أشارت صحيفة "هآرتس" العبرية، إلى تضارب المعلومات والتصريحات بشأن الهجوم على إيران، موضحةً أنه فيما تقول المصادر الإسرائيلية إن الضربة وشيكة، فإن تصريحات المسؤولين الأميركيين تؤكد أن الرئيس دونالد ترامب لم يتخذ قراره بعد.
وفي تقرير للصحيفة، قال المحلل تسيفي برئيل، إن مهلة أسبوعين (التي منحها ترامب لإيران من أجل التوصل إلى اتفاق) لتقديم إجابات محددة لجولة أخرى من المحادثات، لم يتم تحديد مكانها أو تاريخها بعد، وهذا ما يطرح السؤال على الفور: "كم يوم في الأسبوعين؟". ولفت إلى أن ترامب أثبت للعالم بأن "أسبوعين" أو "10 أيام" مثلما قال أخيراً، هي مفهوم فضفاض لا يقاس بالساعة والثانية، ولا يمكنه إلا أن يثير الإعجاب به مثل ما تثيره ساعات سلفادور دالي السائلة.
هجوم قبل انتهاء مهلة الأسبوعين؟
وأوضح برئيل أن التقارير المتضاربة، بما في ذلك تقارير مصادر إسرائيلية، مقابل التصريحات الأميركية بعدم قرار الرئيس بالضربة، تشير إلى أن الوقت هو العنصر الأساسي في المفاوضات، بل أن موقع المعارضة الايرانية "رويداد 24" يتهم براك ربيد، مراسل موقع "أكسيوس" ومراسل "القناة 12" في الولايات المتحدة، بشكل مباشر لأنه "يتحمل وحده عبء الحرب النفسية الأميركية ضد إيران عندما نشر أن الإدارة الأمريكية تقترب من حرب كبيرة في الشرق الأوسط وأنها قد تبدأ قريباً جداً". وأوضح "لكن مثلما هو مفهوم ترامب للوقت غير مطلق، فإن الافتراض السائد هو أن إيران أيضاً تلعب بالوقت، وأن أسلوب إدارة المفاوضات كما تم التعبير عن ذلك حتى الآن، يظهر بوضوح أن طهران لها مصلحة في إطالة مدة المحادثات والدعوة إلى جولات إضافية، وتبادل الوثائق، في الاتجاهين، واختلاق مشاورات غير ضرورية".
ولفت برئيل، إلى أن "هذا الافتراض بحاجة إلى دليل، أو على الأقل إعادة نظر. وخلافاً لتصريحاتها السابقة بأنها لن تستسلم للتهديدات، فان إيران دخلت إلى هذه المفاوضات بسبب تهديد اعتقدت أنه حقيقي ومباشر، وليس بسبب ما قرأته في وسائل الغعلام الأميركية أو الإسرائيلية عن التهديدات. هذه رسائل واضحة وحاسمة حصلت عليها من السعودية، قطر، تركيا وسلطنة عمان. وبحسب وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي، فان بلاده طلبت، وحصلت، على مهلة أسبوعين من أجل صياغة رد على الطلبات الأميركية وتقديم اقتراح مفصل يستند إلى المبادىء المتفق عليها في اللقاء الأخير المختصر في جنيف. وأوضح عراقجي بأن هذه المبادىء يمكن أن تشكل الأساس لمزيد من النقاشات".
ووفق برئيل، فإنه على الرغم من عدم وجود تفاصيل حول هذه المبادىء المتفق عليها، يمكن الافتراض بأنها تتعلق بشكل أساسي بمسالة تخصيب اليورانيوم في إيران، والتخلص من اليورانيوم المخصب، لا سيما الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، وترتيبات الرقابة في المنشآت النووية ومنشآت التخصيب وإطار عمل للتعامل مع مسالة الصواريخ البالستية".
إيران مستعدة لتجميد التخصيب
وأضاف التقرير أنه بحسب التقارير التي ظهرت بعد الجولة الحالية، فإن إيران ستكون مستعدة لتجميد تخصيب اليورانيوم مدة ثلاث سنوات، ونقل اليورانيوم إلى دولة ثالثة، على الأرجح روسيا، التي أعلنت بالفعل أنها ستكون مستعدة لقبول المواد المخصبة– يبدو انه بعد اللقاء بين عراقجي ورفائيل غروسي، الأمين العام للوكالة الدولية للطاقة النووية، الذي عقد قبل يوم من جولة المحادثات، ستكون إيران مستعدة للعودة إلى الاتفاق الذي وقع عليه الطرفان في شهر أيلول/سبتمبر في مصر، والذي ينظم عمل مراقبي الأمم المتحدة في ايران.
