أحمد العودة: من قائد شباب السنة إلى معادلة دمشق

مهيب الرفاعيالأربعاء 2026/02/25
أحمد الشرع يلتقي بقائد اللواء الثامن ووفد مرافق له (إنترنت).jpeg
يحمل العودة خلفية أكاديمية في الأدب الإنجليزي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ينتمي أحمد العودة إلى نمط من القيادات التي تشكّلت على تقاطع التعليم والفعالية الثورية المدنية والبنية العملياتية العسكرية، إذ حمل خلفية أكاديمية في الأدب الإنجليزي قبل أن ينخرط منذ الأسابيع الأولى للحراك في درعا، ضمن الشبكات التنظيمية المحلية التي تولّت إدارة التظاهر، وتأمين الاتصالات، وضبط العمل الميداني. ومع انتقال الجنوب إلى مرحلة الاشتباك المفتوح، تحوّل حضوره من دائرة التعبئة المدنية إلى دائرة التخطيط الميداني، حيث بدأت تتبلور نواة تشكيل مسلح حمل اسم "كتيبة شباب السنة"، وتطوّر تدريجياً إلى لواء ثم إلى تشكيل أوسع يمتلك تسلسلاً قيادياً واضحاً، وغرف عمليات، وقدرة على حشد مئات المقاتلين ضمن نطاق جغرافي محدد.

يعكس هذا المسار انتقالاً من الفعل الاحتجاجي إلى بناء بنية عسكرية منظمة في بيئة الجنوب، حيث اعتمدت التشكيلات على السيطرة على عقد الطرق، وإدارة خطوط الإمداد، وتأمين مخازن السلاح، وتثبيت نقاط ارتكاز داخل المدن والبلدات. في بصري الشام تحديداً، ارتبط اسم العودة بإدارة معركة السيطرة على المدينة عام 2015، وإعادة ترتيب المجال الأمني داخلها عبر إخراج قوى منافسة وتثبيت مركز قيادة موحد، ما منح الفصيل عمقاً جغرافياً ثابتاً وقاعدة انطلاق للتمدد في ريف درعا الشرقي.

توسّع التشكيل تحت قيادته عبر ضم مجموعات محلية أخرى، مستفيداً من الدعم الذي مرّ عبر غرفة "الموك"، ما أتاح رفع مستوى التسليح والانضباط العملياتي، وتحويل الفصيل إلى قوة رئيسة ضمن الجبهة الجنوبية؛ وتكرّس نمط القيادة لديه على إدارة الاشتباك ضمن بيئة متعددة الفاعلين، مع قدرة على الحفاظ على تماسك داخلي في ظل صراعات فصائلية متكررة.

ومع حملة 2018 الروسية على الجنوب، دخل العودة في مسار تفاوضي أعاد تعريف موقع القوة التي يقودها؛ وتحوّل الكيان إلى "اللواء الثامن" ضمن الفيلق الخامس بقيادة قاعدة حميميم الروسية، ما أوجد صيغة اندماج رسمية مع احتفاظ بقدرة انتشار محلية في بصري ومحيطها. خلال السنوات اللاحقة، اتخذت القوة طابعاً أمنياً؛ بحيث يتركز تنظيمياً في ريف درعا الشرقي، مع مشاركة في عمليات ضد خلايا تنظيم الدولة، واحتكاكات متكررة مع أجهزة أمنية أخرى داخل المحافظة.

 

معارك التأسيس وبناء النفوذ 2013-2017

برز اسم العودة بوضوح مع انضمام فصيله إلى الجبهة الجنوبية في شباط/فبراير 2014،وخاضت قوات فصيل “شباب السنة" سلسلة من المعارك المفصلية في محافظة درعا شكّلت عمودها الفقري العملياتي بين 2013 و2017، بحيث كانت معركة السيطرة على بصري الشام في آذار/مارس 2015 لحظة التحول الأبرز في مسار الفصيل، إذ شارك الفصيل ضمن تشكيلات الجبهة الجنوبية في هجوم واسع انتهى بإحكام السيطرة على المدينة وتحويلها إلى مركز قيادة ونقطة ارتكاز استراتيجية في الريف الشرقي. تكرّس نفوذه إثر انقلاب داخلي عام 2016 أعاد فيه الإمساك بقيادة الفصيل بالقوة، ما أظهر قدرته على ضبط بنيته الداخلية واستعادة السيطرة الميدانية؛ وعقب ذلك توسّع الفصيل عبر اندماج أكثر من عشرين تشكيلاً محلياً عام 2016، ما رفع قدرته التعبوية ووسّع نطاق انتشاره وسمح له بإدارة خطوط تماس متعددة مع قوات النظام في ريف درعا، وتنفيذ عمليات استهداف للحواجز والتحركات العسكرية على محاور خربة غزالة-درعا-الريف الشرقي وصولاً حتى ريف درعا الشمالي وقرى دير العدس ودير البخت وكفر ناسج وكفر شمس. كما دخل في اشتباكات مع تشكيلات متشددة داخل بصري ومحيطها لترتيب المجال العسكري الداخلي وتثبيت مركز قيادة موحّد. 

مع اتساع الفوضى الأمنية في الجنوب السوري، وتكاثر التشكيلات المسلحة، وتنازع الألوية على مناطق النفوذ والتمويل، ودخول عناصر أجنبية إلى مسرح العمليات في درعا، أخذت المواجهات طابعاً أمنياً مركباً تجاوز خطوط الاشتباك التقليدية مع قوات النظام. في هذه المرحلة انخرط عناصر التشكيل في حملات مركزة ضد خلايا تنظيم الدولة داخل المحافظة، ضمن عمليات هدفت إلى إعادة ضبط المجال الأمني ومنع تحوّل بعض البلدات التي سيطروا عليها إلى بؤر نشاط عابر للفصائل. بلغت هذه المواجهات ذروتها في مدينة جاسم عام 2022، حيث نُفذت عملية أمنية واسعة شاركت فيها قوات محلية بالتنسيق مع وحدات عسكرية روسية، وانتهت بمقتل عدد من عناصر التنظيم، بينهم أبو الحسن الهاشمي القرشي، وشخصيات متهمة بالوقوف خلف تفجير حافلة عسكرية أودى بحياة عشرات الجنود. جرت العملية ضمن إطار تفاعل مباشر بين تشكيلات محلية وأجهزة عسكرية سورية وروسية، ما منحها طابعاً أمنياً عالي الكثافة، وأسهم في إعادة رسم ميزان السيطرة داخل الريف الشمالي والشرقي لدرعا، في مرحلة اتسمت بتشابك المسارات المحلية مع الحسابات الإقليمية داخل الجنوب السوري.

 بعد تسوية 2018 تحوّل الكيان إلى "اللواء الثامن"، واستمر في خوض مواجهات تكتيكية في تموز/يوليو 2021 ضد قوات النظام خلال أحداث درعا البلد، قبل أن يعود إلى الواجهة مجدداً في أواخر 2024 عبر قيادة "غرفة عمليات الجنوب" والمشاركة في السيطرة على محافظة درعا ثم التحرك نحو دمشق، ما يعكس مساراً عسكرياً متصاعداً انتقل من معارك السيطرة المحلية إلى أدوار عملياتية أوسع ضمن معادلة الجنوب السوري.

ارتبط صعود "شباب السنة" والتي بلغ ذروة عددها بين 1200- 1500 عنصراً، في درعا ببنية دعم إقليمية تمثّلت في غرفة عمليات الموك(MOC)، وهي إطار تنسيقي أُنشئ في الأردن وضمّ أجهزة استخبارات عربية وغربية بإدارة مركزية، وتولّى تنظيم تدفّق التمويل والسلاح والتدريب لفصائل الجبهة الجنوبية وفق معايير انتقائية تتصل بالانضباط والالتزام بسقف عمليات محدد. منح هذا الارتباط الفصيل قدرة تسليحية أفضل واستقراراً مالياً نسبياً، وسمح له ببناء هيكل قيادي أكثر تماسكاً، مع اعتماد نمط توزيع للمهام يقوم على غرف عمليات فرعية، وضبط للذخيرة، وتحديد قطاعات انتشار واضحة داخل الريف الشرقي لدرعا.

في عام 2016 جرى توسيع البنية عبر ضمّ ستة عشر فصيلاً محلياً تحت قيادة موحّدة، ما رفع الكتلة البشرية والجاهزية العملياتية، وأتاح للفصيل التحرك بمرونة على أكثر من محور في آن واحد. هذا التوسع لم يكن مجرد زيادة عددية، بل إعادة تنظيم للخرائط المحلية ضمن قيادة مركزية في بصري الشام، وتحويل الفصيل إلى أحد أعمدة الجبهة الجنوبية من حيث التمويل والانضباط وإدارة الاشتباك.

ومع نهاية 2017، اتخذ المسار بُعداً سياسياً واضحاً حين جرى اختيار أحمد العودة ضمن وفد هيئة التفاوض في مؤتمر الرياض 2. لتعكس هذه الخطوة انتقالاً من تموضع ميداني صرف إلى حضور ضمن المسار التفاوضي الإقليمي، حيث اجتمع الدور العملياتي مع موقع تمثيلي داخل بنية المعارضة السياسية.  تداخلت بذلك وظيفة القائد العسكري مع وظيفة المفاوض، وأصبح الفصيل جزءاً من معادلة أوسع تتقاطع فيها الحسابات الميدانية في الجنوب مع ترتيبات سياسية ترعاها عواصم إقليمية، ما رسّخ موقعه كقوة تتقن العمل داخل غرف العمليات كما داخل قاعات التفاوض.

 

المصالحة الوطنية وتشكيل اللواء الثامن 

مع الحملة الروسية على الجنوب في حزيران/يونيو 2018، دخلت بصري الشام مرحلة مفاوضات مكثفة برعاية روسية؛ ولعب العودة دوراً محورياً في صياغة اتفاق التسوية الذي قضى بتسليم السلاح الثقيل وتسوية أوضاع المقاتلين، وتحول "شباب السنة" إلى "اللواء الثامن" ضمن الفيلق الخامس المدعوم روسياً. بهذا التحول أعاد العودة تموضعه من قائد معارض إلى قائد تشكيل مندمج شكلياً ضمن بنية الدولة العسكرية حينها، مع احتفاظه بهامش محلي واسع.

مثّل اللواء الثامن حالة شبه مستقلة داخل الجغرافيا الجنوبية؛ وحافظ على انتشاره في ريف درعا الشرقي، ووفّر مظلة حماية لمئات المقاتلين السابقين من الاعتقال أو التجنيد الإجباري. شارك عناصره في مناورات بالساحل السوري، وخاضوا اشتباكات ضد خلايا تنظيم داعش في البادية ودرعا، كما دخلوا في احتكاكات متكررة مع الأمن العسكري، ما عكس موقع اللواء بين مستوى تبعية تنظيمية رسمية، ومستوى استقلالية فعلية على الأرض.

تحولت حادثة تفجير حافلة عناصر اللواء في حزيران/يونيو 2020، على طريق كحيل-بصرى الشام، التي أودت بحياة 7 مقاتلين، قادمين من تدريب في قرية سلمى في ريف اللاذقية إلى لحظة رمزية؛ إذ خرج التشييع بشعارات سياسية عالية السقف ضد النظام و ضد الوجود الإيراني  في الجنوب السوري ( على اعتبار أن اللواء مدعوم روسياً و هي القوة العليا على الأرض)، وأعاد رسم صورة اللواء كقوة تمتلك خطاباً يتجاوز حدود الاندماج الإداري.

 

تحجيم القوة التدريجي 

في العام 2021 جرى نقل تبعية اللواء إلى شعبة الأمن العسكري بإشراف العميد في جيش نظام الأسد حينها لؤي العلي ، وتقلصت كتلته البشرية والمالية، وانحصر انتشاره في جغرافيا بصري الشام. خلال هذه المرحلة غادر العودة إلى الأردن لفترة، ثم عاد في أيلول/سبتمبر 2022؛ ليشارك اللواء في عمليات ضد خلايا تنظيم الدولة، منها عملية جاسم في تشرين الأول/ أكتوبر 2022، وخاض مواجهات محلية في درعا البلد.

غير أن ميزان القوى أخذ يتبدل، بحيث ان علاقات العودة مع فصائل درعا تراجعت، ومع السويداء بقيت مثقلة بملفات الخطف المتبادل داخليا، وتجارة المخدرات و تسهيل عمل العشائر على الحدود مع الأردن قبل سقوط نظام الاسد؛  كما ظهرت تباينات داخل اللواء بشأن طبيعة العلاقة مع الإدارة الجديدة في دمشق ، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن دمج كامل في جيش موحد بعد سقوط نظام الأسد حيث التقى العودة بالرئيس الشرع في ديسمبر 2024 للاطلاع على واقع العمل العسكري في الجنوب السوري وترتيب الأمور اللوجستية لحل الفصائل.  

 

العودة إلى الواجهة بعد سقوط الأسد

تشكّلت "غرفة عمليات الجنوب" في 6 ديسمبر 2024 ، كإطار تنسيقي جمع الفصائل الفاعلة في درعا والقنيطرة ضمن قيادة عملياتية موحّدة، هدفها تنظيم التقدم العسكري وضبط المجال الأمني في لحظة انهيار المركز، وقاد أحمد العودة هذا التشكيل، وبرز إلى جانبه قادة محليون من بينهم نسيم أبو عرة، ضمن بنية اعتمدت على سرعة الحركة، وتقسيم القطاعات، وتأمين خطوط الإمداد من الجنوب نحو العاصمة. ومع تسارع التطورات في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، تقدّمت مجموعات الغرفة عبر المحور الجنوبي إلى دمشق، وتمركزت في عدد من المؤسسات والمرافق الحساسة ( وزارات ومؤسسات ومصارف) ضمن مهمة محددة تقوم على تأمين المنشآت الحيوية، ومنع الفراغ الأمني، وضبط الانتقال إلى المرحلة التالية من إعادة ترتيب السلطة.

جاء هذا الدخول ضمن مشهد أوسع اتسم بتعدد غرف العمليات التي تحركت نحو العاصمة من محاور مختلفة؛ إذ لم يكن التحرك الجنوبي معزولاً، كما لم يأخذ صيغة اندماج تنظيمي مباشر مع "غرفة عمليات فتح دمشق" ليبرز مستوى من التنسيق الميداني بين القوى المتقدمة، هدفه تفادي الاحتكاك، وتحديد نقاط التمركز، وتوزيع المهام داخل المدينة. في هذا السياق تحرك عناصر ألوية الفرقان بقيادة محمد ماجد الخطيب (كلينتون) ضمن نطاق ريف دمشق الغربي والجنوب الغربي، بينما تمركزت مجموعات الجنوب في القطاعات القادمة من درعا، ما فرض قنوات تواصل عملياتية لضبط السيطرة على المقرات الحساسة ومنع التضارب في الانتشار.

عكس المشهد طبيعة المرحلة الانتقالية التي اتسمت بتقاطع أهداف القوى المتقدمة نحو إسقاط النظام، مع احتفاظ كل غرفة ببنيتها القيادية الخاصة؛ إذ جرى تنسيق أمني-ميداني لتأمين العاصمة وتوزيع المسؤوليات المرتبطة بحماية المؤسسات ومنع الانفلات وتقديم خطاب سقوط النظام والسيطرة على الإذاعة والتلفزيون، في إطار سباق زمني لإدارة لحظة التحول بأكبر قدر من الانضباط. وبعد تثبيت الاستقرار الأولي، تم تنفيذ انسحاب منظم للقوات الجنوبية، ما رسّخ صورة الغرفة كقوة تدخل سريعة تولّت إدارة اللحظة الحرجة، وفتحت المجال أمام إعادة تشكيل المركز ضمن ترتيبات سياسية وأمنية جديدة.

في مرحلة ما بعد السقوط، دخل العودة في مفاوضات لدمج اللواء ضمن وزارة الدفاع الجديدة، مشترطاً ضمانات تتعلق بالرتب والنطاق الجغرافي والحفاظ على السلاح لا سميا وأن العقيد نسيم أبو عرة كان في بداية الأمر معارضاً لفكرة الاندماج بالنظر على القدرة التسليحية التي تتمتع بها فصائل الجنوب واتساع الرقعة العسكرية والأمنية التي سيطروا عليها ( القنيطرة السويداء درعا ريف دمشق). غير أن توازنات الجنوب أخذت تميل لصالح مركزية أمنية متصاعدة، وتكاثرت الضغوط السياسية والاجتماعية عليه، ما ضيّق هامش المناورة.

 

أزمة نيسان/أبريل 2025 وحل اللواء

شكّلت أحداث 10–11 نيسان/ أبريل 2025 نقطة تحوّل واضحة في مسار الجنوب السوري؛ إذ دفعت محاولة اغتيال القيادي في وزارة الدفاع السورية الجديدة بلال الدروبي في بصرى الشام، وما تبعها من اتهامات طالت عناصر من “اللواء الثامن"،  إدارة الأمن العام إلى التحرك نحو الجنوب، فنُشرت تعزيزات في ريف درعا الشرقي، ودخلت القوات إلى بلدات الجيزة والسهوة وصيدا والمسيفرة، قبل أن تصل إلى بصرى الشام نفسها. هذا الانتشار لم يكن مجرد إجراء أمني محدود، بل كان رسالة بأن مرحلة جديدة بدأت في المحافظة.

عُقد اجتماع بين قيادات اللواء ومسؤولين من المؤسستين الأمنية والعسكرية، وانتهى باتفاق واضح ينص على تسليم المطلوبين في القضية، وحلّ التشكيل، ووضع جميع مقدراته البشرية والعسكرية تحت تصرف وزارة الدفاع؛ ليعلن القرار رسمياً في 13 نيسان/أبريل أو يتحول من تفاهم ميداني إلى خطوة سياسية وأمنية مكتملة.

جاء حلّ "اللواء الثامن" في سياق أوسع يتجه نحو توحيد القرار العسكري في الجنوب وإنهاء حالة التشكيلات المحلية التي احتفظت بهامش استقلال منذ تسوية 2018. كان اللواء يمثل أبرز هذه الصيغ، متمركزاً في بصري الشام، ويضم ما بين 300 و400 عنصر في مرحلته الأخيرة؛ ومع إعلان الحل انتقل القرار الأمني في المدينة إلى مؤسسات الدولة الجديدة، وتكرّست مركزية أوضح في إدارة الملف العسكري؛ ومحاولة لإغلاق مرحلة القوة المحلية التي أدارت توازنها الخاص بين المعارضة والدولة لسنوات، وفتح مساراً جديداً يقوم على إدماج المقاتلين ضمن هيكل عسكري موحّد، في سياق إعادة تنظيم الجنوب وإلحاقه الكامل بهرم القيادة المركزية للدولة.

 

عودة الاسم وإعلان التسليم 

في 20 شباط/فبراير 2026 اندلعت اشتباكات في محيط مزرعة تعود لأحمد العودة في الحي الشرقي من بصري الشام، أسفرت عن مقتل سيف المقداد وإصابة آخر؛ ليعود اسم العودة إلى الواجهة من جديد ، وتحمل الحادثة أبعاداً عشائرية متشابكة، خصوصاً مع ارتباط عائلة المقداد بملف بلال الدروبي الذي قُتل في 2025.  تدخل الأمن العام السوري وفرض حظر تجول مؤقت، وانتشرت قواته في المدينة لاحتواء التوتر.

أعادت هذه المواجهة اسم العودة إلى الواجهة، بوصفه شخصية ما تزال تمتلك حضوراً اجتماعياً وأمنياً، حتى بعد حل تشكيله العسكري؛ مع مطالبات من   محليين بإنهاء ملفه وترتيب إخلاء مقراته.

جاء بيان العودة الأخير في 22 فبراير2026، امتداداً لمسار طويل بدأ منذ معركة "ردع العدوان"، التي قدّمها بوصفها محطة تكريم بالنصر وتحرير سوريا بعد سنوات من الاستنزاف؛ واستعاد فيه مراحل الثورة في الجنوب، وتوقف عند العام 2018 بوصفه المرحلة الأشد قسوة، حين فُرض خيار المفاوضات تحت ضغط عسكري واسع، في بيئة كانت تعجّ بتداخل القوى الإقليمية وانتشار الميليشيات المرتبطة بإيران. قدّم تلك المرحلة باعتبارها قراراً هدفه حقن الدماء والحفاظ على ما تبقى من النسيج الاجتماعي، في وقت اتسع فيه خطاب التخوين، وتكاثرت الاتهامات بالسعي إلى سلطة أو مكاسب شخصية.

كرر العودة في بيانه روايته حول حماية المنشقين ومنع تسليمهم، وحول إدارة التوازنات في الجنوب في ظل ضغط أمني مركّب؛ كما شدد على أن حلّ "اللواء الثامن" ووضع مقدراته تحت تصرف الدولة جاء بمبادرة منه، باعتباره خطوة نحو إلغاء الفصائلية وتوحيد السلاح تحت مؤسسة وطنية واحدة، وقطع الطريق على مشاريع تحويل الجنوب إلى أداة في صراعات خارجية؛ في محاولة منه وسعيه لإبعاد منطق السياسة الضيقة والعسكرة المنفلتة، وربط ذلك بمواجهة طموحات مجموعات مسلحة ومصالح مرتبطة بحزب الله داخل الجنوب.

النقطة الحاسمة كانت أحداث شباط/ فبراير 2026 بوصفها حلقة في مشروع تحريض منظم، بعد تعرّضه لهجوم مسلح في بصرى الشام تطوّر إلى اشتباك، معتبراً أن التحريض ضده جرى تغذيته من جهات ممولة مرتبطة بشبكات خارجية، في مسعى لإشعال فتنة داخل المدينة. في المقابل، أعلن أنه يضع نفسه في عهدة الدولة المتمثلة بالرئيس الشرع ثم مرهف أبو قصرة وزير الدفاع ، ودعا إلى تحقيق شفاف في محاولة اغتياله، مؤكداً امتلاكه أدلة مصورة على التخطيط للهجوم.

تمحورت الرسالة المركزية في خطابه حول تثبيت الدولة بوصفها الإطار الوحيد المنظم للسلاح والسلطة، وإعادة تعريف موقعه من قائد محلي إلى فاعل يضع قراره تحت سقف المؤسسة الرسمية؛ وهكذا يكون العودة قد قدّم نفسه في لحظة توتر أمني كجزء من مشروع إعادة بناء الدولة، لا كطرف في صراع محلي، جامعاً بين استدعاء سردية النصر في "ردع العدوان" وبين إعلان الالتزام الكامل بهرم القيادة الجديدة، في محاولة لإغلاق صفحة الاتهامات وفتح صفحة الاندماج النهائي في بنية الدولة المركزية.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث