تمثل وحدة "منسق أعمال الحكومة في المناطق" (COGAT) أحد أكثر التعبيرات المؤسسية تعقيداً عن الاحتلال الإسرائيلي طويل الأمد للأراضي الفلسطينية، إذ تقوم بدور حلقة الوصل بين المستويات العسكرية والسياسية والإدارية في إدارة شؤون السكان الفلسطينيين. تأسست هذه الوحدة في أعقاب حرب عام 1967 بوصفها آلية "مؤقتة" لتنظيم الحياة المدنية تحت الاحتلال، غير أنها تطورت تدريجياً لتتحول إلى سلطة شبه سيادية تتحكم في مختلف مناحي الحياة الفلسطينية. ومع تعيين يورام هاليفي رئيساً للوحدة في أيلول/ سبتمبر 2025، وبالتزامن مع ما يمكن تسميته بـِ "الانقلاب الإداري لسموتريتش"، تدخل COGAT مرحلة جديدة تتجاوز الدور الإداري التقني نحو ممارسة شكل من "السيادة العملية" التي تذيب الحدود بين الاحتلال والضم. من هذا المنطلق، لا يمكن فهم COGAT اليوم بوصفها جهازاً إدارياً محايداً، بل باعتبارها منظومة "بيوسياسية" (Biopolitical) تهدف إلى إعادة تشكيل الوجود الفلسطيني ذاته، عبر تحويل الحقوق الأساسية إلى أدوات للضبط والسيطرة والمساومة السياسية.
مأسسة "حالة الاستثناء"
يمكن قراءة التحول الهيكلي الذي قاده بتسلئيل سموتريتش بشأن الاستيطان من منظور الفيلسوف الإيطالي "جورجيو أغامبين" حول "حالة الاستثناء". وفقاً لأغامبين، تتجلى السيادة في القدرة على تعليق القانون لخلق ما يسميه "منطقة رمادية"، حيث يصبح "الاستثناء هو القاعدة" ويتلاشى التمييز بين ما هو قانوني وما هو مستثنى منه. وهذا بالضبط ما فعله سموتريتش عبر تأسيس "مديرية الاستيطان" المدنية ضمن هيكل عسكري، إذ جرى نزع الصلاحيات المدنية من القائد العسكري للمنطقة الوسطى ونقلها إلى إدارة سياسية أيديولوجية تخضع مباشرة لإشرافه، ولم يكتفِ هذا التقسيم بتحويل هيكل السلطة، بل أزال ما يمكن تسميته بـ"غلاف المؤقتية" عن الاحتلال؛ إذ بينما يظل الفلسطينيون خاضعين لقوانين الطوارئ العسكرية، يتمتع المستوطنون بحقوق مدنية كاملة، ليترسخ بذلك نظامان قانونيان متوازيان على نفس الأرض، يمثلان مشهداً صارخاً من التفاوت المؤسسي والقانوني.
لقد مكّنت هذه "الثورة الإدارية" سموتريتش من تسريع وتيرة الضم الفعلي بشكل غير مسبوق؛ ففي عام 2024 وحده، تمت مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي تحت مسمى "أراضي دولة"، أي ما يعادل نصف ما جرى مصادرته خلال ثلاثة عقود كاملة من الاحتلال، مما يعكس تحولاً استراتيجياً في إدارة الأرض والسيطرة عليها. ومع حلول أواخر عام 2025، برز مشروع "يهودا غارد" (Yehuda Guard) كأداة هندسية منهجية لقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني، حيث توفر وحدة COGAT الغطاء البيروقراطي لشرعنة البؤر الاستيطانية التي كانت تُعتبر "غير قانونية" حتى بموجب القانون الإسرائيلي ذاته. هنا، تتحول الوحدة من مجرد "منسق" إداري إلى "مهندس سيادي" يطبق رؤية سموتريتش القائمة على الحد الأقصى من الأرض مع الحد الأدنى من السكان، محولاً الأراضي المحتلة إلى معازل جغرافية متصلة ببنية تحتية استيطانية مهيمنة، تُرسخ السيطرة وتحجب أي إمكانية للتواصل المكاني الفلسطيني.
في هذا النموذج الإداري المعقد، يُفرغ مفهوم "القانون الدولي" من محتواه، إذ تشرعن الوحدة الاستيلاء على الموارد الطبيعية والمناطق الاستراتيجية تحت مسمى "الأمن" أو "احتياجات الاستيطان"، بما يحول القانون إلى أداة للسيطرة السياسية. إنها الحالة التي يصفها أغامبين بـ"الإنسان المستباح"، حيث يُجرد الفلسطيني من حمايته القانونية ويصبح وجوده رهناً بقرار إداري يمكن تعليقه أو تعديله في أي لحظة، بينما تُسخر كل موارد الدولة لتعزيز الوجود الاستيطاني، وجعله حقيقة ملموسة، متينة وغير قابلة للتراجع. بهذا الشكل، تتحول الحياة اليومية للفلسطينيين إلى مسرح دائم للسيطرة والضبط، فيما يصبح الاحتلال أكثر ثباتاً واستدامة من أي وقت مضى.
"السياسة الحيوية" ونظام التصاريح كأداة خنق
يبرز نظام التصاريح الذي تديره وحدة "COGAT" كأوضح مثال على ما أسماه الفيلسوف "ميشيل فوكو" بـ"السياسة الحيوية"، أي قدرة السلطة على إدارة وتنظيم "الحياة البيولوجية" للسكان كأداة مباشرة للسيطرة والهيمنة، إذ تتحكم الوحدة في أدق تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين: من يحق له العلاج الطبي، ومن يستطيع السفر للدراسة أو العمل، وحتى مقدار الغذاء أو عدد السعرات الحرارية المسموح بها لدخول قطاع غزة. إنها منظومة تحوّل الحق الإنساني الأساسي والفطري إلى "منحة" تمنحها إسرائيل كوسيلة مكافأة أو تسحبها كوسيلة عقاب، لتخلق بذلك حالة من التبعية المطلقة والمراقبة الشاملة لكل تحركات الفلسطينيين.
تتسم هذه المنظومة بطبيعة "كافكاوية" (نسبة إلى كافكا)، إذ يجد الفلسطيني نفسه أمام بيروقراطية غامضة، وقواعد غير متوقعة، ومعايير أمنية سرية لا تُعلن إلا بعد ضغوط قانونية هائلة. وفقاً لتقارير منظمات حقوقية مثل "جيشا" و"بتسيلم"، فإن نظام التصاريح لا يمثل مجرد إجراء إداري تقني، بل "نظام مراقبة بيومتري" يهدف إلى تطويع السلوك الفلسطيني عبر الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. في الضفة الغربية، تستخدم الوحدة سيطرتها على المنطقة (ج) لمنع أي تطور عمراني فلسطيني، بينما تمنح المستوطنات تسهيلات كاملة وغير محدودة، وهو ما وصفه المعماري "إيال وايزمان" في كتابه "أرض جوفاء" بـ"بنية الاحتلال التحتية"، أي شبكة من السيطرة المكانية والاستراتيجية التي تُستخدم كسلاح فعال لإدامة الهيمنة.
اقتصادياً، تمارس "COGAT" ما يمكن تسميته بـ"الخنق المالي"، عبر التحكم الكامل في أموال المقاصة، التي بلغت الاقتطاعات الإسرائيلية منها حوالي 44% من الإيرادات الفلسطينية في عام 2024، مما أدى إلى انهيار القدرة الشرائية وتفاقم فجوة الفقر بشكل كبير. يمتد هذا التحكم أيضاً إلى البنية التحتية الحيوية، حيث يعتمد الفلسطينيون بالكامل على شركات إسرائيلية لإمدادات المياه والكهرباء والاتصالات، وهو ارتباط تقني تبقيه الوحدة مستمراً لمنع أي استقلال مؤسسي أو اقتصادي. ومع حلول عام 2025، أدّى منع العمال الفلسطينيين من دخول إسرائيل إلى مضاعفة معدلات البطالة، ما جعل الاقتصاد الفلسطيني يعيش حالة من التدهور المتعمد، يعيد البلاد عقوداً إلى الوراء ويعكس قوة النظام الاحتلالي في تحويل الحياة اليومية إلى أداة للسيطرة والضبط الاستراتيجي.
من "السياسة الحيوية" إلى "سياسة الموت"
مع تعيين يورام هاليفي، الضابط السابق في وحدات النخبة الشرطية، رئيساً لوحدة "COGAT"، ينتقل الاحتلال إلى ما يسميه الفيلسوف "أشيل مبيمبي" بـ"سياسات الموت"، أي ممارسة السيادة من خلال القدرة على خلق "عوالم الموت" التي تُجرد السكان من أمان الحياة الطبيعية وتجعلهم في منزلة "الأحياء الأموات". يمثل هذا التعيين، بخلفية هاليفي في مكافحة الإرهاب والسيطرة على الحشود في القدس، تطبيقاً مقصوداً لما يمكن وصفه بـ"النموذج الشرطي"، حيث يُعامل الفلسطينيون كـ"سكان محليين" تحت الضبط المستمر لا كعدو عسكري، وهو ما يمهد لفرض "إدارة عسكرية" دائمة وموثقة في قطاع غزة.
في غزة، تجلى هذا التحول على نحوٍ واضح عبر "آلية إعادة الإعمار"، التي تحولت من مجرد أداة إغاثة إلى منظومة مراقبة خانقة، وعبر "مؤسسة غزة الإنسانية"، التي أُنشئت كبديل عن الأونروا بهدف تفكيك قضية اللاجئين وتحويلها إلى أداة للضبط السياسي. وبحلول العام 2025، وصل الناتج المحلي للفرد في غزة إلى مستويات كارثية تبلغ 161 دولاراً سنوياً، وهو مؤشر صريح على استراتيجية الوحدة في إدارة "الندرة المصطنعة" و"سلاح الجوع" كوسائل سياسية منظمة. إن فشل الوحدة في مزامنة المساعدات الإنسانية مع العمليات العسكرية جعل القطاع أشبه بـ"مختبر تجريبي" لتقنيات سيطرة جديدة، حيث تُدار الحياة اليومية تحت تهديد دائم بالإفناء أو التهجير القسري.
كما أثار تعيين ضابط شرطة برتبة "لواء" في هيئة الأركان العامة نقاشاً معمقاً، إذ يخشى قادة عسكريون أن يؤدي ذلك إلى تآكل عقيدة "الحسم العسكري" لصالح عقيدة "الاحتواء البوليسي" المستدام، وهو تحول في طريقة ممارسة السلطة العسكرية. ومع ذلك، من منظور سياسي واستراتيجي، يمثل هاليفي الأداة المثالية لتنفيذ ما يمكن تسميته بـ"السيادة العملية"، إذ يجمع بين خبرة طويلة في قمع الاحتجاجات وإدارة المستوطنات، ليصبح القناة التنفيذية لرؤية كل من سموتريتش ونتنياهو وبن غفير في تصفية القضية الفلسطينية إدارياً وأمنياً. هذا التحول يعني أن الاحتلال لم يعد يهدف فقط إلى ضبط السكان، بل يسعى لتدمير البنية التحتية للحياة السياسية والاجتماعية الفلسطينية، محولاً الأرض إلى فضاء مراقب تكنولوجيا ومعزول إدارياً.
نهايةً، تعد وحدة "COGAT" اليوم الركيزة الأساسية لنظام إداري وقانوني مزدوج يرسخ الاحتلال كحالة دائمة وشاملة. ما تمارسه الوحدة هو، كما تقول "حنة أرندت"، "ابتذال للشر أو تفاهته"، إذ تراكمت آلاف القرارات البيروقراطية اليومية لتشكل نظام "أبارتهايد" متطور، يضمن بقاء الهيمنة بلا مقاومة فاعلة. فاستمرار هذا المسار في عام 2026 وما بعده يعني تصفية أي أفق للسيادة الفلسطينية، ويضع المجتمع الدولي، والفلسطينيين، أمام حقيقة واحدة صارخة، وهي، أن مواجهة الاحتلال تبدأ بتفكيك الهيكل الإداري والقانوني الذي تمثله وحدة "COGAT"، التي حوّلت السيطرة على حياة الملايين إلى مجرد إجراء إداري روتيني وموثق.




