كشفت وثائق مرفوعة إلى الكونغرس الأميركي، وتقارير صادرة عن خبراء رقابة التسلح، أن اتفاقاً نووياً مدنياً مقترحاً بين الولايات المتحدة والسعودية قد يفتح الباب أمام حصول الرياض على قدرات تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، في خطوة تثير مخاوف واسعة بشأن الانتشار النووي في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران.
وبحسب ما أوردت وكالتا "أسوشييتد برس" و"رويترز"، فإن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أبلغت الكونغرس أنها تمضي في التفاوض على اتفاق تعاون نووي مدني مع السعودية، يُعرف بـ"اتفاقية 123"، من دون تضمين الضوابط الصارمة التي طالبت بها إدارات أميركية متعاقبة لضمان عدم تطوير المملكة سلاحاً نووياً.
تخصيب محتمل وضمانات
وتشير الوثائق إلى أن مسودة الاتفاق تتضمن ترتيبات لضمانات وتدابير تحقق إضافية في "المجالات الأكثر حساسية" من التعاون النووي المحتمل، بما في ذلك التخصيب وإعادة معالجة الوقود النووي المستهلك، وهما مساران يمكن أن يشكلا مدخلاً تقنياً لتطوير سلاح نووي.
وكتبت كيلسي دافنبورت، مديرة سياسة عدم الانتشار في "رابطة الحد من الأسلحة"، أن التقرير المرسل إلى الكونغرس "يثير مخاوف من أن إدارة ترامب لم تدرس بعناية مخاطر الانتشار التي يشكلها اتفاق التعاون النووي المقترح مع السعودية أو السابقة التي قد يرسيها".
وبالرغم من أن الاتفاق المقترح ينصّ على إبرام ترتيبات رقابية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بما يشمل الإشراف على الأنشطة الحساسة، فإن خبراء يحذرون من أن مجرد امتلاك أجهزة طرد مركزي عاملة داخل السعودية، قد يفتح مساراً نظرياً نحو عسكرة البرنامج مستقبلاً، حتى لو وُضعت قيود فنية.
وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنها تحافظ على تواصل منتظم مع الطرفين، وأنها قادرة على تطبيق إجراءات تحقق في إطار اتفاقات التعاون الثنائية إذا طُلب منها ذلك.
"البروتوكول الإضافي"
وتؤكد جماعات الرقابة على التسلح وعدد من المشرعين الديمقراطيين والجمهوريين أن أي اتفاق يجب أن يشمل التزاماً سعودياً بـ"البروتوكول الإضافي" للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يمنح المفتشين صلاحيات أوسع، بما في ذلك إجراء زيارات مفاجئة لمواقع غير معلنة.
وكان وزير الخارجية الحالي ماركو روبيو، من بين الأصوات التي شددت على ضرورة تضمين مثل هذه الضوابط، عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ. غير أن التقرير الذي أرسلته الإدارة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، جاء، وفق رابطة الحد من الأسلحة، في إطار الإخطار المطلوب عندما لا تسعى الإدارة إلى فرض "البروتوكول الإضافي".
سباق تسلح إقليمي؟
يأتي التحرك الأميركي في وقت تتصاعد فيه التوترات مع إيران، إذ يلوح ترامب بعمل عسكري إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن برنامج طهران النووي. وكانت إيران قد رفعت مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 60%، وهو مستوى قريب تقنياً من درجة الاستخدام العسكري البالغة 90%، ما جعلها الدولة الوحيدة التي تخصب إلى هذا الحد من دون امتلاك سلاح نووي معلن.
في المقابل، كرر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مقابلة عام 2023، أنه إذا حصلت إيران على قنبلة نووية "فسنضطر للحصول على واحدة"، معتبراً أن ذلك سيكون ضرورياً لأسباب أمنية وتوازن القوى في الشرق الأوسط.
وتتزايد المخاوف من سباق تسلح نووي إقليمي، خصوصاً بعد توقيع السعودية وباكستان اتفاق دفاع مشترك عام 2025، في أعقاب هجوم إسرائيلي استهدف مسؤولين من حركة "حماس" في قطر. وصرّح وزير الدفاع الباكستاني آنذاك، بأن البرنامج النووي لبلاده "سيكون متاحاً" للسعودية إذا اقتضت الحاجة، في إشارة فُهمت على أنها رسالة ردع لإسرائيل، التي يُعتقد على نطاق واسع أنها الدولة الوحيدة المسلحة نووياً في المنطقة.
مقارنة بالنموذج الإماراتي
ويشير خبراء إلى أن دولة الإمارات، الجارة للسعودية، وقّعت "اتفاقية 123" مع واشنطن لبناء محطة "براكة" للطاقة النووية بمساعدة كوريا الجنوبية، لكنها تعهدت بعدم السعي إلى تخصيب اليورانيوم، وهو ما اعتُبر "المعيار الذهبي" لاتفاقات الطاقة النووية المدنية.
أما الاتفاق المقترح مع الرياض، فيبدو – بحسب الوثائق – أقل تقييداً في ما يتعلق بالتخصيب، ما قد يشكل سابقة لدول أخرى تطالب بحقوق مماثلة.
وبموجب القانون الأميركي، يتعين على الإدارة إحالة "اتفاقية 123" إلى الكونغرس، الذي يملك مهلة 90 يوماً لمراجعتها. وإذا لم يعتمد كل من مجلسي الشيوخ والنواب قرارين برفض الاتفاق خلال هذه المهلة، فإنه يدخل حيّز التنفيذ تلقائياً.
وأشارت رابطة الحد من الأسلحة إلى أن الإدارة قد تحيل الاتفاق رسمياً في 22 شباط/فبراير، ما يفتح مرحلة حاسمة من التدقيق السياسي والقانوني في واشنطن، وسط نقاش أوسع بشأن مستقبل نظام عدم الانتشار النووي عالمياً، في ظل انتهاء آخر معاهدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا هذا الشهر، وتوسيع الصين لترسانتها النووية.




