لم يعُد استهداف البنى والقدرات المرتبطة بالبحرية الإيرانية تفصيلاً ثانوياً أو سيناريو افتراضياً، بل بات عنواناً مباشراً في قلب التطورات الميدانية المعلنة اليوم السبت. فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تنفذ عمليات قتالية كبرى ضمن عملية تحمل اسم "ملحمة الغضب"، مؤكداً أن الضربات لا تطاول منظومات الصواريخ الإيرانية فحسب، بل تمتد أيضاً إلى القوات البحرية. وفي موازاة ذلك، أفادت معلومات صحافية بأن إسرائيل أعلنت تنفيذ ضربة استباقية ضد إيران، فيما قال مسؤول دفاعي إسرائيلي إن العملية جرى تنفيذها بتنسيق مع الولايات المتحدة.
كسر ورقة الضغط الاقتصادية قبل تفعيلها
وكانت تقارير متداولة أفادت باستهداف قاعدة كنارك الجوية والبحرية في جنوب شرق إيران، والتي تقع في مدينة كنارك التابعة لمحافظة سيستان وبلوشستان، على ساحل بحر عُمان، وبالقرب من ميناء تشابهار.
هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا تُدرَج البحرية الإيرانية ضمن بنك الأهداف، حتى عندما لم تكُن الجبهة البحرية هي الأكثر اشتعالاً مقارنة بجبهات أخرى؟ الإجابة تكمن في منطق مركب يجمع بين الحسابات العسكرية والاقتصادية والردعية، حيث ينظر إلى البحر بوصفه المسرح الأسرع لتحويل التصعيد الإقليمي إلى أزمة دولية.
السبب الأساسي هو منع إيران من استخدام الممرات البحرية كاداة ضغط اقتصادية عالمية. فالقوة البحرية الإيرانية، ولا سيما تلك المرتبطة بالحرس الثوري، تعد أداة قادرة على تهديد الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز بوسائل متعددة بينها المضايقات، زرع الألغام، استخدام الصواريخ المضادة للسفن، أو تشغيل أسراب الزوارق السريعة. وإدراج هذه القدرات في قائمة الأهداف يعني عملياً تقليص احتمالات نقل الصراع إلى شريان الطاقة العالمي، بما يترتب عليه قفزات في تكاليف التأمين والشحن، وارتدادات سريعة على الأسواق العالمية. من هذه الزاوية، لا يعود الحديث عن تحيد البحرية الايرانية تفصيلاً عملياتياً، بل خطوة تستهدف كبح خيار يعدّ الأكثر إيلاماً للاقتصاد العالمي.
ضرب قدرة الإغلاق
عندما يرتفع التوتر في مياه الخليج، تصبح القواعد والسفن الأميركية وحلفاؤها في الخليج أهدافاً سهلة نسبياً لقدرات إيرانية الساحلية والبحرية، مثل الرادارات ومراكز القيادة والمخازن والصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة. لذلك ينظر إلى ضرب العُقد البحرية الايرانية أي مواقع الاستطلاع والاتصال والتخزين والتوجيه، على أنه محاولة لتقليل قدرة إيران على تهديد السفن أو إنشاء مناطق خطر قرب القواعد، بما يخفض احتمال المفاجأة ويقلص هامش التصعيد في منطقة مزدحمة وحسّاسة.
هناك فرق بين ضرب منصات هجوم بعيدة المدى، وبين تدمير قدرات تستطيع تعطيل طرق التجارة والطاقة. فحتى لو تراجعت قوة الصواريخ الإيرانية، يبقى البحر وسيلة فورية للتصعيد، تأثيره الاقتصادي مباشر، وأحياناً يكفي التهديد بعرقلة الملاحة لرفع المخاطر وزيادة كلفة التأمين. لذلك تُعطى الأولوية لضرب قدرات الإغلاق والتعطيل البحرية والساحلية، لأنها تسحب من إيران ورقة ضغط قوية قد تكون مؤثرة مثل أي رد عسكري تقليدي.
أدوات الحرب غير المتكافئة
القوة البحرية الإيرانية لا تعتمد على أساطيل كبيرة ومعارك بحرية تقليدية، بل على أساليب غير متكافئة مثل الزوارق السريعة، والألغام، والصواريخ الساحلية، والطائرات المسيّرة، مع انتشار في الجزر وعلى طول الساحل. هذه الوسائل لا تحتاج إلى حرب بحرية واسعة كي تؤثر، يكفي استخدامها بشكل متقطع لإرباك الملاحة وزيادة المخاطر. لذلك تميل الولايات المتحدة إلى استهدافها مبكراً لتقليل احتمال وقوع احتكاكات صغيرة تتطور بسرعة إلى حادثة بحرية، ثم إلى مواجهة أكبر في منطقة حساسة لا تحتمل الخطأ.
في المحصلة، استهداف البحرية الإيرانية في هذه الجولة يفهم على أنه محاولة لمنع أخطر مسار للتصعيد، تحويل الصراع إلى أزمة عالمية عبر البحر. وفي الوقت نفسه، يهدف إلى حماية الوجود العسكري البحري الاميركي في الخليج وتقييد أدوات إيران غير المتكافئة التي يمكن تشغيلها بسرعة وبكلفة منخفضة. أي أن الهدف ليس عسكريا فقط، بل أيضا لمنع الصدمة الاقتصادية التي قد تنتج عن اضطراب الملاحة والطاقة.