وتطرق التقرير إلى مسألة الصواريخ، وقال برئيل: "في ما يتعلق بقضية الصواريخ فإنه من غير المعروف كيف سترد إيران، أيضاً من غير المعروف إذا كان الرئيس ترامب، الذي لم يشر إلى هذا الأمر في خطابه المتغطرس أمس، سيضع هذه القضية ضمن القضايا الجوهرية التي لا يمكن التنازل عنها، أو انه سيوافق على مناقشتها بشكل منفصل بعد التوصل إلى اتفاق في شأن الملف النووي، كما اقترح عليه زعماء تركيا، السعودية، سلطنة عمان وقطر، الذين يعملون كهيئة استشارية خارجية لا تشارك بشكل مباشر في المفاوضات".
ووفق برئيل، "ليس التهديد العسكري المباشر والخطير وحده هو الذي يحدد الجدول الزمني الذي يجب على إيران أن تتبعه من أجل تجنب الحرب. ووضعها الداخلي ما زال مضطرب. وعلى الرغم من القمع الوحشي للاحتجاجات وقتل آلاف، وربما عشرات الآلاف، على ايدي قوات الأمن، إلا أن هذه الاحتجاجات لم تختفِ. وما زال العامل الأساسي الذي أدى إليها – انهيار الاقتصاد في إيران – يهدد البلاد. وتشير تقارير لوسائل إعلام، بما في ذلك وسائل اعلام تابعة للحرس الثوري أو جهات محافظة، كل يوم إلى ضربة اقتصادية جديدة".
وقال برئيل إن "المتحدث بلسان نقابة الصيادلة هادي أحمدي قال هذا الأسبوع إنه يوجد نقص 150 – 200 نوع من الأدوية وإن الوضع ربما يتفاقم في ظل عدم العثور على حل. وبحسبه فقد ارتفعت أسعار الأدوية بنسبة 200 – 300 في المئة، ويدفع المواطنون من جيبهم 60 – 70 في المئة من ثمن الأدوية التي كانت تقدم بالمجان سابقاً. المتقاعدون يقولون إنهم غير قادرين على العيش براتب التقاعد الذي فقد عشرات في المئة من قيمته بسبب انخفاض سعر الريال الإيراني، حيث يساوي الدولار الان 1.3 مليون ريال".
وأشار برئيل إلى توقفت صناعة السيارات "وهي من أجلّ القطاعات الصناعية في إيران، بشكل كامل لأن المواطنين ليس لديهم المال لشراء السيارات. وأسعار الشقق قفزت 30 في المئة في الشهرين الأخيرين، والطلاب لا يمكنهم تحمل تكلفة شراء الكتب الدراسية أو نفقات السفر. وقد ذكر موقع (ايلنا) الالكتروني الذي يمثل منظمات عمال، الرئيس مسعود بزشكيان هذا الأسبوع أنه في ذروة الاحتجاجات خلال الشهر الماضي صرح وقال: نحن نخدم الشعب ونستمع إلى صوت الاحتجاج، لكن نتيجة هذا الاستماع لم تسفر إلا عن لقاءات مع نقابات العمال، منذ ذلك الحين التضخم والأسعار في ارتفاع مستمر".
ديون بمليارات الدولارات
وقال برئيل إن الحكومة الإيرانية مدينة بمليارات الدولارات لمؤسسات تعليمية وصحية، ناهيك عن منظمات تابعة للحرس الثوري مثل "خاتم الأنبياء"، وهو أكبر مجمع عسكري مدني. وتابع: "قبل أسبوع ونصف زار بزشكيان محافظة غولستان للالتقاء مع عائلات ضحايا الاحتجاجات وتفقد أحوال المصانع والاستماع لشكاوى المواطنين. ونشرت وسائل الاعلام الرسمية صور احتفالية للزيارة، ولكن مواجهة حدثت أيضاً بين الرئيس وبين ممثل مشروع تابع لمنظمة (خاتم الأنبياء)، حيث اعترف الممثل للرئيس بأن الحكومة لم تحول له مستحقاته".
ووفق التقرير، فإن "برشكيان لم يخفِ غضبه. وقال رداً على هذه الادعاءات: هل تنفذ المنظمة مشاريعها بأموالها الخاصة؟. هي في نهاية المطاف تعمل بقروض تقدمها الحكومة. وبحسب برئيل، "لم تقتصر مصادر التمويل على الحكومة فقط، بل تخضع المنظمة بالفعل لسيطرة الحرس الثوري. هذه المنظمة تتمتع باحتكار شبه كامل للمشاريع الحكومية، الأمر الذي يبعد الشركات والمؤسسات الخاصة التي تسعى للبقاء عن المنافسة. وقد أدى تحكم الحرس الثوري، وقوة الباسيج والجيش بمعظم قطاعات الصناعة والخدمات في البلاد غلى خلق احتكارات قوية تدير اقتصاد وطني موازي وتعطي قروض للحكومة. وتحدد أولوياتها الاقتصادية التي تستمد منها سياستها الداخلية والخارجية".
وبحسب برئيل، "تبدأ السنة المالية المقبلة في إيران في 21 آذار/مارس المقبل. وبحسب مشروع الميزانية المقدم للبرلمان فإنه يتوقع انخفاض المداخيل من النفط بنسبة 48 في المئة، لتصل إلى نحو 19 مليار دولار. في المقابل، يتوقع ارتفاع المداخيل من الضرائب لتمول نحو 50 في المئة من الميزانية، بدون تقديم أي توضيح عن كيفية تعامل المواطنين مع أي زيادة إضافية في الضرائب. ويتوقع أيضاً تقليص نطاق الخدمات والاعانات والمساعدات المباشرة، القليلة أصلا، بشكل كبير".
وقال برئيل، إنه "بحسب الأرقام الإسمية تظهر ميزانية هذه السنة انخفاض 7 في المئة في النفقات الحكومية، لكن وفقاً لحسابات مركز أبحاث للسياسات مقره في دولة الامارات، يتوقع أن يكون الانخفاض الحقيقي، بعد تعديله وفقاً للتضخم وسعر الريال، تقريباً 48 في المئة. ولدى إيران صندوق احتياط خارج الميزانية، صندوق التوفير الوطني الذي يحول اليه فائض مداخيل النفط، ولا يعرف حجم الأموال الموجودة في هذا الصندوق، الذي كان في السابق بعيداً عن تحويلات الحكومة، ومخصص لما يعرف بالظروف الطارئة، ولكن في السنوات الأخيرة أذن المرشد علي خامنئي بسحب أموال من هذا الصندوق لتمويل النفقات الحكومية والتخفيف من شدة الصعوبات الاقتصادية. إضافة إلى التلاعب الذي يقوم به بسعر صرف الريال وطباعة كمية كبيرة من العملة غير المدعومة بأصول من اجل تنفيذ سياسة اقتصاد المقاومة، التي تهدف الى مواجهة آثار العقوبات".
أزمة اقتصادية
ووفق برئيل "تشير الاحتجاجات التي اندلعت في كانون الأول/يناير الماضي إلى أن إيران حتى بدون التهديد بالحرب، تعاني من أزمة اقتصادية عميقة ضعضعت استقرارها. ففي الأسابيع التي مرت منذ قمع الاحتجاجات لم تفعل الحكومة أي شيء لتهدئة الرأي العام أو التعويض عن عمليات القتل او تقديم خطة اقتصادية للخروج من الازمة، والاهم من ذلك هو انه اذا كان النظام حظي في الحرب السابقة في شهر حزيران/يونيو الماضي بتضامن الشعب الذي دعمه وأظهر الولاء مثلما وصفت القيادة، فإنه بعد المذبحة الجماعية للمتظاهرين في الشهر الماضي من المشكوك فيه أن يبقى أي أثر لهذا التضامن، بشرط ألا يؤدي الهجوم الأميركي إلى قتل جماعي لمئات أو آلاف المواطنين".
وتابع برئيل: "في العام 2013 قررت إيران إجراء مفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق، وكانت ظروفها الافتتاحية في حينه، الاقتصادية والعسكرية، ملائمة أكثر بكثير مما هي الآن. لم تكن إيران تواجه تهديداً عسكرياً مباشراً أو غير مباشر، وكانت خزينتها الوطنية مليئة ولم تشاهد احتجاجات كبيرة تهدد استقرار النظام. فقد شمل الاتفاق النووي الذي وقعت عليه في 2015 تنازلات وطنية أو أيديولوجية مهمة، شملت رقابة دقيقة غير مسبوقة على المنشآت النووية وتقييد تخصيب اليورانيوم بمستوى 3.67 في المئة، وتعطيل آلاف أجهزة الطرد المركزي ونقل اليورانيوم المخصب الذي كان لديها إلى روسيا، ويمكن استخدام بعض بنود ذلك الاتفاق في أي اتفاق جديد شريطة التوصل إلى الصيغة التي تمكن إيران وترامب من الإعلان عن نصر مطلق".




