يكتنف الغموض حكاية المنازل الفلسطينية الخمسة التي استولى عليها المستوطنون في جبل جالس شرقي مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية بالأيام الأخيرة، وسط تضارب الأنباء بين فرضية تورط أصحابها ببيعها لمصلحة المستوطنين، وبين تسريبها بوسائل الاحتلال التضليلية، إلى جانب رواية عن جلب المستوطنين وثائق مزورة.
ما القصة؟
يسود صمت مطبق من العشائر والعائلات الكبيرة في الخليل، ومعها السلطة الفلسطينية، حيث برروا لـِ "المدن"، عدم التعليق وإصدار موقف حيال الواقعة، بأن الملابسات ما زالت "غير واضحة"، وأنهم يحاولون فهم الحقيقة. علماً، أن المستوطنين استولوا على المنازل مساء الخميس الماضي، بمساعدة عدد كبير من قوات الاحتلال بعد شجار عائلي في المنطقة المتاخمة لمستوطنة "كريات أربع".
وقال رئيس تجمع "شباب ضد الاستيطان" في الخليل عيسى عمرو، لـ"المدن"، إن قوات الاحتلال اقتحمت المنطقة وأخرجت 14 أسرة فلسطينية من المنازل المستهدفة، وأسكنت مكانها عائلات للمستوطنين؛ بحجة شراها، وهو ما ينفيه سكان المنازل وسط إصرارهم على عدم بيعهم شيئاً. وأكد عمرو أنه بالعادة عند تورط أحد ببيع عقار للمستوطنين، فإنه يهرب إلى الخارج؛ لكونه فعلاً خيانياً ومداناً وطنياً واجتماعياً، بينما كان أصحاب المنازل داخلها لحظة اقتحام قوات الاحتلال والمستوطنين، ما يثير تساؤلات بشأن الحيثيات.
وثائق مزورة؟
ووفق إفادة "تجمع شباب ضد الاستيطان" لـ"المدن"، فإن جميع الفرضيات قائمة، بما فيها جلب المستوطنين "وثائق مزورة"، حيث استذكر الناشط عيسى عمرو حادثة مماثلة عام 2001، حينما جلب المستوطنون وثائق مزورة ادعوا من خلالها شراءهم منزلاً تعود ملكيته لعائلة البكري بحي تل الرميدة الخليل، ثم انتزع صاحبها قراراً من محكمة الاحتلال بعد سنوات، يُثبت أن وثائق المستوطنين مزورة، لكنها لم تصدر قراراً بإخراجهم من المنزل، ويواصلون سيطرتهم عليه حتى الآن. وشدد عمرو على وجود أمثلة أخرى لحالة منزل البكري، مؤكداً أن الاحتلال بجيشه ومحاكمه، كلهم بيد المستوطنين المدعومين بقرارات الحكومة اليمينية الإسرائيلية.
13 منزلاً خلال 28 شهراً
وبيّن الناشط ضد الاستيطان عيسى عمرو لـ"المدن"، أنه لأول مرة في تاريخ الاستيطان بالمدينة، يحصل اقتحام كبير بهذا الحجم في يوم واحد بالخليل، للاستيلاء على هذا العدد من المنازل بهذه الصورة والمشهدية.. موضحاً أنه بذلك يكون الاحتلال والمستوطنون قد احتلوا 13 منزلاً في المدينة خلال 28 شهراً، أي منذ 7 تشرين أول/أكتوبر 2023، بينها منزل للجنة إعمار الخليل في منطقة "السوق"، وهذا العدد الأكبر لمنازل يجري الاستيلاء عليها في المدينة خلال فترة زمنية قصيرة منذ عقود، وفق عمرو.
والحالُ أن استيلاء المستوطنين على 5 منازل في حي فلسطيني بالكامل، لا ينفصل عن قرار الكابينت الإسرائيلي قبل نحو أسبوعين، والذي نص على نزع صلاحيات بلدية الخليل في البلدة القديمة ومحيط المسجد الإبراهيمي، وجعلها محصورة بلجنة استيطانية محلية، لمنحها الحرية الكاملة لتخطط وتفعل ما تشاء في المنطقة المصنفة "H2" (إتش تو) بمدينة الخليل، وفق ما أكده الباحث بشؤون الاستيطان خليل التفكجي ل"المدن". وقال تفكجي إنه بعيدا عن "سردية" بيع أو تسريب عقارات من عدمها، فإن هناك قرارا فعليا من الكابينت بمنح السلطة المطلقة للمستوطنين كي يوسعوا الاستيطان في الخليل.
الأهمية الاستراتيجية؟
وبتقريب المجهر من جبل جالس الذي وضع المستوطنون يدهم على 5 مبانٍ فيه، فإن سكان المنطقة وخبراء بشؤون الاستيطان، يؤكدون لـ"المدن"، أنّ الجبل يُعد استراتيجياً، لكونه أعلى نقطة مشرفة على المسجد الإبراهيمي ومناطق مهمة في المدينة، مع الإشارة إلى أن الاحتلال اتخذ منازل في الجبل نقاطاً عسكرية خلال الانتفاضة الثانية، لكشف المنطقة وقصف منازل فلسطينية. وإلى جانب ذلك، ينظر الاحتلال إلى الجبل كحلقة ربط استيطاني، حيث يهدف من الاستيلاء على المنازل الجديدة، إلى وصل مستوطنة "كريات أربع" بمنطقتها الصناعية والبؤرة الاستيطانية "جفعات غال".
وتعني خطوة استيلاء المستوطنين على المنازل الخمسة، أن الحي الفلسطيني كله سيتحول إلى ساحة للتضييق على السكان الفلسطينيين وتصعيد هجمات المستوطنين عليهم، في موازاة العمل على إغلاق المنطقة عسكرياً؛ لمحاولة تفريغ الحي تدريجياً. وهنا، يوضح الباحث بشؤون الاستيطان خليل تفكجي لـ"المدن"، أنّ الاحتلال يستغل مسألة عدم تسوية وتسجيل أراضٍ بمدينة الخليل؛ كي يصنفها لاحقاً كما يشاء، توطئة للسيطرة التامة عليها، مؤكداً أن ما تشهده الخليل والضفة هو "ضم واقعي"، وأن الاحتلال أنشأ "دولة مستعمرات" لها بنية تحتية وشوارع خاصة بها.
أكاذيب إسرائيلية.. لجس نبض العائلات!
وفي موازاة الهجمة الاستيطانية، كثف الاحتلال ترويج ادعاءات خطيرة بشأن الخليل في السنتين الأخيرتين، لمحاولة تنميطها وعزلها عن السياق الوطني، عبر الزعم بوجود عائلات متماهية معه، وأن شخصيات عشائرية مستعدة لتكون بديلاً عن السلطة.. وهو أمر يكذبه تجمّع "شباب ضد الاستيطان"، مؤكداً لـ"المدن" أنّه لا توجد عائلات خليلية منساقة مع الاحتلال، وأن ما يدعيه عن إمكانية تشكيل "إمارة" لعائلات الخليل، بمثابة "خزعبلات". وأضاف التجمع أن الأسماء التي طرحها الاحتلال عبر إعلامه وأجهزته، معظمها لا تسكن الخليل، ولا يوجد لها ثقل عائلي حقيقي. ووصف نشطاءُ ما يروجه الاحتلال عن الخليل، ب"فقاعة" لجس نبض العائلات في خضم فرضه الضم بالمدينة، وأحدثها قرار بضم الحي اليهودي لبلدية المستوطنين.
ويركز الاحتلال على الخليل باعتبارها المحافظة الأكبر في الضفة، سكانًا ومساحةً، ناهيك بأن الاستيطان يقع في قلب المدينة وسط ترويج مزاعم دينية مماثلة للقدس، بموازاة فرض تقسيمات خاصة بها طيلة السنوات الماضية، وهي عوامل مجتمعة تجعل الخليل بعيون الاحتلال، بمثابة "بروفة" لتحقيق الضم الزاحف وفرض مخططات خفيّة لحسم مستقبل السكان الفلسطينيين. بينما دعا نشطاءُ عبر "المدن"، إلى تحرك عربي وإسلامي ووحدة الفلسطينيين، لمواجهة المخطط الإسرائيلي "الأخطر".




