مودي يضع الهند في الصف الإسرائيلي: انحياز محفوف بالمخاطر

وائل عوادالخميس 2026/02/26
Image-1772048020
الزيارة تأتي في وقت تتصاعد فيه المخاطر الجيوسياسية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يمرّ الشرق الأوسط، أو ما يُعرف اصطلاحاً في الأدبيات الهندية بـ"غرب آسيا"، بمرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع احتمالات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران مع استمرار هشاشة وقف إطلاق النار في قطاع غزة. وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تكتسب زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل أهمية استثنائية، ليس فقط من حيث توقيتها، بل أيضاً من حيث دلالاتها الاستراتيجية في سياق تطور العلاقات الثنائية بين البلدين.

 

أولاً: سياق إقليمي متوتر

تأتي هذه الزيارة في لحظة تتسم بتصاعد المخاطر الجيوسياسية، حيث يترقب العالم احتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع بين الولايات المتحدة وإيران، وهو سيناريو من شأنه أن يهدد استقرار الخليج وإمدادات الطاقة العالمية. وفي الوقت نفسه، لا يزال قطاع غزة يعيش تحت وطأة تداعيات حرب مدمرة، مع استمرار هشاشة التهدئة، ما يجعل أي تحرك دبلوماسي في المنطقة محاطاً بحسابات دقيقة.

في هذا السياق، تسعى الهند إلى تأكيد حضورها كقوة مسؤولة قادرة على التواصل مع جميع الأطراف، مع الحفاظ على مصالحها الحيوية، سواء في مجال الطاقة أو أمن الملاحة أو استقرار الجاليات الهندية في المنطقة.

 

ثانياً: تطور العلاقات الهندية – الإسرائيلية

لم تكن العلاقات بين الهند وإسرائيل دائماً على هذا المستوى من الانفتاح. فعلى مدى عقود، التزمت الهند بسياسة داعمة للقضية الفلسطينية، وامتنعت عن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل حتى عام 1992. لكن مع نهاية الحرب الباردة وتغير أولويات السياسة الخارجية الهندية، بدأت مرحلة جديدة من التقارب التدريجي.

كانت الهند أكبر مشترٍ للأسلحة الإسرائيلية خلال العقد الماضي، لا سيما بين عامي 2015 و2019، بما في ذلك الطائرات المسيّرة وأنظمة الصواريخ وأجهزة الاستشعار وتقنيات المراقبة ومعدات مراقبة الحدود. وفي الواقع، تتطلع نيودلهي إلى تل أبيب لتنفيذ تحديث الجيش الهندي وتعزيز هدف توطين الإنتاج والتصنيع، حيث يُتوقع أن تتمحور المحادثات بين الجانبين حول توسيع التعاون الاستخباراتي وتطوير الأسلحة ونقل التكنولوجيا إلى الهند.

ولا يتوقف هذا التقارب عند الجانب العسكري، بل يتعزز أيضاً عبر فرص اقتصادية متزايدة، حيث تشير التقديرات إلى وجود صفقات محتملة قيد الإعداد قد تصل قيمتها إلى نحو 10 مليارات دولار، تشمل قطاعات الدفاع والتكنولوجيا المتقدمة والاستثمار. غير أن هذا التوجه لا يخلو من نقاش داخلي في الهند، إذ تدعو بعض الأصوات إلى ضرورة عدم تجاهل تداعيات الحرب في غزة، والحفاظ على الموقف الهندي المتوازن تقليدياً تجاه الصراع.

ويعكس برنامج الزيارة نفسه هذا التداخل بين السياسة والتاريخ، إذ يتضمن زيارة إلى "ياد فاشيم" – النصب التذكاري لضحايا الهولوكوست – إلى جانب جولات مباحثات إضافية تهدف إلى إضفاء زخم جديد على الشراكة الثنائية، بما يتجاوز البعد الرمزي إلى تعزيز التعاون العملي في مختلف المجالات.

هذا التعاون لا يعكس مجرد تبادل تجاري، بل يمثل اندماجاً تدريجياً في منظومة أمنية وتكنولوجية مشتركة، حيث تتحول الهند من مستورد للسلاح إلى شريك في تطويره. وقد شمل هذا التحول مجالات متعددة، أبرزها:

التعاون الدفاعي والأمني: أصبحت إسرائيل أحد أهم شركاء الهند في مجال التسليح والتكنولوجيا العسكرية.

الابتكار والتكنولوجيا: تستفيد الهند من الخبرة الإسرائيلية في الأمن السيبراني والتقنيات المتقدمة.

الزراعة وإدارة المياه: تمثل التجربة الإسرائيلية نموذجاً مهماً للهند في مواجهة تحديات الموارد.

وقد بلغت هذه العلاقات ذروتها خلال زيارة مودي إلى إسرائيل عام 2017، التي شكّلت نقطة تحول تاريخية، باعتبارها الأولى من نوعها لرئيس وزراء هندي، وأسست لمرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية.

 

ثالثاً: لماذا تكتسب الزيارة الحالية أهمية خاصة؟

تتجاوز أهمية الزيارة الحالية الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية، لتلامس أبعاداً أوسع:

1إدارة التوازنات الإقليمية

تحاول الهند الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها مع إسرائيل من جهة، والدول العربية وإيران من جهة أخرى. وفي ظل التوترات الحالية، تصبح هذه المهمة أكثر تعقيداً.

2تعزيز الشراكة التكنولوجية في زمن الأزمات

في عالم يتجه نحو الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، ترى الهند في إسرائيل شريكاً رئيسياً لتعزيز قدراتها في مجالات الأمن والابتكار.

3رسائل سياسية متعددة الاتجاهات

تحمل الزيارة رسالة مفادها أن الهند قادرة على الانخراط في علاقات استراتيجية متعددة دون التخلي عن شركائها التقليديين.

4حماية المصالح الهندية في المنطقة

مع وجود ملايين الهنود في دول الخليج واعتماد الهند على الطاقة من المنطقة، فإن أي تصعيد يشكل تهديداً مباشراً لمصالحها.

رابعاً: قراءة في الدلالات الاستراتيجية

إن زيارة ناريندرا مودي لا يمكن فصلها عن إعادة تموضع الهند في النظام الدولي. فهي تسعى إلى ترسيخ نفسها كقوة صاعدة، وتنويع شراكاتها، وتعزيز حضورها في القضايا الإقليمية دون الانخراط المباشر في الصراعات. غير أن هذا النهج يضعها في موقع دقيق، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية والأمنية.

 

بين البراغماتية والمخاطرة

في هذا السياق، يطرح التقارب المتسارع بين مودي ونظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تساؤلات تتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية. فمن جهة، قد يعكس هذا التقارب تلاقياً في مقاربات الأمن والسياسة، خاصة في ظل التوترات مع باكستان وصعود القومية الهندوسية، بما يعزز التقاطع مع اليمين الإسرائيلي في مفاهيم الردع والهوية.

ومن جهة أخرى، يرتبط هذا التقارب أيضاً بحسابات أوسع تشمل العلاقة مع الولايات المتحدة، حيث تلعب إسرائيل دوراً ضمن شبكة التحالفات التي تسعى واشنطن إلى ترسيخها في مواجهة الصين.

وفي بُعد أكثر إثارة للجدل، تبرز تساؤلات حول مدى تأثير شبكات النفوذ الدولية غير الرسمية في توجيه بعض السياسات، بما في ذلك ملفات مثل قضية جيفري إبستين. وبالرغم من أن الربط المباشر بين هذه القضايا والقرارات الرسمية يظل في إطار التكهنات غير المثبتة، إلا أن تعقيد البيئة الدولية يجعل من الصعب اختزال الدوافع في بعدها الرسمي فقط.

في المحصلة، تعكس زيارة مودي إلى إسرائيل تحولاً في طبيعة الدور الهندي في الشرق الأوسط، من مراقب حذر إلى فاعل يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين المصالح والتحالفات. غير أن هذا التحول، وإن كان يعكس طموحاً لدور عالمي أكبر، يظل محفوفاً بالمخاطر في منطقة تتسم بتقلبات حادة، حيث قد يؤدي أي اختلال في التوازن إلى تداعيات تتجاوز حدود الجغرافيا السياسية التقليدية.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث