كشفت شبكة "سي إن إن" عن مشاهد حداد ثقيل يخيّم على العاصمة الإيرانية، بعد أسابيع من حملة أمنية دامية قُتل خلالها آلاف الأشخاص في احتجاجات كانون الثاني/يناير ضد الحكومة.
ويتحول مساء كل خميس إلى طقس جماعي لزيارة القبور في " بهشت زهراء" أحد أكبر مقابر طهران، إلا أن المشهد هذا العام اكتسب دلالة مختلفة. ونقلت الشبكة عن إحدى النساء قولها "لم أرَ المقبرة مزدحمة بهذا الشكل في حياتي".
وتحتضن المقبرة اليوم جثامين محتجين سقطوا خلال احتجاجات كانون الثاني/يناير، التي تُعدّ أحدث موجة اضطرابات تضرب الشارع الإيراني، إلى جانب رفات "شهداء" الحروب السابقة. وفي بقعة صغيرة، دُفن عدد من عناصر الأمن الذين قُتلوا خلال التظاهرات، بالقرب من قبور جنود إيرانيين قضوا في قصف إسرائيلي العام الماضي.
وتتوزع النساء بلباس الشادور الأسود حول القبور، فيما تغطي الزهور والبتلات شواهد مستطيلة تنتظر ألواحها الحجرية الدائمة. وعلى بعض القبور، تبرز صور شبان وشابات بملامح باسمة، تطل على صفوف متراصة من الشواهد الرمادية الممتدة على مد البصر.
لدينا الكثير لنقوله
وتوزع بعض العائلات صواني الحلوى والشاي على الزوار. حول قبر أحد الشبان، جلست والدته وجدته تبكيان بصمت، فيما قال أحد أقاربه للشبكة إن العائلة بحثت أربع ساعات عن جثمانه في مشرحة كهريزاك، حيث نُقلت جثامين العديد من ضحايا الاحتجاجات.
وطلبت العائلة من فريق "سي إن إن" عدم تصوير التجمع، خوفاً من ملاحقة السلطات حتى بعد الموت. وعلى بعد أمتار، حاول صديق شاب آخر أن يعبّر عن غضبه قائلاً: "لدينا الكثير لنقوله"، قبل أن يتدخل والده سريعاً، هامساً له بالصمت، في مشهد يعكس حالة القلق التي تلازم عائلات الضحايا.
وأشارت الشبكة إلى أنها حصلت على إذن حكومي لدخول البلاد بهدف الحصول على "صورة محدودة" بحسب وصفها، لما يجري على الأرض، في ظل القيود المفروضة على التغطية الإعلامية.
من المقبرة إلى البازار
خارج أجواء الحداد، وفي محيط البازار الكبير في طهران، بدا السكان أكثر استعداداً للكلام. فالبازار، الذي شكل نقطة انطلاق الاحتجاجات الأخيرة، يعاني من تداعيات أزمة اقتصادية خانقة وتضخم مفرط.
وقالت شابة عرفت نفسها باسم "ساغر" للشبكة إن الإيرانيين أمام خيارين: "إما النزول إلى الشارع والموت برصاص السلاح، أو البقاء في المنزل والموت جوعاً". وأضافت أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نشر في أوائل كانون الأول/يناير منشورات وعد فيها بدعم المحتجين ضد الحكومة الإيرانية، معتبرة أن "كل الشباب نزلوا إلى الشوارع اعتماداً على كلماته".
من جهتها، قالت هاديس، وهي صاحبة متجر، إن الثقة بالحكومة تآكلت بعد ما جرى في كانون الثاني/ يناير. وأضافت: "هناك شعور باليأس بين الناس… سلكنا هذا الطريق عدة مرات، وأعتقد أن هذه ستكون النهاية".
تضخم جنوني وتقلبات يومية
وبحسب هاديس، توقف العديد من التجار عن قبول الشيكات التجارية، في ظل تقلبات حادة في سعر صرف العملة الإيرانية مقابل الدولار، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية. وأشارت إلى أن الأسعار ارتفعت في يوم واحد بنسبة تراوحت بين 20 و30% مقارنة باليوم السابق، ما حال دون شرائها أي بضاعة لمتجرها المتخصص في الإكسسوارات.
أما ساغر، فقالت إن "أسعار الدولار والذهب ترتفع يومياً، والتضخم جنوني"، موضحة أن سعر سلعة قد يبلغ اليوم 100 ألف تومان "نحو 0.77 دولار"، وقد يتضاعف إلى 200 ألف تومان في اليوم التالي.
ويخلص تقرير "سي إن إن" إلى أن مشاهد الحزن الصامت في المقابر، والغضب المكبوت في الأسواق، يعكسان واقعاً إيرانياً مأزوماً، حيث تتقاطع الخسارة الإنسانية مع الانهيار الاقتصادي، في ظل خوفٍ من الكلام ويأسٍ يتنامى بين شرائح واسعة من المجتمع.




