في ظل تصاعد الضغوط الأميركية وتعثر المفاوضات النووية، تتكشف معطيات عن صراعات داخلية شهدتها قمة السلطة في طهران، في وقت يعود فيه الشارع إلى التحرك وتتعاظم رهانات المواجهة الإقليمية.
وبحسب عدة مصادر تحدثت إلى صحيفة "لو فيغارو"، كان المرشد علي خامنئي هدفاً لمحاولة إقصاء داخلية قادها الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، هدفت إلى إبعاده عن إدارة شؤون الدولة في مرحلة توتر سياسي وأمني، في إطار تحرك داخل بعض دوائر النظام لإعادة توزيع مراكز القرار.
وقالت المصادر إن المبادرة تبلورت ليلة 7 – 8 كانون الثاني/يناير، قبل يوم واحد من ذروة الاحتجاجات التي شهدت تنفيذ أحكام إعدام بحق الآلاف. ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن روحاني قاد الخطة إلى جانب شخصيات من الإدارة السابقة، بينهم وزير خارجيته محمد جواد ظريف، وعدد من رجال الدين في مدينة قم، إضافة إلى شخصيات محسوبة على الحرس الثوري.
اجتماع مغلق ومحاولة لم تكتمل
ونقلت الصحيفة الفرنسية عن مصدر على صلة ببعض المشاركين في الاجتماع، قوله إن روحاني "جمع أعضاء حكومته السابقة، ولا سيما وزير خارجيته محمد جواد ظريف، ورجال دين من قم، وشخصيات من الحرس الثوري، بهدف عزل المرشد الأعلى من إدارة الأزمة".
وبحسب المصدر ذاته، "فشلت المحاولة لأن علي لاريجاني، الذي كان ممثلاً في الاجتماع، لم يمنحها دعمه النهائي". ويترأس لاريجاني المجلس الأعلى للأمن القومي، الهيئة التي تحدد التوجهات الاستراتيجية المحيطة بالمرشد وتشكل مركز القرار الأمني في البلاد.
وتشير المصادر إلى أن الرئيس الحالي مسعود بزشكيان استُبعد عمداً من تلك المشاورات لحمايته من تداعياتها السياسية. ووفق المعطيات نفسها، وُضع روحاني وظريف قيد الإقامة الجبرية لبضعة أيام عقب فشل المبادرة، كما اعتُقل عدد من الشخصيات الإصلاحية المقربة منهما قبل الإفراج عنهم لاحقاً.
وأضاف المصدر أن "المتشددين المحيطين بالمرشد، وقوة القدس التابعة للحرس الثوري، والباسيج، تولوا لاحقاً الإمساك بزمام الملف الأمني"، ما عزّز موقع التيار الأكثر تشدداً داخل منظومة الحكم.
وفي السياق ذاته، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" أن خامنئي نقل صلاحيات عسكرية ودبلوماسية إلى علي لاريجاني، مهمشاً الرئيس بزشكيان، كما أعدّ عدة سيناريوهات تفصيلية للخلافة في حال وفاة مسؤولين كبار، بمن فيهم هو نفسه، في ظل أجواء توتر إقليمي متصاعد.
تصعيد ضد الإصلاحيين
وشنت السلطات الإيرانية في أوائل شباط/ فبراير حملة اعتقالات واسعة طالت قيادات بارزة من التيار الإصلاحي داخل البلاد، حيث تم توقيف شخصيات سياسية معروفة من جبهة الإصلاحات إثر صدور بيانات تنتقد القمع الذي شهدته الاحتجاجات الأخيرة، في ما يُعد أبرز حملة من نوعها منذ 2009.
وشملت الاعتقالات كلاً من رئيسة جبهة الإصلاحات، آذر منصوري، ورئيس لجنتها السياسية، إبراهيم أصغرزاده، بالإضافة إلى نائب وزير الخارجية الأسبق، محسن أمين زاده، كما تم توقيف المتحدث باسم الجبهة، جواد إمام، واستدعاء آخرين للتحقيق في نيابة طهران، بحسب تقارير إعلامية دولية.
ووجهت السلطات للمعتقلين اتهامات تتعلق بـ"استهداف التماسك الوطني" و"التنسيق مع الدعاية المعادية" و"الترويج لنهج الاستسلام"، في خطوة تأتي وسط توسيع حملة القمع بعد احتجاجات دامية اتهمت طهران فيها معارضيها بـ"الفتنة" و"الأعمال التخريبية".
جمود نووي تحت ضغط عسكري
وتتزامن هذه المعلومات مع جمود في المسار النووي، بعد أسبوع من الجولة الثانية من المفاوضات في جنيف بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
وفي وقت يدرس فيه دونالد ترامب "توجيه ضربات" ضد إيران، وتؤكد طهران استعدادها للتوصل إلى "اتفاق سريع" يخدم الطرفين، إلا أن الخلاف الجوهري يتمحور حول حق إيران في تخصيب اليورانيوم.
وتطالب الولايات المتحدة بتخلي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، الذي تقدره الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأكثر من 440 كيلوغراماً بنسبة تصل إلى 60%، أي على مسافة قريبة من مستوى 90% ذي الاستخدام العسكري.
غير أن موقع "أكسيوس" نقل عن مسؤول أميركي رفيع أن إدارة ترامب تدرس إمكانية السماح بـ"تخصيب رمزي ومحدود" لا يمكّن إيران من تطوير قنبلة نووية.
تنازلات مشروطة وخلاف حول العقوبات
وفي هذا الإطار، أفاد مسؤول إيراني وكالة "رويترز"، بأن طهران قد تدرس تصدير جزء من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وخفض نسبة تخصيب الجزء الأعلى تركيزاً، وإنشاء كونسورتيوم إقليمي للتخصيب، مقابل الاعتراف بحقها في "التخصيب النووي السلمي". وأضاف أن "المفاوضات مستمرة، وإمكانية التوصل إلى اتفاق مؤقت قائمة".
غير أن المسؤول نفسه أقرّ بوجود تباين مع واشنطن بشأن نطاق وآلية تخفيف العقوبات، مشدداً على ضرورة الاتفاق على جدول زمني "منطقي" لرفعها.
وتسعى طهران إلى رفع سريع لبعض العقوبات التي تخنق اقتصادها وتتسبب في تضخم مفرط وتراجع حاد في قيمة العملة، وهي عوامل غذت موجات الاحتجاج الأخيرة. في المقابل، تتحفظ واشنطن على تخفيف مبكر وواسع.
ولجذب ترامب، عرضت إيران بحسب "رويترز" فرصاً استثمارية كبيرة في قطاع النفط، مع تأكيدها أنها لن تتنازل عن السيطرة على مواردها النفطية والمعدنية الاستراتيجية، مع إمكانية مشاركة شركات أميركية كمقاولين فرعيين في حقول النفط والغاز.
وأكد عباس عراقجي أن "خريطة الطريق لرفع العقوبات يجب أن تكون معقولة ومبنية على مصالح متبادلة"، وذلك غداة إنذار "من عشرة إلى خمسة عشر يوماً" أطلقه ترامب لإبرام اتفاق.
احتجاجات متجددة وتوازنات دقيقة
وشهدت طهران ومدن أخرى تجمعات طلابية جديدة نهاية الأسبوع، تخللتها هتافات مناهضة للنظام، فيما عادت شعارات تستهدف المرشد الأعلى في بعض المناطق.
ورغم الضغوط الداخلية والخارجية، يواصل خامنئي إظهار موقف متشدد، مهدداً بإغراق حاملة طائرات أميركية، فيما تستكمل الولايات المتحدة حشدها العسكري في محيط إيران.
وبين صراع أجنحة داخل السلطة، ومفاوضات نووية متعثرة، وشارع لم يُغلق ملفه بعد، تبدو طهران أمام مرحلة دقيقة تعيد رسم توازنات القرار في الداخل وتحدد مسار المواجهة أو التسوية في الخارج.




