واشنطن تطوي وجودها العسكري في سوريا: من يملأ الفراغ؟

خاص - المدنالخميس 2026/02/26
Image-1766084259
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

تتسارع خطوات الانسحاب الأميركي من شمال وشرق سوريا، في تحول ميداني يعيد رسم خريطة الانتشار العسكري في البلاد، ويطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل التوازنات الأمنية، لا سيما مع تصاعد هجمات "داعش" في أكثر من منطقة.

وفي وقت تؤكد فيه واشنطن أن مهمتها شارفت على الانتهاء في سوريا، تتجه الأنظار إلى تركيا بوصفها الطرف الأبرز القادر على ملء الفراغ ودعم ترتيبات "سوريا الجديدة".

 

من الانتشار الواسع إلى التموضع المحدود

بدأت ملامح التحول الأميركي تتضح مع إخلاء قاعدة "قسرك" بريف الحسكة، لتُبقي واشنطن قاعدتان فقط شرق سوريا: خراب الجير (رميلان) ضمن مطار أبو حجر الزراعي، وقاعدة هيمو عند مدخل مدينة القامشلي، والتي تضم سجن "عنبارة".

وترجح وكالة فرانس برس، أن الانسحاب من هاتين القاعدتين سيكون خلال شهر واحد، في إطار خطة أوسع لإنهاء الوجود العسكري الأميركي في سوريا.

بدورها، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، أن قرار سحب واشنطن قواتها العسكرية من سوريا جاء بعد بسط الحكومة السورية سيطرتها على سوريا، وتعهد قوات "قسد" بالاندماج ضمن مؤسسات الدولة.

وسبق كل تلك التطورات، انسحاب عسكري من قاعدة التنف الاستراتيجية عند المثلث الحدودي (السوري الأردني العراقي)، في 11 شباط/فبراير الماضي، وفق ما أعلنت القيادة المركزية الأميركية.

وبحسب دراسة صادرة عن مركز جسور للدراسات، فإن أميركا سحبت 28 قاعدة ونقطة عسكرية خلال عام 2025 ومطلع 2026.

 

القوات الأميركية مستعدة لأي تهديد إ رهابي

ويقول خبير الأمن والاستراتيجية العسكرية في مؤسسة "ويكي ستراد" بواشنطن، ريتشارد وايلز، في حديثه لـ "المدن" إن "إدارة ترامب قررت تقليص التزاماتها الأمنية الخارجية وإعادة ترتيب أولوياتها، كما قررت أن الحكومة السورية الجديدة شريك أمني موثوق، لذا، تسحب قواتها البرية من البلاد، لكنها تواصل مهام التدريب والتجهيز".

ويضيف "مع ذلك، ستكون القوات البرية والجوية الأميركية المتمركزة في الجوار جاهزة للتواجد في حال تفاقم الوضع الإرهابي بشكل خطير".

بالتزامن مع الانسحاب العسكري الأميركي، شهدت مناطق متفرقة من الجزيرة السورية، وتحديداً محافظتي الرقة ودير الزور، تصاعداً واضحاً في هجمات تنظيم "داعش"، والتي استهدفت حواجز لقوات الأمن العام وعناصر من الجيش السوري.

وأعلنت وزارة الداخلية السورية قبل أيام، مقتل 4 عناصر من قوى الأمن الداخلي وإصابة اثنين في هجوم استهدف حاجزاً بمدينة الرقة، وذلك بعد يوم من هجوم مماثل طال الموقع ذاته.

كما قُتل عنصر وأصيب آخر في هجوم استهدف حاجز السباهية غربي الرقة، في حين تبنّى "داعش" عمليات هجومية في مدينة الميادين بدير الزور، متعهداً بما سماه "مرحلة جديدة من العمليات".

ويطرح هذا التصاعد سؤالاً محورياً: هل يشكل الانسحاب الأميركي فرصة لإعادة تموضع خلايا "داعش"، أم أن الدولة السورية قادرة على احتواء التهديد بمفردها أو بدعم إقليمي؟

 

عملية انسحاب منظمة عالية التنسيق

ويقول الخبير العسكري والاستراتيجي عبد الله الأسعد، في حديث لـ"المدن"، إن "انسحاب القوات الأميركية جرى ضمن عملية منظمة عالية المستوى ومنسقة بين الحكومة السورية والتحالف الدولي، إضافة إلى الحكومة العراقية، إذ شملت ترتيبات متعددة الجوانب".

ويضيف أن "العملية ركزت في مرحلتها الأولى على نقل عناصر داعش من سوريا إلى العراق وتأمينهم، بالتوازي مع انتزاع زمام المبادرة من قسد لمنع استغلال ملف داعش في عرقلة إجراءات النقل أو إثارة توترات في المنطقة الشرقية من سوريا".

ويتابع أن "الخطة العمل تضمنت أيضاً تثبيت وملاحقة خلايا التنظيم النائمة، وتأمين عائلات التنظيم داخل المخيمات تمهيدا لإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، إضافة إلى مراقبة مسار الانسحاب جواً، وضبط تحركات داعش، وتسليم النقاط العسكرية تباعاً للإدارة السورية الجديدة".

 

من يملأ الفراغ؟

تتباين التقديرات بشأن الجهة التي ستملأ الفراغ الناجم عن الانسحاب الأميركي، إذ ثمة من يرى أن الحكومة السورية بعد إعادة هيكلة مؤسساتها الأمنية والعسكرية، ستكون الطرف الطبيعي لتولي هذا الدور، خصوصاً مع استلامها مواقع استراتيجية مثل قاعدة التنف العسكرية.

في حين، تشير تحليلات عدة إلى أن تركيا تملك الحضور العسكري والقدرة اللوجستية والخبرة الميدانية التي تؤهلها للعب دور محوري في المرحلة المقبلة، خصوصاً في الشمال السوري.

ومع الانسحاب الأميركي، يمكن لتركيا أن تجد فرصة لتعزيز التنسيق مع الحكومة السورية الجديدة ضمن مقاربة أمنية مشتركة، خصوصاً في ما يتعلق بضبط الحدود وملاحقة الخلايا النائمة ومنع أي فراغ أمني يمكن أن تستغله التنظيمات المتشددة.

ولا يعتقد المحلل السياسي التركي فراس رضوان أوغلو، أن الولايات المتحدة "ستترك فراغاً بل هي عملية استلام وتسليم مع التأكد من قوة و جاهزية المُستلم وتحديداً الأمن والجيش السوري".

وأعرب في حديث لـ"المدن"، عن اعتقاده بأن "الإشراف المباشر سيكون من قبل تركيا في حال كان هناك ضعف ما، فالجيش الأميركي له تجارب كثيرة من نفس هذه الظروف، وكان يعتمد على التعاون مع تركيا كما في أفغانستان والصومال وغيرها، لكن كل هذا سيكون بالتعاون مع دمشق".

ويقول رضوان أوغلو: "لا أظن أن الجيش التركي سيأخذ مكان نظيره الأميركي إلا في حال طلبت دمشق ذلك، لأن الجميع من دول الخليج إلى تركيا وأميركا مجمعون على تقوية الدولة السورية، خصوصاً الأمن والجيش".

ووسط كل ذلك، يرى محللون أن خروج القوات الأميركية لا يعني بالضرورة انسحاباً من الملف السوري سياسياً، بل إعادة توزيع للأدوار، قد تكون أنقرة أحد أبرز المستفيدين منها، سواء عبر تعزيز حضورها في الشمال أو عبر شراكات أمنية أوسع.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث