محاكمة نتنياهو.. حين تتحول دولة الاحتلال إلى رهينة رجل واحد

شفيق طاهرالجمعة 2026/02/27
Image-1764763133
نتنياهو تقدم بطلب عفو رئاسي رسمي إلى الرئيس إسحق هرتسوغ (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تعيش إسرائيل اليوم إحدى أكثر مراحلها السياسية هشاشة، إذ لم تعد محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مجرد مسار قضائي، بل غدت أزمة بنيوية. ملفات فساد ثلاثة ذات الأرقام 1000 و2000 و4000، ستحدد مستقبل نتنياهو السياسي. 

فمع انتقال الإجراءات القضائية إلى مرحلة شهادة نتنياهو شخصياً ثم استمرار استجوابه المضاد، أصبحت المحاكمة عاملاً يعيد رسم توازنات الائتلاف اليميني الحاكم وحدود قدرته على البقاء. وزاد المشهد تعقيداً حين تقدم نتنياهو بطلب عفو رئاسي رسمي، قبل صدور أي حكم ودون إقرار بالذنب، في خطوة أشعلت سجالاً دستورياً وسياسياً غير مسبوق حول مدى صلاحيات الرئاسة ومعنى سيادة القانون.

 

هدايا كشفت شبكة المصالح

في الملف 1000، يتهم الادعاء نتنياهو وعائلته بتلقي هدايا فاخرة من رجلي الأعمال أرنون ميلتشان وجيمس باكر، في سياق اتهامات تتصل بالاحتيال وخيانة الأمانة. لم تعد المسألة في نظر القضاء مجرد مجاملات، بل استخداماً ممنهجاً للنفوذ السياسي مقابل امتيازات خاصة. فالتدخل لمنح تسهيلات لميلتشان، والضغط لدى أطراف أميركية لصالحه، وفتح أبواب وزارات حساسة أمام مصالحه.

وعلى وقع جلسات المحكمة المتكررة، تحولت تفاصيل الهدايا إلى مادة دائمة في سجال الداخل الإسرائيلي، بين من يراها نموذجاً لفساد النخبة، ومن يحاول تقزيمها إلى قضية سيجار وشمبانيا في مواجهة ما يقدمه نتنياهو بادعائه أن محاكمته هي ملاحقة سياسية. 

 

إعادة هندسة المشهد الإعلامي

يظهر الملف 2000 وجهاً آخر للفساد. فالتسجيلات التي كشفت محادثات بين نتنياهو ومالك صحيفة "يديعوت أحرونوت" أرنون موزيس، أوضحت طبيعة الصفقة بين الرجلين، تشريعات حكومية تحد من انتشار صحيفة منافسة، مقابل تغطية إعلامية أكثر إيجابية لرئيس الحكومة.

تكمن خطورة هذا الملف في أنه يكشف محاولة لتطويع البيئة الإعلامية بالقوة القانونية. هنا لا يفاوض رئيس حكومة على سياسة خارجية أو موازنة، بل على صورته الشخصية، وبذلك يتحول الإعلام من سلطة رقابية إلى طرف محتمل في صفقة سياسية.

 

الدولة في خدمة شركة اتصالات

الملف 4000 هو الأكثر ثقلاً، إذ يتهم نتنياهو بمنح شركة بيزك للاتصالات تسهيلات تنظيمية كبيرة لموقع "والا" الاعلامي، مقابل تدخل مباشر في خط تحرير الموقع.

شهادات صحافيين ومسؤولين داخل موقع "والا" تحدثت عن طلبات نتنياهو، تغيير عناوين رئيسية، حذف مواد، إبراز أخبار بعينها، واستهداف الخصوم السياسيين. هذا التداخل بين سلطة تنظيم سوق الاتصالات وسلطة التأثير على الرأي العام وضع نتنياهو في قلب تهمة الرشوة، وطرح سؤالاً أساسياً، كيف يمكن لرئيس حكومة أن يدير قطاعاً وهو متهم بأن نفوذه استخدم لخدمة سرديته السياسية؟

 

طلب العفو الرئاسي…

التحول الأخطر في الأزمة جاء حين قدم نتنياهو طلب عفو رئاسي رسمي إلى الرئيس إسحق هرتسوغ بتاريخ 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، في خطوة وصفت بأنها استثنائية لأنها جاءت قبل الإدانة ودون اعتراف بالذنب. 

فريق نتنياهو روج لفكرة أن المصلحة العامة تسمح بتدخل رئاسي حتى أثناء المحاكمة. في المقابل، أشار منتقدون وخبراء إلى أن الأعراف القضائية تميل إلى العفو بعد اكتمال الإجراءات، وأن منح عفو يوقف المحاكمة قد ينظر إليه كضربة لأساس استقلال القضاء. 

تشكل إدانة نتنياهو، إن حدثت، نقطة تحول حاسمة في مسيرته السياسية، إذ ستضع نهاية شبه مؤكدة لطموحه في البقاء على رأس اليمين الإسرائيلي. فبمجرد صدور حكم بالإدانة، يدخل الائتلاف في اختبار بقاء، ضغط من المؤسسة السياسية والاقتصادية والأمنية، ومساومات داخل الأحزاب الدينية والقومية بين الحفاظ على المكاسب أو المغامرة بانهيار الحكومة.

لكن طلب العفو نفسه أعاد تعريف السيناريوهات، فبدلاً من انتظار نهاية قضائية واضحة، بات مطروحاً خيار تسوية سياسية قانونية عبر الرئاسة، وهو ما قد يبقي نتنياهو لاعباً وإن تغير موقعه.

 

السلوك الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين

قد يبدو لأول وهلة أن نتنياهو المحاصر بملفات فساد سيكون أقل قدرة على خوض مغامرات عسكرية أو سياسية كبرى. لكن التجربة تقول العكس. فاللغة العدوانية، وتوسيع الاشتباك، وإدامة منطق الطوارئ قد تتحول إلى مظلة سياسية تضعف شهية المجتمع لطرح أسئلة حول ملفات الهدايا والإعلام والاتصالات.

ومن زاوية عربية وفلسطينية، ليس السؤال الأهم، هل يسقط نتنياهو أم يبقى؟ فالمؤسسة الإسرائيلية قادرة على إنتاج نسخ متعددة من اليمين نفسه. الأهم أن دولة الاحتلال تنزلق أكثر نحو يمين ديني قومي لا يرى في الفلسطيني إلا عبئاً ديموغرافياً، وفي القانون الدولي مجرد ورقة تفاوضية. وسواء انتهت محاكمة نتنياهو ببراءة أو عفو مشروط أو إدانة، فإن البنية التي سمحت لرجل واحد بأن يحتجز النظام السياسي رهينة ستبقى قائمة، بنية احتلال واستيطان وامتيازات قانونية لليهود على حساب كل من سواهم.

 

خط زمني مختصر لمحاكمة نتنياهو (2019 – فبراير/شباط 2026)

 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 توجيه لائحة اتهام رسمية لنتنياهو في القضايا 1000 و2000 و4000. 

 24 مايو/ أيار 2020 انطلاق جلسات المحاكمة في محكمة القدس المركزية. 

 5 أبريل/ نيسان 2021 بدء سماع الشهود في مرحلة الادعاء. 

يوليو/ تموز 2024 الادعاء يعلن اختتام عرض قضيته انتهاء مرحلة الادعاء. 

10 ديسمبر/ كانون الأول 2024 بدء مرحلة الدفاع عبر شهادة نتنياهو.

3 يونيو/ حزيران 2025 انطلاق الاستجواب المضاد لنتنياهو، مع استمرار تأجيلات ,تقليص جلسات لأسباب أمنية وجدول عمله. 

30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 نتنياهو يتقدم بطلب عفو رئاسي رسمي لدى الرئيس إسحق هرتسوغ لإنهاء المحاكمة، من دون إقرار بالذنب. 

فبراير/ شباط 2026 استمرار الاستجواب المضاد، مع قرارات متكررة لتقصير وإلغاء جلسات وفق طلب الدفاع بسبب ارتباطات أمنية ورسمية. 

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث