خروج الأمير حسن الأطرش من السويداء ليس خبراً عادياً

ناصر زيدانالسبت 2026/02/21
Image-1771611973
حجم الخط
مشاركة عبر

خرج زعيم دار عرى الأمير حسن الأطرش من محافظة السويداء السورية الى دمشق عبر مدينة درعا، وجرت العملية سراً بتنسيق بين أجهزة الأمن الحكومية السورية وبعض المتعاونين، ليل 18 شباط/فبراير، وذلك بعد أن وصلت للأطرش معلومات مؤكدة عن مخطط لإستهدافه جسدياً، وسيشمل الاستهداف شخصيات أخرى كما قالوا، منهم القائد السابق لحركة رجال الكرامة الشيخ يحيى الحجار الذي تمَّ اختطافه بالفعل، لكن رجال الحركة أعادوا تحريره، بالرغم من أن الرجلين نأيا بنفسيهما عن كل ما جرى خلال الأشهر الماضية.

 

المُطلعون على تفاصيل التركيبة الاجتماعية والسياسية في جبل العرب؛ يعرفون أن استهداف الأطرش، وكذلك الحجار، يعني أن هناك مَن يُعِدّ لمشروع فتنة داخلية في الجبل، والجهة المستفيدة من الفتنة هم الجماعات التي تعادي حكومة دمشق، وتتلقى دعم من "العدو الإسرائيلي"، لأن الأول له رمزيته المرجعية التاريخية، ولو كان ليس لديه عزوة عسكرية منظمة، أو فصائل مقاتلة، والثاني الذي انكفأ الى مزرعته في شنيرة بُعيدَ وقوع مجزرة تموز/يوليو الماضي؛ لديه تأثير معنوي كبير على حركة رجال الكرامة التي دافعت عن الجبل ضد عصابات النظام السابق التي اغتالت مؤسس الحركة الشيخ وحيد البلعوس عام 2015، والحركة حررت مُختطفين من أبناء الجبل، وواجهت إرهابيي "داعش" الذين غزو قرى في شرق السويداء، وقتلوا أكثر من 250 مواطناً درزياً عام 2018.

 

من الواضح أن الفصائل التي يقودها الشيخ حكمت الهجري وصلت الى حائط مسدود، بعد التطورات الأخيرة التي حصلت في شمال شرق سوريا، وبعد الاعتراضات المحلية الواسعة التي رفضت إجراءات "الحرس الوطني" الذي أقفل طرُق التواصل مع دمشق، وحوَّل المحافظة التي تقطنها أغلبية من الموحدين المسلمين الدروز الى ما يُشبه السجن. حتى أن بعضهم يتحدث عن مشاركة عناصر "مدسوسة" أو مدفوعة من الخارج، قد تكون ساهمت في القيام بعمليات الاغتيال التي حصلت، بما في ذلك الجريمة الأخيرة التي استهدفت 4 شبان مُسالمين في قرية المتونة جنوبي المحافظة قبل أسبوعين، وهدف هذه العناصر تأجيج التوتر.

 

الحكومة السورية احتضنت حسن الأطرش، وهي أعلنت بلسان مدير الأمن الداخلي في السويداء الشيخ سليمان عبد الباقي؛ أنها لن تدخل الى السويداء الا لحماية أبنائها، ومساعدتهم وليس لكسرهم، أو إذلالهم. لكن الوقائع تؤكد أن أغلبية ساحقة من أبناء المحافظة لا تثق بالحكومة، لأنها لم تحاسب المجرمين الذين ساهموا في ارتكاب فضائع تموز/يوليو الماضي، ولأنها تعتمد نظاماً مُتشدداً، يُقيِّد الحريات العامة، ولا يحترم الخصوصيات العقائدية والدينية، وهي توفِّر للمتشددين حماية لارتكاب المعاصي وإهانة الناس وفرض أنماط غير مقبولة، منها منع الاحتفالات والأعراس، ومنها إجراءات تستهدف حق النساء بالمساواة مع الرجال في العمل والتنقل وتمنعهم من وضع أدوات التجميل، وفرض وصاية شرعية على المحاكم المدنية والعسكرية بعيدة عن تقاليد السوريين (كما يقولون).

 

بطبيعة الحال؛ فإن المطالب الإصلاحية – لا سيما منها احترام المواطَنة والحريات العامة – محقَّة، لكن استغلال هذه الشعارات للانقضاض على الوحدة الوطنية السورية غير مقبول على الإطلاق من معظم السوريين، خصوصاً لأن إسرائيل تعمل بكل قوة لتفتيت سوريا، وهي تقدِّم مساعدات كبيرة للمتعاونين معها، وتعِدهم بالحماية إذا ما أقدموا على طلب الانسلاخ عن الحكومة المركزية بدمشق، وفي السويداء "الدرزية" على وجه التحديد. 

ولإسرائيل أهداف جيو-سياسية، كونها تطمح من خلال رعاية حالة انفصالية الى فرض رقابة – أو حضور – في الجنوب السوري الذي يعبُر من خلاله "ممر الشرق الأوسط" من الخليج العربي الى تركيا، ولاحقاً من الهند وجنوب شرق آسيا الى أوروبا، وبجانب الطريق الترابي وسكَّة الحديد (خط الحجاز للعام 1908) ستقام خطوط جديدة، وأنابيب لنقل النفط والغاز، وقد وقَّعت المملكة العربية السعودية مع الحكومة السورية اتفاقية في 7 من الشهر الجاري، تتضمَّن إنشاء كابل ألياف ضوئية يوفّر سرعة إضافية للانترنت، ويصل من أوروبا إلى دول الخليج وجنوب آسيا، وقد يكون بديلاً عن خطوط الألياف التي تعبر البحر الأحمر.

 

وجود الأمير حسن الأطرش في دمشق سيساعد على بلورة تفاهمات جديدة، لن تكون في صالح القوى الانفصالية في السويداء، والأطرش أكد بعد خروجه على التمسُّك بنهج عائلته العربي والوحدوي، لا سيما بتراث قريبه سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى للعام 1925، والذي ينتمي لجناح العائلة الآخر في بلدة القريّة. ومهما حاول مناصرو الانفصال، أو المرتبطين بإسرائيل التقليل من أهمية ما حصل؛ فإن كلام الأمير حسن سيوفِّر غطاءً مهماً للحراك الواقعي الذي يهدف الى تطبيق خارطة الطريق التي تمَّ الاتفاق عليها بين الأميركيين والأردنيين والحكومة السورية في أيلول/سبتمبر 2025، ومن أهم بنودها: محاكمة المشاركين في قتل الأبرياء الصيف الماضي، وإعادة تأهيل المنازل المحترقة والتعويض عن الخسائر والضحايا.

المخاوف قائمة من إسرائيل التي تعمل بكل قوة لتوليف فتنة جديدة بين الدروز، لتستخدمها غطاءً للدخول مباشرةً الى السويداء. وتكليف الضابط غسان عليان بالتواصل ومتابعة الملف؛ ينمُّ عن خبثٍ واضح، وقد يخفي نوايا شرانية تستهدف زعزعة استقرار سوريا وربما لبنان.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث