أعلن الممثل السامي لمجلس السلام العالمي، عضو المكتب التنفيذي للمجلس ومسؤول التواصل مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة، نيكولاي ميلادينوف، عن تأسيس مكتب للارتباط مع السلطة الفلسطينية وهو ما أكده نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، معلناً تسمية رئيس الوزراء محمد مصطفي لهذه المهمة، في إشارة لمدى اهتمام وجدية السلطة بالتعاطي مع الخطوة التي تعود بالحقيقة إلى عدة أسباب سياسية وإدارية وواقعية، تتعلق برؤى ومطالب والوسطاء العرب والدوليين، وقناعة ميلادينوف نفسه، كما زملائه بالمجلس باستحالة تجاوز السلطة سياسياً وإدارياً ولوجستياً باعتبارها القيادة الرسمية "الشرعية" للشعب الفلسطيني، وهو نفس ما تؤكد عليه اللجنة الوطنية لإدارة غزة لجهة مرجعية السلطة لها خلال مرحلة انتقالية لفترة محددة زمنياً، ودون أي نية أو إرادة ولا حتى قدرة على ادعاء تمثيل وقيادة الشعب الفلسطيني.
قناة رسمية للتنسيق والتواصل
إذن أعلن ميلادينوف مساء الجمعة، إنشاء مكتب ارتباط تابع للسلطة، يوفر قناة رسمية ومنظمة للتواصل والتنسيق بين مكتب الممثل السامي والسلطة الفلسطينية، بما يضمن أن تتم المراسلات واستلامها ونقلها عبر آلية مؤسسية واضحة. وحسب ميلادينوف فإن مكتب الممثل السامي، بصفته حلقة الوصل بين مجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة، سيضمن تنفيذ جميع جوانب الإدارة الانتقالية وإعادة الإعمار وإعادة التطوير في قطاع غزة بنزاهة وفعالية.
من جهته قال حسين الشيخ إن المكتب يوفر قناة رسمية للتنسيق والتواصل بين مكتب ممثل المجلس السامي والسلطة الفلسطينية، لتنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقرار مجلس الأمن رقم 2803 الذي شرعن الخطة واتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
هنا يجب التمييز بين أمرين أساسيين، السلطة باعتبارها القيادة الرسمية "الشرعية" للشعب الفلسطيني، والشخوص التي تتولى هذه المهمة، وهي بالتأكيد غير جديرة وغير قادرة، بتراء وغير ميثاقية.
ووفق مصادر مطلعة، تعود الخطوة لعدة أسباب ومعطيات سياسية وإدارية لوجستية، أولها وأهمها ربما مطالب وضغط الوسطاء العرب والمسلمين المنضوين ضمن الإطار الثماني العربي الإسلامي، والمزاج العام للمجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين لعدم استبعاد السلطة الفلسطينية من المشهد، وذلك لعدة معطيات أولها وأهمها عدم تحويل الواقع الراهن في غزة إلى دائم، وعدم تكريس وحتى تأبيد الانقسام والفصل بين قطاع غزة والصفة الغربية ووحدانية التمثيل الفلسطيني، إضافة إلى اصرار الفرقاء أنفسهم خصوصاً العرب والمسلمين منهم على رسم الأفق، وشق المسار السياسي نحو الدولة الفلسطينية وتقرير المصير، وهو ما يلحظ تواجد القيادة الفلسطينية الرسمية "الشرعية" بعد اجراء الإصلاحات المطلوبة منها، والذهاب إلى انتخابات جدية شفافة ونزيهة كي يختار الشعب الفلسطيني القيادة الجديرة بتمثيله والدفاع عن مصالحه وحقوقه الوطنية.
عدم تحويل المرحلي إلى دائم
إلى ذلك بالإمكان التأكيد إن هذا يمثل كذلك مطلب أو أحد المطالب الرئيسية للجنة الوطنية لإدارة غزة التي تؤكد دائماً على مرجعية السلطة والقيادة الفلسطينية لها، كما تبدى على سبيل المثال لا الحصر في حضور السفير الفلسطيني لدى أنقرة نصري أبو الجيش لقاءات وفد اللجنة "رئيسها على شعث ومسؤول الأمن سامي نسمان" أثناء زيارتها إلى أنقرة الأسبوع الماضي.
بالسياق، تصر اللجنة الوطنية على تسيير أمور غزة في سياق إداري ومرحلي، ولا تفكر ولا تريد (لا تستطيع حتى إذا أرادت) التحول الى القيادة الرسمية، وفي نفس الوقت تقول علناً ومراراً إنها لا تسعى لتمديد تفويضها الزمني أو تحويل الواقع الراهن إلى دائم في غزة وتسعى جاهدة لتحقيق هذه الأجندة لجهة عدم تمديد التفويض الزمني، وعدم تحويل المرحلي الى دائم وإبقاء الأفق والمسار السياسي وتقرير المصير على الطاولة.
المعطي الثاني يتمثل بقناعة ميلادينوف، وبالمناسبة هي حسب مصادر مطلعة قناعة توني بلير نفسه ليس فقط تجاه السلطة مع دعوات إصلاحها وإنما تجاه حركة حماس –استحالة استبعاد الحركة من المشهد السياسي وإنما الأمني والسلطوي فقط – حيث يعتقد الممثل السامي أنه من المستحيل سياسياً العمل بعيداً وبمعزل عن السلطة، وهو يتحدث دائماً عن حل الدولتين باعتباره الخيار الأمثل للتعاطي مع جذر الصراع في فلسطين.
أما السبب والمعطى الثالث فإداري ولوجيستي ويلحظ صعوبة وحتى استحالة استبعاد السلطة نظراً لدورها المركزي والذي لا غنى عنه في ملفات وقضايا الأحوال الشخصية والمواليد والوفيات والميراث والملكية والسفر والتنقل وما إلى ذلك.
تعويض الغياب الفلسطيني
إلى ما سبق يمكن اعتبار مكتب الارتباط بمثابة تعويض للغياب الفلسطيني عن مجلس السلام، والخطوة على أهميتها جزئية وصغيرة مع ضرورة مواصلة الضغوط لانضمام عضو فلسطيني يمثل القيادة الرسمية إلى المجلس، حيث لا يمكن تصور وجود مجرم الحرب بنيامين نتنياهو وغياب أي تمثيل للشعب الذي واجه الابادة والقتل والتدمير والاحتلال نفسه بفلسطين.
وفي البعد الإسرائيلي، فتل أبيب غير راضية ولكنها مضطرة، وهي تعي أنه من المستحيل تجاوز حضور السلطة بغزة تماماً، خصوصاً في ظل ضغوط الوسطاء وقناعات ميلادينوف وبلير، ولكنها تسعى لتحجيم الخطوة وهذا الحضور قدر الإمكان، والتركيز على جوهر سياستها قبل الحرب التي تم تحديثها، وتلحظ بقاء الانفصال والانقسام والحفاظ على الواقع الراهن في غزة وبينها وبين الضفة الغربية وبقية فلسطين.
الخطوة صغيرة ولا شك لكنها مهمة جداً، وكما العادة الباقي متعلق بطريقة تصرفنا كفلسطينيين، من الأطراف الثلاثة المعنية سواء قيادة السلطة المطالبة بالتصرف بشكل مسؤول، والتسامي والفهم أنها أدت ما عليها "بأحسن الأحوال" وانتهت إكلينيكيا ولا بد من إفساح المجال أمام ظهور قيادة جديدة شابة، واللجنة الوطنية المطالبة بالتصرف بمسؤولية والعمل بشفافية ونزاهة وأمانة وكفاءة ومهنية لإنجاز الأهداف الموكلة إليها، وهى جسيمة، والسعي الجاد لإنهائها خلال المدى الزمني المحدد وبالحد الأدنى وضع العربة على السكة الصحيحة، وحماس المدعوة كذلك الى استخلاص العبر وإفساح المجال أمام اللجنة للعمل من دون تذاكي أو عراقيل، والاقتناع أن لا أحد يرفض بقاءها في المشهد السياسي والحزبي الفلسطيني، مع ضرورة مغادرة المربع السلطوي والأمني في غزة، والتموضع بالمقابل في المربع المقاوم متعدد المستويات والأساليب بمعناها الواسع وفضائه الرحب.




