باعتراف ستيف ويتكوف مبعوث ترامب، وصديقه القادم من حقول البيزنس وأسواق العقار، إلى طاولات التفاوض وغرف رسم الخرائط، فقد بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب مذهولاً، فيما يتجاهل الإيرانيون إنذاراته المطاطة التي تتراوح مهلتها بين ساعات تأكلها أيام، وأياماً تأكلها أسابيع، دون أن يرمش لملالي طهران جفن.
وبينما كان ترامب يتساءل في دهشة: متى يستسلم الإيرانيون إذن بينما جيوشنا تقرع أبوابهم بغلظة، دون أدنى استجابة؟!، كان المشهد على الجانب العربي من الخارطة الشرق أوسطية يستدعي أبياتاً للحسرة، من قصيدة يتساءل فيها نزار قباني أحد أبرز شعراء العرب في القرن العشرين: متى يعلنون وفاة العرب؟! أما أنا فأصبحت مثل كامل الشناوي شاعر لا تكذبي، تطل من رأسي الظنون، تلومني، وتشد أذني بينما أسأل في غضب: متى يغضب العرب؟!
مفارقة صنعتها ساعات قليلة مضت منذ أعلن السفير الأميركي لدى اسرائيل مايك هاكابي
في حوار ضمن برنامج الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون أنه (من الجيد ان تحصل اسرائيل على المنطقة من النيل الى الفرات، هذه منحة إلهية غير قابلة للمناقشة بالنسبة للصهيونية الدينية والمسيحية).
السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي هو موظف عام لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يفترض أنه يعبر عن رؤية حكومة الولايات المتحدة، التي تقيم علاقات وثيقة-تبلغ حد التحالف - مع أصدقائها المشمولين بخارطة الحق الإلهي لبني اسرائيل!!
ما يقوله السفير الأميركي لدى اسرائيل في شأن سيادتنا وخرائطنا، يتعلق بصميم وجودنا، وبخطوط حدودنا، وبحقوقنا غير القابلة للتفاوض، الأمر الذي قد يستوجب استدعاء سفراء الولايات المتحدة الى مقار الحكم في الدول المشمولة بخارطة السفير الأميركي، ومطالبتهم بتقديم اعتذار رسمي عن تصريحات سفير الولايات المتحدة في إسرائيل.
تصريحات السفير الاسرائيلي هاكابي لتاكر كارلسون بشأن خريطة اسرائيل من الفرات الى النيل ليست مجرد زلة لسان، بقدر ما هي تفضح هيمنة فكرة حرب آخر الزمان (هيرماجيدون) على الفكر السياسي لليمين الأميركي، وفيه فكر الرئيس الأميركي نفسه، الذي يرى أن تمكين اسرائيل يستعجل بدوره ظهور المخلص بينما يتمتم الشمامسة لدى مرورهم بين صفوف المصلين بالكنائس الإنجليكانية الأميركية وبأيديهم صناديق لجمع التبرعات لإسرائيل: (ساعدوا الرب على أن ينجز وعده).
تصريحات السفير الأميركي لدى اسرائيل بشأن حدود اسرائيل التوراتية من الفرات الى النيل، قد تكون فرصة لعرب السلام الإبراهيمي لمراجعة في العمق لفكرة العلاقة مع اسرائيل ذاتها. فالخطيئة التي اقترفها السفير الأميركي، قد هيأت الفرصة لصناعة أزمة يحتاجها المتضررون العرب، لتصحيح وتحسين مراكزهم التفاوضية في العملية الجارية لإعادة هيكلة النظام الاقليمي الشرق أوسطي قيد الصياغة. اعتذار اميركا ومحاسبة سفيرها شرط أساسي لإنهاء الأزمة. فلا تصالح مع خريطة لاهوتية، تشطب الحضور العربي من فوق خارطة عربية بالميلاد.
وبينما تأتي ردود الفعل العربية على تصريحات السفير الأميركي لدى اسرائيل خجولة لا مباشرة ولا قاطعة، يتساءل ويتكوف في دهشة عن سر الصمود الإيراني؟!".. ويضيف: الرئيس ترامب أبدى دهشته من عدم استسلام الإيرانيين رغم كل الضغوط!!..
ويضيف ويتكوف في دهشة: "لماذا لم يأتوا إلينا ليقولوا لنا نحن لا نريد سـلاحاً نـووياً؟"، مشيرا إلى أن دفع طهران لتقديم مثل هذا التنازل، لا يبدو أمراً سهلاً كما كان يتوقع البعض في واشنطن!
اعتراف ويتكوف يضرب في الصميم استراتيجية ترامب التي تعتمد على إظهار القوة المفرطة لإجبار الخصوم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات انصياعاً لشروط أميركية خالصة.
عوامل الصمود الايراني أمام ضغوط ترامب الهائلة تقطع بأن مشهد القوة وحده لا يكفي لتفكيك مكونات الصمود الإيراني، بعدما أظهرت التجربة أن الجهاز المناعي لإيران، التي اعتادت العيش تحت الحصار على مدى قرابة نصف قرن، قد طور قدرات صمود ضد ضغوط عسكرية عاتية، مما جعل استجابتها للتهديدات الأميركية بطيئة وباردة.
أكاد أرى علامات تردد وخوف في غرفة القرار بالبيت الأبيض، بينما يتساءل ترامب وقد آلت اليه وحده مسؤولية قرار الحرب من عدمه، فثبات الإيرانيين رغم أعتى الضغوط، يحمله على مراجعة الذات، حول اليوم التالي للضربة الأميركية على طهران، وحول احتمالات الفشل، وتكاليف أي انتصار.
يحلم ترامب بانتصار رمزي قليل الكلفة، ولا يبدو قنوعاً الا بمقدار خوفه من سوء العاقبة، أما أكثر ما يخشاه فهو ان يستدرج جيشه الى حرب طويلة قد تمتد لسنوات ان قرر تلامذة الخميني محاكاة نفسه الطويل في الحرب ضد صدام حسين على مدى أكثر من ثماني سنوات.
لا أحد في المنطقة، باستثناء إسرائيل، يريد اندلاع الحرب، حتى اميركا التي حشدت الجيوش واستجلبت الأساطيل، تخشى الحرب وتريد انتصارا رمزياً يحترم شيخوخة قوة عظمى تستدعي بإلحاح زمن الاستعمار التقليدي، لكنها لا تضمن إمكانية الحصول عليه.
قبل قرابة نصف قرن طرح نزار قباني سؤال المِحنة: متى يعلنون وفاة العرب؟! ووصف حالهم قائلاً:
"أنا منذ خمسين عاماً،
أراقب حال العرب.
وهم يرعدون، ولا يمطرون...
وهم يدخلون الحروب، ولا يخرجون...
وهم يعلكون جلود البلاغة علكا
ولا يهضمون... "




