رغم سنوات من سعي إيران لتعزيز شراكاتها العسكرية مع كل من الصين وروسيا، تجد نفسها اليوم شبه وحيدة في مواجهة تصاعد الضغوط الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب، وسط إحجام واضح من موسكو وبكين عن تقديم دعم عسكري مباشر في حال اندلاع مواجهة مع واشنطن، وذلك وفق تقرير موسع نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال".
وأشارت الصحيفة إلى أن روسيا وإيران أجرتا خلال الأسبوع الماضي تدريبات بحرية مشتركة محدودة النطاق في خليج عُمان، وُصفت بأنها استعراض رمزي للقوة لا يقارن بالحشد العسكري الأميركي الضخم المنتشر في المنطقة براً وبحراً.
ووفق الإعلام الرسمي الإيراني، من المقرر إجراء مناورة أخرى قريباً في مضيق هرمز بمشاركة سفن من الصين إلى جانب روسيا وإيران، في رسالة سياسية تعكس التقارب الثلاثي، وإن بقي في حدوده الرمزية.
ترميم القدرات العسكرية
وبحسب التقرير، سعت طهران خلال الأشهر الماضية إلى إعادة بناء مخزونها من الصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي، إضافة إلى قدرات عسكرية أخرى تضررت خلال حرب استمرت 12 يوماً في حزيران/ يونيو الماضي ضد إسرائيل والولايات المتحدة. ويرى محللون أن إيران حاولت الاستعانة بكل من موسكو وبكين في هذا المسعى، إلا أن الاستجابة جاءت محدودة.
ونقلت الصحيفة عن المسؤول السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والباحث في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، داني سيترينوفيتش، قوله إن الصين وروسيا "لن تضحيَا بمصالحهما الخاصة من أجل النظام الإيراني"، مضيفاً أنهما "تأملان ألا يُسقط النظام، لكنهما بالتأكيد لن تواجها الولايات المتحدة عسكرياً".
ولفتت الصحيفة إلى أن بكين تجد نفسها أمام معادلة دقيقة. فهي أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وتمثل سوقاً حيوية تمنع انهيار الاقتصاد الإيراني المثقل بالعقوبات. كما تتشارك مع طهران الرغبة في الحد من النفوذ الأميركي عالمياً.
لكن، بحسب محللين نقلت عنهم الصحيفة، فإن الاصطفاف العلني إلى جانب إيران قد يضر بعلاقة استراتيجية مهمة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي من المقرر أن يزور الصين في آذار/ مارس المقبل للقاء نظيره الصيني شي جينبينغ. كما تخشى بكين أن يؤثر التقارب المفرط مع طهران سلباً على علاقاتها مع دول الخليج.
موسكو: أولوية أوكرانيا
وتبدو حسابات موسكو – بحسب التقرير – أكثر إلحاحاً. إذ إن تجنب استعداء ترامب ودفعه نحو تشديد دعمه لأوكرانيا يمثل أولوية قصوى للكرملين، تتقدم على مسألة دعم طهران عسكرياً.
وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد التقى نظيره الإيراني عباس عراقجي في موسكو أواخر العام الماضي، في إطار تنسيق سياسي متواصل، إلا أن هذا التنسيق لم يترجم إلى التزامات دفاعية صلبة.
وتعود الصحيفة إلى عام 2018، حين دعا المرشد الإيراني علي خامنئي إلى "التوجه شرقاً لا غرباً"، عقب انسحاب ترامب في ولايته الأولى من الاتفاق النووي لعام 2015 الذي تفاوضت عليه إدارة باراك أوباما. آنذاك، رأى الحرس الثوري الإيراني في روسيا مصدراً محتملاً للأسلحة المتقدمة، وفي الصين مصدراً للتكنولوجيا.
غير أن هذه السياسة – وفق التقرير – لم تحقق المكاسب الأمنية التي كانت طهران تطمح إليها. ونقلت الصحيفة عن الخبير في الشأن الإيراني لدى "مجموعة الأزمات الدولية" في بروكسل، علي واعظ، قوله إن الإيرانيين "يشكون من أن الصينيين والروس لا يفعلون ما يكفي"، لكنهم "لا يملكون بدائل أفضل".
خيار الحرب الممتدة مطروح
وتشير "وول ستريت جورنال" إلى أن حجم القوة العسكرية الأميركية المجتمعة في الشرق الأوسط يمنح ترامب خيار تنفيذ حملة جوية ممتدة لأسابيع ضد إيران، بدل الاكتفاء بضربة محدودة كتلك التي نفذتها واشنطن في حزيران/ يونيو الماضي ضد ثلاثة مواقع نووية إيرانية.
وفي المقابل، غادرت حاملة مروحيات روسية شاركت في المناورات الأخيرة المنطقة فور انتهاء التدريبات، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، ما يعكس الطابع المؤقت والرمزي للتحرك الروسي.
ويرصد التقرير قلق القيادة الإيرانية من مصير أنظمة إقليمية سقطت أو كادت تسقط خلال العقود الأخيرة في العراق وأفغانستان وليبيا واليمن وسوريا، إضافة إلى الضربات التي تلقاها حلفاؤها الإقليميون، ولا سيما "حزب الله" و"حماس".
وتنقل الصحيفة أن ترامب يدرس خيار توجيه ضربة عسكرية محدودة أولى لإجبار إيران على الاستجابة لشروطه بشأن اتفاق نووي جديد، من دون الانزلاق إلى هجوم شامل قد يفتح الباب أمام رد إيراني واسع.
وفي حال انهيار النظام الإيراني تحت ضغط هجوم أميركي، يرجح محللان من معهد بروكينغز في واشنطن، رايان هاس وألي ماتياس، أن تسعى بكين إلى ضمان تدفق النفط دون انقطاع، والعمل على بناء نفوذ لدى أي حكومة بديلة، خصوصاً لمنع إعادة تموضعها باتجاه الولايات المتحدة.
وتخلص الصحيفة إلى أن رهان طهران الطويل على "محور شرقي" يوفر مظلة حماية استراتيجية لم يترجم إلى التزام دفاعي فعلي في لحظة الاختبار. فبين حسابات الطاقة والتجارة بالنسبة للصين، وأولوية الحرب في أوكرانيا بالنسبة لروسيا، تبدو إيران – تحت ضغط ترامب – أمام واقع مفاده أن أقرب شركائها غير مستعدين للمخاطرة بمصالحهم الكبرى من أجلها.




