسرائيل فرضه من وقائع؛ وليس الحظر المذكور سوى رسالة في هذا الاتجاه. 
هي رسالة لا تصل إلى إسرائيل فقط وحسب، بل إلى أميركا التي تربطها بالسعودية وتركيا أيضاً مصالح متعددة. ستحاول السعودية أن تفرض نفسها كقوة غير تابعة بل ومؤثرة في الإقليم. قالها بن سلمان عام 2023 في مقابلة مع "فوكس نيوز" عندما صرح أن السعودية تستطيع نقل مشتريات السلاح من أميركا إلى مكان آخر، لكن إذا كانت السعودية قوية هذا يعني أن أميركا قوية، وأنتم لا تريدون منا أن نفعل ذلك. وفي هذا السياق حذّرت صحيفة فايننشال تايمز مؤخراً من أي تجاوز للخطوط الحمراء ضد السعودية لصالح أطراف أخرى كالإمارات، فمن شأن ذلك وفقاً للصحيفة ان يلقي بالسعودية في الحضن الصيني.
يحاول بن سلمان أن يستثمر في ما استجدّ من ظروف إقليمية وعالمية، وذلك ليس ترفاً بل بحكم الضرورة. وقد ذهبت مقالة مهمة في جريدة اللوموند الفرنسية إلى القول بأن بن سلمان المعني بمحبة شعبه والذي يستثمر كثيراً في تلك المحبة وجد في المسألة الفلسطينية وسيطاً جديداً للمحبة بينه وبين الشعب. هكذا، وانطلاقاً من الرمزية الدينية للمملكة، ومن حجم التهديد الإسرائيلي الذي يتضح يوماً بعد يوم، ستلعب المملكة على التوازنات. وللمفارقة فإنّ أي اختلاق من قبل نتنياهو لعدو متعاظم جديد يسلّف السعودية مزيداً من لعب هذا الدور، وصولاً إلى تحويل إسرائيل إلى عبءٍ استراتيجي على أميركا إن لزم الأمر...

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث