الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون كان قد أبدى رغبة بإعادة الحوار مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وسبقته إلى ذلك رئيسة وزراء إيطاليا جورجا ميلوني، بينما عدة جهات أوروبية لها ذات التوجُّه، بما في ذلك المانيا التي كانت قد اندفعت الى الصفوف الأمامية في مخاصمة موسكو خلال السنوات الماضية.
إن مراقبة حِراك الرأي العام في أكثر من دولة تُبيِّن تغييراً ايجابياً في المزاج الشعبي الأوروبي اتجاه روسيا، لكن الغرام الذي يدفع بالحوار إلى الأمام انطلاقاً من المصالح التجارية والنفطية؛ يقابله انتقام يخفي حسد سياسي وحذر عسكري.
التنسيق بين الرئيس ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس مُتقدِّم، والواضح أن مخاوف كبيرة بدأت تتكون عند الدولتين الكبيرتين خشية إنتهاء الحرب في أوكرانيا من دون أي دور لهما، وسياسة الحليف الأميركي لم تعُد تبعث على الإطمئنان عندهم، حتى أن وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو أعلن جهاراً قبل مشاركته في مؤتمر ميونيخ في 13 شباط/فبراير أن العالم تغيَّر بالكامل، وما كان يصحّ في الماضي؛ لم يعُد يصحّ في يومنا الحاضر، وهي إشارة واضحة إلى أن المقاربات التي حكمت التعاون في سياق حلف "الأطلسي" لم تعُد هي ذاتها.
المطالبة الأوروبية بإعادة فتح حوار مع موسكو، حول أوكرانيا، وحول غيرها من الملفات المشتركة المُتعدِدة؛ لا تقتصر على فرنسا وألمانيا، بل توسَّعت لتشمل دولاً هامة أخرى، بينها رومانيا والنروج، وبطبيعة الحال سلوفاكيا وهنغاريا اللذين لم يقطعا حبل التواصل مع موسكو على الاطلاق. واستطلاعات الرأي التي تسبق الانتخابات التي ستجري في عدد من الدول الأوروبية في وقت لاحق من هذا العام؛ تؤكد أن نسبة وازنة من الناخبين تؤيد إعادة ترتيب العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا.
تخشى الدول الأوروبية من إعادة هندسة العلاقات الدولية من دون أن يكون لأوروبا دور أساسي فيها، خصوصاً إذا ما نجحت مساعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب في انهاء الحرب في أوكرانيا، بما يرضي روسيا، كذلك فيما لو تمكَّن ترامب من تنظيم الخلافات مع الصين، على قاعدة تقاسُم التأثير في الملفات الكبرى، وفي توزيع النفوذ على أماكن وجود المخزونات الوازنة من المعادن الخفيفة النادرة، لا سيما الكوبالت والليثيوم، ومن دون هذه المعادن لا يمكن للطاقة المُتجددة أن تُحقق النجاح المأمول من دول القارة الأوروبية، وهذه الدول بدأت تعتمد على الكهرباء النظيفة التي تُنتَج من الطاقة الشمسية والضوئية ومن الرياح والمياه بنسبة تزيد عن 44 في المئة من حاجتها الاستهلاكية، ومحاصرة مناجم المعادن الثمينة، سيؤثر حكماً على منسوب الإنتاج الأوروبي من هذه الطاقة.
إدراك روسي
روسيا تُدرك أهمية إعادة التعاون التجاري بينها وبين دول الاتحاد الأوروبي، لا سيما في مجال النفط والغاز، ولكنها تعرف أن فائدة هذا التعاون تبقى لصالح الدول الأوروبية أكثر مما هي لصالح موسكو. فألمانيا وحدها خسرت ما يزيد عن 40 مليار أورو من جرّاء توقُّف واردتها من النفط والغاز الروسيين خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وفاتورة الكهرباء تضاعفت في عدد من الدول الأوروبية من جراء ارتفاع كلفة الطاقة الأحفورية، وساهمت القطيعة التجارية بين الطرفين الى صعود مؤشر التضخُّم لدى أكثر من دولة عضوة في الاتحاد. كذلك فإن كلفة مساهمة الأوروبيين في اعباء الحرب الأوكرانية ثقيلة جداً عليهم، والالتزام السنوي أصبح يقارب 35 مليار دولار موزعة بين أعباء عسكرية، وكلفة إيواء النازحين الأوكرانيين.
ايمانويل بون المستشار الدبلوماسي للرئيس الفرنسي، زار موسكو خلال الأسبوع الثاني من فبراير/شباط في محاولة جدِّية لإعادة تنشيط الحوار، وهو لقيَّ ترحيباً روسيّاً من دون الإعلان عن ذلك لوسائل الاعلام، لكن المسؤولين في الكرملين يؤكدون أن قواعد إعادة الحوار من جديد مع الاتحاد الأوروبي، تحتاج لإحترام المعادلات الجديدة، ولا يمكن لها أن تعتمد على المُحددات القديمة. إن بنود المبادرة الأميركية للحلّ في أوكرانيا؛ أصبحت ثوابت لا يمكن التراجع عنها. ويزيد عن ذلك طلب روسيا ضمانات أوروبية تمنع انضمام أوكرانيا لحلف الناتو، وربما لعضوية الاتحاد الأوروبي ايضاً، لأن ذلك سيؤدي الى انتاج إشكاليات جديدة تمسّ بالأمن القومي لروسيا، وهي لا تتسامح في ذلك على الاطلاق.
فرصة نجاح إعادة الحوار بين روسيا والاتحاد الأوروبي صعبة ولكنها ليست مُستحيلة، والاتحاد أدرك أن الحرب في أوكرانيا في حلقاتها النهائية، وهناك تبايُن مع الرؤى البريطانية المُتشددة، وهذه الرؤى ليست في صالح الاتحاد ولا تُلزِمهُ كما يقول عدد من القادة الأوروبيون، خصوصاً بعد خروج بريطانيا منه عام 2020، وعلى اعتبار أن التبايُن بين واشنطن ولندن غالباً لا يستمرُّ طويلاً، وبالتالي فإن الحسابات الفرنسية والألمانية، ومعهم مجموعة واسعة من دول القارة، بدأت تُفتش عن وسائل يمكنها جمع حاصل ثابت يضمن موقع مؤثر لهم في المستقبل، كذلك لحفظ أمن القارة من دون الاعتماد على ذات الوسائل السابقة. وقد يكون الاتفاق على إعادة إطلاق الحوار مع موسكو، وبناء خطة ردع عسكرية ونووية مُستقلة؛ من أهم الخيارات المطروحة.
في الاستراتيجية الأمنية الأميركية الجديدة؛ لم تعُد أوروبا على ذات الأهمية، فهي جاءت ثالثة في سُلَّم أولويات واشنطن، وهذا كافٍ ليدفع بالأوروبيين نحو اعتماد خيارات جديدة.




