تتجه الأنظار إلى واشنطن مع انعقاد الاجتماع الأول لـِ "مجلس السلام"، الإطار الذي صاغته الإدارة الأميركية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة والمقرر في 19 شباط/فبراير 2026. يأتي الاجتماع في لحظة تتقاطع فيها مسارات تثبيت وقف إطلاق النار، وجهود إعادة الإعمار، واستمرار العمليات الإسرائيلية في استهداف القطاع. يكتسب اللقاء طابعاً تأسيسياً بوصفه نقطة الانطلاق العملية للهيئة الانتقالية التي يُفترض أن تقود المرحلة المقبلة في غزة، مع السعي إلى حشد الدعم المالي والتمويل الدولي لإطلاق برامج إعادة الإعمار.
تشير المؤشرات الأولية إلى حضور دولي وإقليمي محدود حتى الآن. فقد توجه رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إلى واشنطن للمشاركة. كما أعلنت تركيا وفيتنام المشاركة، وكذلك أكدت بروكسل حضور مفوضة أوروبية بالرغم من عدم انضمام الاتحاد الأوروبي رسمياً إلى الهيئة. يعكس هذا الحضور مسعى أميركياً لتقديم المجلس بوصفه إطاراً متعدد الأطراف وإضفاء شرعية دولية مبكرة على المشروع قبل بدء تطبيقه ميدانياً.
مجلس السلام ... الهيكل والصلاحيات
في 15 كانون الثاني/ يناير 2025 أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأسيس المجلس ضمن رؤيته لإنهاء الحرب في قطاع غزة، قبل أن يعتمد مجلس الأمن هذه الرؤية في قراره رقم 2803 الصادر في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025. أرسى القرار الأساس القانوني لإنشاء الهيئة الانتقالية ومنحها تفويضاً يمتد حتى 31 كانون الأول 2027 مع إمكانية التمديد بقرار جديد من مجلس الأمن.
استندت الرؤية إلى إنشاء مجلس كهيئة انتقالية دولية تتمتع بشخصية قانونية مستقلة مع حصر عمله في قطاع غزة حالياً دون التطرق إلى الضفة الغربية أو القدس أو ملفات الحل النهائي. يمنح القرار المجلس صلاحيات واسعة تشمل المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعله المرجعية العليا لإدارة المرحلة الانتقالية.
في المجال السياسي والإداري، يضع المجلس الإطار العام للحكم الانتقالي في قطاع غزة، ويشرف على لجنة فلسطينية تكنوقراطية تتولى إدارة الخدمات المدنية والمؤسسات الحكومية بعد الحرب بدلاً من حماس. يعيّن مجلس السلام هذه اللجنة وتخضع لمساءلته. في 17 كانون الثاني/يناير 2026 أُعلن بدء عمل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة برئاسة الدكتور علي شعث، وتشير إلى أن موعد دخولها الرسمي إلى القطاع عقب انعقاد الاجتماع الأول للمجلس.
كما يمثل المجلس قطاع غزة قانونياً على المستوى الدولي ويقدم تقارير نصف سنوية إلى مجلس الأمن حول التقدم في تنفيذ الخطة. لم يحدد القرار تركيبة المجلس أو عدد أعضائه الرئيس ترامب ما يمنحه نفوذاً واسعاً في تشكيل الهيئة.
في المجال الاقتصادي والمالي، يتولى المجلس تنسيق التمويل الدولي لإعادة الإعمار وإنشاء آليات وصناديق تمويل بالتعاون مع البنك الدولي وإدارة أموال الإعمار ضمن منظومة تحكمها الدول المانحة. يعكس ذلك توجهاً لربط إعادة الإعمار بترتيبات أمنية ونزع سلاح الفصائل.
في المجال الإنساني والخدماتي، يشرف المجلس على دخول المساعدات وضمان عدم تحويلها لأغراض عسكرية تستخدمها الفصائل الفلسطينية إضافة إلى متابعة الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والبلديات. أما في المجال الأمني، فيقود الاستراتيجية العامة للقوة الدولية لتحقيق الاستقرار ويحدد معايير الانسحاب التدريجي للجيش الإسرائيلي ويشرف على برامج تدريب الشرطة الفلسطينية وتنظيم حركة الأشخاص والبضائع والتنسيق مع مصر وإسرائيل بشأن المعابر.
تنص الخطة على تشكيل قوة دولية مؤقتة متعددة الجنسيات بقيادة موحدة يصادق عليها المجلس. تتولى هذه القوة مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتأمين الحدود والمعابر، وتنسيق الممرات الإنسانية، وتنفيذ عملية نزع السلاح عبر تدمير البنية العسكرية ومنع إعادة بنائها ونزع أسلحة الجماعات المسلحة، إضافة إلى تدريب الشرطة الفلسطينية وتهيئة الظروف لانسحاب الجيش الإسرائيلي وفق جدول مرتبط بعملية نزع السلاح، مع السماح لإسرائيل بالإبقاء على حزام أمني مؤقت.
في ذات السياق، أنشئ مقر أميركي في كريات غات لمتابعة الوضع في غزة، بينما تؤكد إسرائيل رغبتها في ضمان حرية عمل جيشها داخل القطاع وتطالب بأن تضطلع القوة الدولية بدور مركزي في نزع سلاح حماس. في المقابل، ينظر الفلسطينيون إلى هذه القوة بوصفها آلية لضمان إنهاء الحرب والانتشار على الحدود لمنع تجدد الحرب.
يقوم توزيع الأدوار على تصور مرحلي ينتهي بعودة السلطة الفلسطينية إلى حكم القطاع بعد استكمال برنامج إصلاح شامل، بينما تضطلع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بضمان تدفق المساعدات، وتوفر الدول المانحة التمويل اللازم لتشغيل المؤسسات الانتقالية ودعم القوة الدولية.
الموقف الإسرائيلي وشروطه
يشكل الموقف الإسرائيلي العامل الأكثر حسماً في مستقبل المشروع. إذ تشير المعطيات إلى أن إسرائيل تربط أي تقدم فعلي بشروط صارمة. يتصدر هذه الشروط مطلب نزع سلاح حركة حماس بصورة كاملة وشاملة. شدد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في خطاباته على أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تتضمن تفكيك البنية العسكرية ونزع سلاح حماس، من شبكة الأنفاق إلى الأسلحة الثقيلة والخفيفة. وتقدّر إسرائيل أن نحو 350 كيلومتراً من أصل 500 كيلومتر من شبكة الأنفاق ما تزال سليمة ما يعزز إصرارها على جعل ملف نزع السلاح نقطة البداية لأي مسار سياسي أو اقتصادي في قطاع غزة.
في المقابل، يجري تداول مقترحات أميركية تتحدث عن نزع تدريجي للسلاح مع احتمال السماح لحماس بالاحتفاظ مؤقتاً بكمية محدودة من السلاح الخفيف خلال مرحلة انتقالية. يحظى هذا السيناريو باهتمام دولي باعتباره مخرجاً لتجنب العودة إلى الحرب لكن إسرائيل لم تعلن الموافقة عليه.
تظهر تحفظات إسرائيلية واضحة على أي ترتيبات قد تعيد تمكين السلطة الفلسطينية في غزة. فقد اصطدمت المداولات حول نقل قوة الشرطة الفلسطينية المدربة في الأردن إلى القطاع بموقف إسرائيلي رافض خشية ربط اللجنة التي سوف تدير غزة بالسلطة الفلسطينية.
في هذا السياق، يجري تداول سيناريو مؤقت يقضي بالاعتماد على عناصر الشرطة الموجودة حالياً في غزة وإخضاعها لاحقاً للجنة تكنوقراط. وعلى الأرض تبرز مؤشرات إلى دور متنامٍ لمليشيات المتعاونة مع إسرائيل وتعمل تحت حماية إسرائيل في مرافقة السكان العائدين عبر معبر رفح في مسعى لبناء قوى محلية بديلة ضمن ترتيبات ما بعد الحرب.
في ملف إعادة الإعمار يتزايد الضغط الدولي للسماح ببدء إعادة التأهيل المبكر، بما يشمل إزالة الأنقاض وإدخال المساعدات والمساكن المؤقتة. ورغم أن الحكومة الإسرائيلية تعتبر إدخال الكرفانات خطوة إعادة إعمار محظورة، إذ تشير صحيفة هآرتس إلى احتمال إبداء مرونة تحت ضغط الجهود الدولية. تواصل إسرائيل المشاركة في المسار الدبلوماسي مع الحفاظ على خيار استئناف الحرب مطروحاً ما يمنحها هامش مناورة واسع في أي ترتيبات مستقبلية.
في المقابل، دعت حركة حماس مجلس السلام إلى الضغط على إسرائيل لوقف ما تصفه بالخروقات المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة قبيل الاجتماع الافتتاحي للمجلس في واشنطن. وقال المتحدث باسم الحركة حازم قاسم إن الحرب ما تزال مستمرة بأشكال مختلفة عبر القتل والتهجير والحصار والتجويع محذراً من استخدام المجلس غطاءً لإطالة الحرب ومنع الإعمار. وطالبت الحركة المجلس بالتحرك لإلزام إسرائيل بوقف الانتهاكات ورفع الحصار وفتح المعابر بشكل كامل والعمل على إدخال اللجنة الوطنية لإدارة غزة وتوفير الموارد اللازمة لبدء مرحلة إغاثة وإعمار حقيقية.



