يعتبر اليوم الخميس، يوماً تاريخياً بالنسبة لإيران حيث أن أفق المفاوضات المصيرية بينها وبين الولايات المتحدة - وبغض النظر عما إذا كانت نتيجتها حرباً أو اتفاقاً- سيكون قابلاً للرؤية أو التنبؤ بوضوح اعتباراً من الغد.
إذا تمكن ترامب غداً، كما هو متوقع، من الحصول على اتفاق يضمن التأكد من سلمية برنامج إيران النووي وفي نفس الوقت رفع العقوبات الاقتصادية المدمرة التي فرضتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة على إيران، فربما يستحق من وجهة نظر الحكومة والشعب الإيرانيين جائزة نوبل للسلام أيضاً.
القوة العسكرية الإيرانية
كان موضوع إيران في خطاب الرئيس ترامب أمام الكونغرس يوم الأربعاء أكثر مرونة مما كان متوقعاً وهو يظهر حاجته إلى النجاح في التوصل لاتفاق تاريخي مع إيران ينهي ما يقرب من نصف قرن من العداء.
حتى أن تأكيد ترامب خلال خطابه الرئاسي السنوي على أن إيران تطور برنامجاً صاروخياً يمكن أن يصل مداه قريباً إلى أوروبا وأميركا وقواعدها الخارجية، يهدف إلى إضفاء أهمية على نجاحه المحتمل في مفاوضات الغد في جنيف، ولإظهار خطورة الدخول في حرب مع إيران. كما أن تصريح مبعوثه ستيف ويتكوف حول سبب عدم استسلام الإيرانيين حتى الآن رغم الاستعداد الحربي لدى الولايات المتحدة بالقرب منها، يأتي في هذا السياق، ولإظهار إيران كخصم عنيد، على الرغم من أن ويتكوف صحح خطأه فوراً قائلاً إن كلمة "استسلام كانت زلة لسان".
رسالة تحذير لإسرائيل
من المؤكد أن الزيارة القصيرة التي قام بها علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إلى أبو ظبي يوم الثلاثاء الماضي، أي قبل يومين من المفاوضات المصيرية في جنيف، كانت مرتبطة بتلك المفاوضات وفي تنسيق تام مع الفريق المفاوض. ولدى إيران قناتي عُمان وقطر لتبادل الرسائل مع الأميركيين، ولكن من المحتمل جداً أن يكون لاريجاني قد أرسل عبر أبوظبي، التي تربطها علاقة قوية بإسرائيل رسالة تحذيرية قوية لتحذير هذا الكيان من اللعب بالنار في حالة توصل إيران وأميركا إلى اتفاق في مفاوضات الغد.
وعلى الرغم من ندرة الأخبار القادمة من كواليس الدبلوماسية النووية الإيرانية الأميركية، فقد أشار ثلاثة صحفيين إيرانيين يوم الأربعاء، في مقال مشترك نشره موقع خير أونلاين الاخباري، إلى أبعاد مهمة جداً لتلك المفاوضات. تأكدت "المدن" عبر اتصالها ببعض كتاب هذا المقال أن هؤلاء الصحفيين الثلاثة كتبوا هذا المقال بعد لقاء خاص مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وبناءً على مضمون كلامه.
إنجازات إيرانية
ويؤكد الكتاب في المقال دون أن يذكروا اسم عباس عراقجي، أن إيران حققت ثلاثة إنجازات رئيسية في الجولتين الأخيرتين من المباحثات اللتين عُقدتا في مسقط وجنيف:
-
تركيز المباحثات على القضية النووية وتجنب دمج القضايا الصاروخية والإقليمية. فعلى الرغم من الإنكار الدعائي للطرف الآخر في الحرب النفسية والإعلامية، لم يُناقش على طاولة المفاوضات في الجلستين الماضيتين ولو كلمة واحدة حول المسائل الصاروخية والإقليمية. وبالتوازي مع استبعاد موضوع الصواريخ الإيرانية والنفوذ الإقليمي الايراني، تعتزم طهران التباحث مع دول المنطقة حول هاتين القضيتين دون تدخل الأجانب ويبدو أن إجراءات قد بدأت في هذا الصدد.
-
استطاع الفريق المفاوض الايراني تجاوز نقطة الصفر في التخصيب، وبغض النظر عن الادعاءات المستهلكة في السياسة الداخلية الأميركية، فقد تجاوزت واشنطن على طاولة المفاوضات الطلب بصفر التخصيب واعترفت بحق إيران في التخصيب داخل أراضيها.
-
وأخيراً الإنجاز الثالث هو التخلي عن الضغط لنقل مخزون اليورانيوم المخصب فوراً، مقابل قبول تخفيفه وتحويله إلى وقود للمنشآت النووية القانونية في إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
إنجازات واشنطن
يرى كتاب المقال من ناحية أخرى أنه بما أن الجمهورية الإسلامية قبلت أساساً مبدأ المفاوضات وبالتالي قاعدة الأخذ والعطاء، فإن الاهتمام بإنجازات الخصم ضروري أيضاً لتبرير الخروج من الاستعداد العسكري:
-
أن يكون تخصيب إيران بالقدر الذي تحتاجه طالما أن إيران أكدت مراراً أنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي.
-
ألا تطرح إيران رواية معارضة لرواية ترامب الذي يدعي تحقيق أهدافه خلال الحرب 12 يوماً (أي تدمير المنشآت النووية الإيرانية)، وهذا في حد ذاته دليل على فشل أميركا.
-
وأخيراً، أن تكون المنشآت النووية الإيرانية في متناول وإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبالطبع، من خلال لعب رافاييل غروسي -الذي يرى نفسه على أعتاب منصب الأمين العام للأمم المتحدة- دوراً يمكن من خلاله الوصول في هذا الشأن إلى حل مهني يتوافق مع القوانين الدولية.
وبالتالي فإن هذه الإنجازات الأميركية الثلاثة تقابل تلك الإنجازات الإيرانية الثلاثة.
يعتقد كتاب المقال أن خارطة الطريق التي اقترحتها إيران، بالنظر إلى إنجازات الجولتين الأخيرتين من المفاوضات يمكن أن تكون مزيجاً من المبادئ الستة التالية:
-
إنتاج الوقود النووي في إيران والذي يتطلب استمرارها في التخصيب.
-
الاستغناء عن تكديس المواد المخصبة.
-
قبول إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بالتزامن مع تحمل هذه الهيئة مسؤوليتها في حماية حق إيران في التكنولوجيا النووية.
-
رفع العقوبات عن إيران، من عقوبات الأمم المتحدة إلى العقوبات الأميركية.
-
التعاون الاقتصادي الثنائي بما في ذلك صناعة النفط.
-
عدم التهديد واحترام الأمن الوطني والتعايش السلمي.
ختاماً بالنظر إلى مجمل المواقف والمؤشرات، يبدو أن احتمال توصل إيران وأميركا إلى اتفاق نووي جديد، يكون مختلفاً عن الاتفاق النووي المُبرم في العام 2015 ويحقق إنجازاً لترامب ويتيح له فرصة الخروج من الاستعداد الحربي البحري بالقرب من المياه الإيرانية، وينهي كافة العقوبات ضد إيران ويفتح أبواب الاقتصاد الإيراني أمام الشركات الأميركية، أصبح أكبر من أي وقت مضى. مثل هذا الاتفاق سينقذ المنطقة من خطر حرب مدمرة للغاية وسيحظى بدعم جيران إيران.
وعلى الرغم من التفاؤل السائد في إيران تجاه نتائج مباحثات الخميس في جنيف، يبقى السؤال: هل أُزيح موضوع المدى الصاروخي والنفوذ الإقليمي لإيران بشكل نهائي من المباحثات الإيرانية الأميركية، أم أنه بعد حل المعضلة النووية ستعود ملفات الصواريخ والنفوذ الإقليمي إلى الواجهة؟
الأنظار الآن تتجه نحو مفاوضات الخميس في جنيف.




