في الأيام التي سبقت الحرب الأخيرة على إيران منتصف العام المنصرم، قدّم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني عرضاً على أميركا في إطار المفاوضات معها يخوّلها من الاستثمار في بلاده بمبلغ يتراوح ما بين ترليون و4 ترليونات دولار. علماً أن إيران هي دولة لا تزال بكراً في المعادن والصناعات، ناهيك عن المكاسب التي تم إغراء أميركا بها في إعادة إعمار إيران بعد رفع العقوبات.
عين ترامب واسعة على عرضٍ مثيل، لكنه يريد أن يحصل عليه بأقل الأثمان. هي عقلية بدت واضحة على سبيل المثال لا الحصر عندما قال إنه منح مرتفعات الجولان لإسرائيل بالمجان ليكتشف بعدها أن قيمتها مرتفعة وأنه كان يجب أن يطلب من إسرائيل شيئاً بالمقابل. بل بدت واضحة حين تدخّل في الحرب الإسرائيلية الإيرانية، حتى أعاد الطرف الإيراني أكثر ضعفاً إلى طاولة المفاوضات.
الفن الترامبي
تلك أهدافه الدائمة وذاك فنه الذي لم يتوان عن بلورته في كتابٍ خطّه سنة 1987 تحت عنوان "فن الصفقة "the Art of the Deal، حدّد فيه خمسة مبادئ للنجاح، من موقعه كرجل أعمال ناجح: التفكير الطموح، التأكد من عدم الخسارة، استخدام أدوات الضغط، السيطرة على السردية والوعي العام والتصرّف بعدوانية. وهو اليوم، من موقعه كرئيس أميركي يبت في المفاوضات والحروب، يحاول أن يسقط تجربته التجارية على تجربته الرئاسية، التي يديرها بعقلية من يستثمر في الصفقات.
توم روجرز، في مقالة له في "نيويورك تايمز" بعنوان فك شيفرة الجنون الظاهري لترامب، يلخّص هذا الفن الترامبي بجملة من الخطوات، تتمثل أولاً في "لكمة الوجه كبداية للتفاوض"، أي بدء العملية التفاوضية بموقف صادم أو مطلب عدواني متطرف لأجل إرباك الخصم وتحطيم توازنه النفسي. وثانياً "تأثير النائم أو التكرار حتى التصديق"، بمعنى إنهاك قدرة الناس على التمييز بين الحقيقة والخيال بما يمنح ترامب قدرة على إعادة صياغة الواقع، وثالثاً "متلازمة انا وحدي أستطيع الإصلاح".
وفي خضمّ كل الأجواء الأميركية الإيرانية والتصريحات المترنحة تارة للحرب وتارة للمفاوضات، أمكن للمراقب بالفعل أن يلتمس إنهاكاً في قدرة المحللين أنفسهم في التمييز بين الحقيقة والخيال بين ما يتم التصريح به هنا أو هناك. ففي الوقت الذي يصرّح فيه كبير المفاوضين الإيرانيين عباس عراقجي بأن مسودة الإتفاق أصبحت ما بين اليدين، وأن الولايات المتحدة لم تطلب عدم تخصيب اليورانيوم، وأن النقاش يدور حول كيفية إثبات إيران عدم سعيها للحصول على أسلحة نووية كما صرّح لشبكة "سي إن إن"، تصدر تصريحات من الطرف المقابل هي على النقيض من ذلك، ويعود معها الحديث عن اقتراب شن الحملة العسكرية على إيران في الوقت نفسه الذي يدّعي فيه الطرف الإيراني نجاح مفاوضات جنيف.
تعنت إيراني
هذا إن عنى شيئاً، وفقاً للتحليل الروجرزي أعلاه، فإنه يعني أن الرئيس الأميركي يهيئ الأرضية إلى الحين الذي يغدو فيه قادراً على إعادة صياغة الواقع، هو وحده، إما بالعزوف عن الضربة أو العكس، أو بإخراج شكليّ يتفق الجانبين عليه أيضاً هذه المرة، نظراً لما تبدى من تعقيدات للحرب على الجميع في الظرف المدى القريب. وهو اتفاق ليس ببعيد عن طبيعة العلاقة بين أميركا وإيران في بعض المواقع التي تطلّب إخراجاً ما، إذ عدا عما ادعاه ترامب فيما يخص أن إيران أبلغتهم بضرب قاعدة عين الأسد بعد حادثة اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في العراق، فإن وزير خارجية إيران السابق حسين أمير عبد اللهيان أورد في كتابه "صبح الشام" عن تنسيق مثيل جرى عندما أبلغت أميركا الطرف الإيراني بنيّة التحالف الأميركي الفرنسي البريطاني القيام بعملية عسكرية بعد حادثة استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيماوية، وذلك لأن أوباما حذر من استخدامها بداعي تدخل أميركا لو حصل الأمر، وبالتالي فإن هيبة أميركا لا يمكن التنازل عنها. ولذلك طمأن الجانب الأميركي سوريا وإيران آنذاك، ودائماً وفقاً لكلام عبد اللهيان، بأنهم لا يملكون أي برنامج لإسقاط بشار الأسد ضمن هذه العمليات العسكرية، وأنهم لن يستهدفوا أي من مراكز الحكومة الحساسة، وأنهم يرغبون فقط إرسال رسالة إلى بشار والعالم بأنهم يعارضون استخدام أسلحة مثيلة.
المعضلة أن التعنّت الإيراني، والذي دفع بترامب نفسه إلى التساؤل وفقاً لما نقله المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف عن سبب عدم استسلامها، وضع فعلاً أميركا في مأزق هيبة، إذا ما اقترن هذا الواقع بما تشير إليه التقارير مؤخراً عن أن مساعديه يحثونه على التركيز على المخاوف الاقتصادية للناخبين في أميركا على أبواب الانتخابية النصفية التي ستجري نهاية هذا العام في الولايات المتحدة، وبالإضافة أيضاً إلى ما ينقل عن كبار المسؤولين في البيت الأبيض بأنه لا يوجد حتى الآن دعم موحد داخل الإدارة للمضي قدماً في شن هجوم على إيران نتيجة اعتبارات عديدة لا تتعلق فقط بالجبهة الأميركية الداخلية.. لا سيما بعد تهديدات المرشد الإيراني بأن إيران تمتلك ما يستطيع إغراق حاملة الطائرات، وبعد التلويح القديم الجديد بإغلاق مضيق هرمز، وما يعنيه ذلك من أن إيران تتصرف على قاعدة أنها تخوض حرب وجود، وستذهب بها إلى آخر الطريق.
علماً أن نظرية حرب الوجود هذه جعلت بعض الخبراء يعتقدون بأن إيران قد تذهب فعلاً إلى تطوير قنبلة نووية في الظرف الآتي إن لم تكن قد فعلت بالفعل، طالما أنها لا تزال تمتلك 500 كغ من اليورانيوم عالي التخصيب، والتي تستطيع من خلالها إنتاج 10 قنابل ذرية غير فتاكة في أقل من 3 أسابيع، أو قنبلة مثيلة لتلك التي تلقتها كل من هيروشيما وناكازاكي، كما أنها قادرة على تصنيع الرأس الانفجاري والصواريخ التي تحملها وفق هؤلاء الخبراء. وأن إيران تمتلك تصميماً لهذه القنبلة، بل هي قادرة على تجريبها بما يُعرف بالـcold test، أي اختبار الآلية الميكانيكية والالكترونية للقنبلة بدون انفجار نووي فعلي، ما يسمح بتطوير التصميم سراً دون لفت الانتباه الدولي، إذ لا إشعاع يُرصد ولا زلازل. علماً أن أنطونيو غاستوزي الباحث في المركز الإيطالي للدراسات السياسية قد نقل معلومة عن مصدر إيراني بأن خامنئي بعد حرب حزيران/يونيو قد أعطى بالفعل تعليماته بتصنيع أسلحة نووية، خلافاً لرأيه الديني المعروف.
حرب شاملة؟
هكذا، ورغم كل ما يلوح في الأفق، لا يبدو أن واشنطن على أعتاب حرب شاملة مع طهران، بل على أعتاب ضربة محسوبة على أماكن صناعية أو أهداف وهمية مثلاً، مقابل رد إيراني على قواعد أميركية يتم إخلاؤها بالتنسيق المشترك، ما يحفظ هيبة أميركا ويتيح للجانبين ادعاء النصر أمام شعبيهما، كما العادة، كخطوة تتصنّع تحقيق إنجازات شعاراتية، وتؤجل المفاوضات إلى أجل غير مسمى، لتُعيد إيران إلى ساحة الترنح الداخلي من جديد، مع إبقاء الترسانة الأميركية العسكرية في المحيط لإدارة أي طارئ من الأحداث، أو لضمان التدخل في اللحظة المناسبة في حال بات سقوط النظام الإيراني قاب قوسين أو أدنى، وخصوصاً بعد الحديث عن تجدّد راهن للاحتجاجات في عدد من جامعات إيران تزامناً مع إحياء مراسم "الأربعين" لضحايا احتجاجات يناير، وكذلك بعد بلورة الجماعات الكردية الانفصالية في إيران شكلاً سياسيا موحّداً لها.
أما إسرائيلياً، فقد نجحت إسرائيل عملياً بعد كلّ هذه الأحداث في فرض نفسها لا كتابع لأميركا، ومعتمدة عليها بالمطلق، كما سيقت الكتابات والتحليلات بعد الحرب الفائتة، بل كشريك أساسي في إدارة الاشتباك في الشرق الأوسط، ينسقان سوياً ويتواجدان معاً هذه المرة، بل وشريك يساندها في تحقيق طموحاتها في مواجهة الخصوم لا سيما الخصم الصيني. كما أنها نجحت في المثول كوكيل في الصراع مع إيران لا كأصيل، بعد جرّ أميركا بثقلها إلى الشرق الأوسط، الأمر الذي يعتقد الجانبان أنه سيثمر مزيداً من تثبيت قوتيهما في العالم.. وهذا على عكس ما يراه بعض المحللين الصينيين الذين يعتقدون بأن أي هجوم على إيران قد يصب في مصلحة الصين من زاوية أنه سيورط الأمركيين في الشرق الأوسط ويجبرهم على تركيز جهودهم هناك، إذ لطالما اعتبر الصينيون أن الشرق الأوسط هو مقبرة الامبراطوريات.
الضربة الأميركية ـ إن وقعت ـ فهي على الأرجح لن تكون إعلان حرب بقدر ما ستكون فصلاً تفاوضياً بصوت مرتفع. وبعد انقشاع دخانها، يعود الطرفان إلى الطاولة نفسها، لكن بشروط نفسية مختلفة… إلى أن تنضج صفقة أخرى، أو تتبدل موازين القوة من جديد.




