تعيش إيران، التي يناهز عدد سكانها 90 مليون نسمة، حالة ترقب مشوبة بالقلق، مع تأرجح المشهد بين احتمالات الحرب وفرصة أخيرة للدبلوماسية، في ظل تبادل التهديدات بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين، مقابل دعوات إلى التفاوض. وتستعد واشنطن وطهران لعقد محادثات غير مباشرة في جنيف، الخميس المقبل، تُوصَف بأنها الفرصة الأخيرة للتوصل إلى اتفاق يجنب البلاد مواجهة عسكرية، بحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز".
وأفاد التقرير بأنه في الأيام الأخيرة، بدأ بعض الإيرانيين في تجهيز حقائب طوارئ، وشراء مولدات كهربائية احتياطية، ووضع خطط للانتقال إلى المناطق الريفية أو مغادرة البلاد بالكامل. في المقابل، اختار آخرون الانتظار، معتبرين أن قدرتهم على التأثير في مجريات الأمور محدودة، وأن إمكاناتهم للاستعداد شبه معدومة.
وقال بايمان، وهو رجل أعمال يبلغ 45 عاماً من طهران، للصحيفة، إنه يشعر بحالة من الشلل بسبب القلق: "كل شيء يبدو سريالياً، كأننا في حالة برزخ لا أستعد حتى للبقاء في حالة طوارئ، أريد فقط أن ينتهي هذا الأمر". وأشار إلى أن مغادرة العاصمة قد لا تكون خياراً عملياً، إذ يُرجح أن تختنق الطرقات بحركة السير في حال اندلاع مواجهة.
حرب الـ12 يوماً وزحام يوم كامل
ويستحضر كثير من الإيرانيين تجربة حزيران/يونيو الماضي، حين اندلعت حرب استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل. آنذاك، فرّ ملايين السكان من طهران نحو بحر قزوين والمناطق الجبلية المحيطة بالعاصمة. في رحلة تستغرق عادة أربع ساعات امتدت إلى نحو يوم كامل بسبب الاختناقات المرورية.
ورغم تلك التجربة، تشير الصحيفة إلى أن الحكومة الإيرانية لم تُظهر استعدادات طارئة واسعة النطاق. وصرح رئيس بلدية طهران علي رضا زاكاني، لوسائل إعلام محلية الأسبوع الماضي، بأن محطات المترو ومواقف السيارات تحت الأرض يمكن تحويلها إلى ملاجئ، موضحاً أن البلدية اتخذت "الحد الأدنى" من الإجراءات لتجهيزها.
غير أن خبراء تخطيط محليين، حذروا من أن هذه المواقع تحتاج إلى تجهيزات أساسية مثل أنظمة التدفئة والتهوية والمرافق الصحية، ولا تتوافر معلومات علنية تؤكد تنفيذ تلك الإجراءات.
وفي مقابلة متلفزة، رفض زاكاني الانتقادات، واعتبر أن الحديث عن الطوارئ سابق لأوانه، قائلاً: "لا نعتقد أن حرباً ستندلع بهذه الخطورة بحيث نفرض حالة طوارئ على الناس".
واتهم واشنطن بمحاولة بث الخوف بين الإيرانيين الذين يعيشون، بحسب تعبيره، في حالة "لا حرب ولا سلام"، مضيفاً "لماذا نسمح لهم بإغلاق مدينتنا وجعلنا قلقين؟".
حياة يومية طبيعية
على المستوى الظاهري، تبدو الحياة في طهران طبيعية، المتاجر مليئة بالبضائع، ولا مؤشرات على نقص في الغذاء أو الوقود أو المياه، فيما تستمر المدارس والشركات في العمل.
لكن على الإنترنت، يتبادل الإيرانيون نصائح للاستعداد للأسوأ، من بينها تدوين أرقام الطوارئ الخاصة بأفراد العائلة وتحديد نقاط لقاء، تحسباً لإغلاق الإنترنت وشبكات الاتصالات، كما حدث خلال حرب حزيران/يونيو، وأيضاً بعد الاحتجاجات المناهضة للحكومة الشهر الماضي.
ونشر الناشط الإيراني المقيم في فرنسا إيليا هاشمي، قائمة واسعة الانتشار تتضمن توصيات بتخزين مؤن تكفي أسبوعين، تشمل ثلاثة لترات من المياه يومياً للفرد، وأغذية معلبة وجافة، وشموعاً، ومصابيح يدوية، وأدوات إسعاف أولي، وملابس دافئة، وبطاريات شحن.
إلا أنه كتب في اليوم التالي أنه تلقى سيلاً من الرسائل الغاضبة من داخل إيران، أفاد أصحابها بأنهم لا يملكون المال لتأمين احتياجات يوم واحد، فكيف بتخزين مؤن لأسبوعين.
أزمة اقتصادية خانقة
ويتزامن هذا القلق مع أزمة اقتصادية عميقة. فقد اندلعت احتجاجات في كانون الأول/ديسمبر الماضي، عقب انهيار حاد في قيمة الريال الإيراني. ومنذ ذلك الحين، سجل الريال مستويين قياسيين جديدين من التراجع، فيما ارتفع معدل التضخم بنسبة 60% مقارنة بالعام الماضي، وفق ما نقلت الصحيفة عن صحيفة أعمال إيرانية بارزة.
وباتت سلع أساسية مثل اللحوم والدواجن والبيض خارج متناول كثير من الأسر، فيما يضطر بعض السكان إلى الاختيار بين دفع الإيجار أو شراء الطعام.
وقال ساهاند، أحد سكان طهران: "من غير الممكن حتى وضع خطط أو استعدادات. العائلات لا تملك المال لتخزين الغذاء أو الدواء. كل ما يفكرون فيه هو أين يختبئون". وأضاف أن معظم الناس "استسلموا ويعتقدون أنه لا شيء يمكنهم فعله".
واشترت مريم، وهي فنانة في طهران، إلى جانب حقيبة طوارئ تحتوي على مياه وأدوية وفواكه مجففة، خدمات شبكات افتراضية خاصة متقدمة (VPN، أملاً في تجاوز أي انقطاع محتمل للإنترنت.
وقالت: "كل من تحدثت إليهم هذه الأيام مرتبك جداً". وأضافت أن كثيرين لا يفهمون موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتقلب بشأن نطاق أو توقيت أي هجوم محتمل، أو حتى ما إذا كان سيحدث أصلاً.
وفي هذا السياق، أجرت قوات الحرس الثوري الإيراني مناورات عسكرية على الساحل الجنوبي للبلاد الثلاثاء، بحسب وسائل إعلام رسمية.
رجلان يتشاجران على منزل
و عبّرت سحر ذات 38 عاماً، التي تعمل في شركة ناشئة بطهران، عن خشيتها من أن يصبح الإيرانيون ضحية صراع بين قوتين لا تكترثان بمصيرهم، قائلة إن "الأمر أشبه برجلين يتشاجران على منزل، وفي النهاية يحرقانه ونحن ما زلنا بداخله".
وبين انتظار ما ستسفر عنه محادثات جبف، واستمرار الضغوط الاقتصادية، يبقى الإيرانيون عالقين بين احتمال انفراج دبلوماسي قد يبدد شبح الحرب، أو مواجهة عسكرية قد تعمّق أزمتهم السياسية والمعيشية، وفق ما خلص إليه تقرير صحيفة "نيويورك تايمز"




