تبدو هافانا وطهران متشابهتين في سؤال إلى أي حد يستطيع نظام محاصر أن يبقى على قيد الحياة؟ غير أن التشابه ينتهي سريعا عند التفاصيل. فطبيعة الاقتصاد، والجغرافيا، ومصادر الطاقة، وبنية أجهزة الأمن، كلها تجعل أزمة كوبا أقرب إلى اختبار قابلية الدولة للحياة اليومية، فيما تبدو أزمة إيران أقرب إلى اختبار قدرة النظام على تحويل المجتمع إلى جبهة داخلية.
هذه المقارنة لا تُفهم من دون استحضار البصمة الأميركية الثقيلة على هندسة الحصار في الحالتين، وإن اختلفت أدواتها وتبريراتها ومساراتها. ففي كوبا، لم يكن الحصار الأميركي مجرد عقوبات متفرقة، بل سياسة متكاملة هدفها إنهاك الاقتصاد وتطويق قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من الحياة اليومية، بحيث تتحول المعاناة الاجتماعية إلى ضغط سياسي داخلي دائم. وفي إيران، اتخذت الضغوط الأميركية صيغة أخرى، عقوبات مالية ونفطية وعزل مصرفي، ثم خنق تدريجي للمنافذ التجارية والتكنولوجية، يتداخل فيه الملف النووي مع منطق الردع الإقليمي، وصولاً إلى لحظة يصبح فيها التهديد باستخدام القوة جزءاً من المعادلة، لا مجرد احتمال بعيد.
وهكذا، لا يبدو حصار الوقود في كوبا حدثا منفصلاً، بل صيغة مكثفة من منطق أميركي أوسع، خنق الشرايين التي تبقي الدولة قابلة للعمل. يستهدف الشريان الأكثر مباشرة الوقود والكهرباء فتصبح الأزمة مرئية في العتمة، وطوابير النقل الطويلة وتعطل الخدمات، في بلد يعتمد على السياحة في اقتصاده. أما في طهران، يستهدف الشريان الأكثر تركيباً عائدات النفط، والقدرة على التحويلات المصرفية، والوصول إلى التكنولوجيا وسلاسل الإمداد، فتتراكم الأزمة ببطء داخل العملة والتضخم والقدرة الصناعية والعسكرية. الأدوات تختلف، لكن الفكرة واحدة، تحويل الاقتصاد من مورد سيادة إلى نقطة اختناق، بحيث يغدو البقاء السياسي رهينة لقدرة النظامين على إدارة الازمة، لا لقدرة المجتمع على الازدهار.
كوبا حين تصبح الطاقة مرادفاً للشرعية
أشد ما يضغط على كوبا اليوم، ليس مجرد العقوبات التقليدية، بل ما تصفه تقارير متعددة بأنه تشديد أميركي يطاول شحنات الوقود إلى الجزيرة عبر التهديد بفرض غرمات على الدول أو الشركات التي تزودها بالنفط. ففي 29 كانون الثاني/يناير 2026، صدر أمر تنفيذي أميركي يجيز فرض تعريفات وإجراءات عقابية على واردات النفط المتجهة إلى كوبا، وهو ما دفع خبراء أمميين إلى إدانته بوصفه حصاراً للوقود يفاقم أزمة إنسانية.
النتيجة الملموسة تُقاس بالساعات، انقطاعات كهرباء تصل إلى 20 ساعة يومياً في مناطق من البلاد، بالإضافة الى انهيارات جزئية في الشبكة نهاية 2025، واستمرار العجز البنيوي في التوليد. ومع مطلع شباط/فبراير 2026، تحدثت تقارير صحافية عن تأثيرات تمتد من النقل إلى جمع القمامة والخدمات العامة والطيران، في سياق تقنين وقود واسع.
وهنا تتبدّى نقطة هشاشة كوبا الكبرى، الاقتصاد اليومي يعتمد على تدفقات طاقة لا تستطيع الجزيرة تعويضها سريعاً، بينما شبكتها الكهربائية وبنيتها التحتية متهالكة. تراهن الحكومة الكوبية على تسريع الانتقال إلى الطاقة المتجددة، بمشاركة صينية، لكن هذا مسار يحتاج سنوات وأموالاً ضخمة لا تتوافر بسهولة تحت الضغط المالي الحالي.
وعندما تصبح الكهرباء سلعة نادرة، تتحول الشرعية السياسية إلى سؤال معيشي، هل تستطيع الدولة ضمان المياه والنقل والخبز؟ لذلك تبدو قدرة النظام على الصمود في كوبا مرتبطة أكثر من أي وقت بمعادلة الحصول على النفط لا بالشعارات ولا حتى بصلابة الأجهزة الامنية. الثابت والمؤكد هو اتساع نطاق الانقطاعات الكهربائية وحدّتها، وتحول أزمة الوقود إلى محرك مركزي للشلل الاقتصادي.
تحصين الخارج.. وقسوة الداخل
في المقابل، تبدو إيران أقل التصاقاً بمسألة الوقود وأكثر التصاقاً بمسألة كيف يُدار مجتمع تحت ضغط مزدوج، تهديد عسكري خارجي واضطراب داخلي. فبعد الحرب، بين إسرائيل وإيران، دخلت طهران طور إعادة بناء عسكري يقوم على التحصين وإعادة التموضع.
داخلياً، تُسنَد هذه المقاربة العسكرية بعقيدة أمنية أشد قسوة. ففي كانون الثاني/يناير 2026، سجل الريال الإيراني مستويات متدهورة بالتزامن مع تضخم سنوي قارب الـ60%، بينما فُرضت قيود شديدة على الإنترنت منذ 8 كانون الثاني/يناير، وسط احتجاجات واتساع القمع. وفي شباط/فبراير 2026، عادت موجات احتجاج شعبية جديدة، فيما تحدثت مصادر اعلامية عن تضييق معلوماتي واستمرار الرد الأمني الدموي.
اختلاف نقطة الانهيار
يظهر الفارق في كوبا، فهي قد تصل إلى نقطة انهيار خدماتي قبل أن تصل إلى نقطة انهيار سياسي، لأن الاقتصاد الكهربائي والنفطي هو عصب الحياة اليومية. أما إيران، فتمتلك موارد طبيعية أكبر ومساحة أوسع للمناورة، وجهازاً أمنياً أشد تماسكاً، وقدرة على تحويل الأولويات من رفاه الناس إلى بقاء النظام، حتى لو دفع المجتمع ثمناً فادحاً.
لذلك، إذا كان عام 2026 مرشحاً لأن يدفع كوبا نحو تحول سياسي أو تسويات تفرضها ضرورة إنقاذ الدولة من الشلل، فإن إيران تبدو مرشحة أكثر لسيناريو جمود، تحصين المنشآت، تشديد القبضة وإدارة اقتصاد متقشف تحت اسم الصمود إلى أن تأتي لحظة داخلية كبرى، أو تدخل خارجي عسكري حاسم، يعيد رسم قواعد اللعبة.




