إعادة تموضع كردي.. خلع رداء الفئوية وانتفاح على الفضاء العام

خاص - المدنالخميس 2026/02/19
Image-1764763969
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

إعادة تموضع كردي مزدوج: "أكثر وطنية" بالتوازي مع تحصين ذاتي

 

في لحظة سياسية تتسم بتبدّل سريع في موازين القوى شمال شرقي سوريا، تتقاطع ثلاثة مسارات داخل البيت الكردي: إعادة هيكلة حزب الاتحاد الديمقراطي، مراجعة بنية مجلس سوريا الديمقراطية والتحضير لمؤتمر قومي عابر للحدود. وبحسب عدة مصادر مطلعة تحدثت إلى "المدن"، فإن هذه التحركات ليست معزولة عن سياق أوسع من إعادة التموضع السياسي، في ظل نقاشات متصاعدة حول الاندماج الإداري والأمني، وتحوّلات العلاقة مع دمشق، وضغوط إقليمية متجددة.

 

الاتحاد الديمقراطي يخلع اسمه

تقول مصادر قيادية في حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، لـ"المدن"، إن الحزب يعمل حالياً على تغيير اسمه إلى "حزب السلام والمجتمع الديمقراطي"، في خطوة تصفها بأنها جزء من "مراجعة شاملة للهوية والأدبيات والارتباطات والنظام الداخلي". وتؤكد المصادر أن العملية تتجاوز البعد الشكلي، لتطال "إعادة صياغة الخطاب السياسي والبنية التنظيمية بما يتلاءم مع المرحلة المقبلة".

وتضيف أن التوجه العام يسير نحو التحول إلى "حزب سوري وطني بصيغة جديدة"، في محاولة لإعادة تعريف الموقع السياسي للحزب داخل المشهد السوري، بعد سنوات من ارتباط اسمه بسياق أيديولوجي وتنظيمي محدد. وتشمل المراجعة، وفق المصادر، تحديث المرجعيات الداخلية، وإعادة تنظيم آليات اتخاذ القرار، وإعادة توصيف العلاقة مع الحلفاء المحليين والإقليميين.

 

دلالات التسمية الجديدة

ترى أوساط متابعة أن إدراج مفردات مثل "السلام" و"المجتمع الديمقراطي" في الاسم المقترح، يعكس سعياً لتخفيف الحمولة الأيديولوجية السابقة، وتوسيع هامش القبول السياسي داخلياً وخارجياً. فالتغيير، إن تم تثبيته رسمياً، سيعني الانتقال من تعريف حزبي ضيق نسبياً إلى إطار أوسع يسعى إلى التموضع ضمن الفضاء الوطني العام.

وبحسب مصادر "المدن"، فإن الحزب يدرك أن أي تغيير اسمي غير مسنود بتحول فعلي في البنية والبرامج سيبقى شكلياً. لذلك، يجري العمل على مراجعة النظام الداخلي، وتحديث الخطاب بما يسمح بفتح قنوات تواصل أوسع مع قوى سورية مختلفة، وتهيئة الأرضية للانخراط في ترتيبات سياسية محتملة.

 

"مسد" يعيد صياغة نفسه

بالتوازي، عُقد اجتماع للمكتب السياسي في مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) بتاريخ 14 شباط/فراير الجاري، خُصص لمراجعة البنية التنظيمية والخطاب السياسي، وفق ما أكدت مصادر من داخل المجلس لـ"المدن". وأسفر الاجتماع عن إقرار تغيير في الهيكلية والنظام الداخلي، واعتماد خطاب سياسي جديد يُعرّف نفسه بصفته "خطاباً وطنياً سورياً".

وتقول المصادر إن التعديلات شملت إعادة تنظيم آليات العمل الداخلي، وتطوير المرجعيات التنظيمية، بما يعكس توجهاً نحو صيغة أكثر شمولاً على المستوى الوطني. وتضيف أن الهدف هو "إعادة تعريف موقع مسد في المشهد السوري، بعيداً من الصورة التي حصرت دوره في إطار جغرافي أو مكوّن بعينه".

 

من التمثيل المناطقي إلى الطموح الوطني

تحليل الخطوة يشير إلى محاولة واضحة للانتقال من توصيف "مسد" كإطار سياسي مرتبط بإدارة منطقة محددة، إلى منصة تسعى للتموضع في قلب النقاش الوطني السوري. كما يهدف تبنّي خطاب "وطني سوري" إلى كسر الاصطفافات السابقة، وفتح مسارات تواصل أوسع، ساء على مستوى الحوار الداخلي أو في سياق إعادة تشكيل العلاقة مع مؤسسات الدولة.

غير أن هذا التحول يواجه اختبارين متلازمين: أولهما، مدى ترجمة التغييرات التنظيمية إلى ممارسات سياسية عملية؛ وثانيهما، قدرة المجلس على توسيع قاعدة التمثيل، واستقطاب قوى خارج دائرته التقليدية. فالتغيير في اللغة لا يكفي، ما لم يُترجم إلى سياسات وتحالفات تعكس فعلاً هوية وطنية جامعة.

 

مؤتمر عابر للحدود في شباط

في موازاة إعادة التموضع داخل سوريا، يستعد المؤتمر القومي الكردستاني (KNK) لتوجيه دعوات رسمية لعقد مؤتمر كردستاني عام خلال شباط الجاري، بمشاركة ممثلين عن "الأجزاء الأربعة": روج هلات (إيران)، باشور (العراق)، باكور (تركيا)، وروج آفا (سوريا)، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة "المدن".

تأسس المؤتمر القومي الكردستاني في 24 أيار/مايو 1999، في هولندا، كإطار تنسيقي عابر للحدود يضم أحزاباً وشخصيات كردية من الأجزاء الأربعة ومن الشتات. وبحسب المصادر، يتمثل الهدف الأساسي للمؤتمر المرتقب في بـ"الحفاظ على مكتسبات روج آفا" في ظل التحولات السياسية والعسكرية المتسارعة، إضافة إلى بحث سبل توحيد الخطاب الكردي وتعزيز التنسيق المشترك.

زيتوقع أن يشمل جدول الأعمال ثلاثة محاور رئيسية هي: مستقبل الوضع السياسي والإداري في روج آفا، آليات التنسيق القومي بين القوى الكردية وصياغة رؤية موحدة للتعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية.

وتشير تقديرات أولية، بحسب مصادر "المدن"، إلى مشاركة فاعلة لقوى قريبة من الإدارة الذاتية، فيما يبقى موقف بعض الأحزاب التقليدية – لا سيما المرتبطة بمحاور إقليمية مختلفة – غير محسوم، وسط احتمال تسجيل تحفظات أو مقاطعة جزئية تبعاً لطبيعة جدول الأعمال وآلية التمثيل.

وتحمل الدعوة دلالة تتجاوز الرمزية، إذ تأتي في لحظة إقليمية تتسم بإعادة ترتيب التحالفات. غير أن التباينات التاريخية بين القوى الكردية قد تحدّ من قدرة المؤتمر على إنتاج قرارات ملزمة، ليبقى أقرب إلى منصة تنسيقية ذات طابع سياسي جامع، ما لم تنجح الأطراف في تجاوز خلافاتها.

 

سياق واحد… ومسارات متقاطعة

تجمع هذه التطورات خيطاً ناظماً: إدراك متزايد بأن المرحلة المقبلة مختلفة عمّا سبقها. فمصادر "المدن "ترى أن الحديث عن "التحول إلى حزب سوري وطني" في حالة حزب الاتحاد، و"اعتماد خطاب وطني" في حالة "مسد"، واستدعاء الإطار القومي عبر المؤتمر القومي الكردستاني، كلها تعكس محاولة لإعادة ضبط البوصلة على مستويين: وطني سوري من جهة، وقومي كردي عابر للحدود من جهة أخرى.

هذا التوازي لا يخلو من مفارقة: فبينما يسعى الفاعلون إلى تخفيف الحمولة الأيديولوجية وتوسيع القبول الوطني، يجري في الوقت ذاته استدعاء الإطار القومي لتعزيز التحصين في مواجهة المتغيرات. وهو ما يوحي بأن الاستراتيجية الراهنة تقوم على "ازدواجية محسوبة": انفتاح داخلي يرافقه تثبيت عمق قومي.

تختم مصادر "المدن"، بالقول إن ما يجري اليوم ليس مجرد "تحديث تنظيمي"، بل محاولة استباقية لقراءة المرحلة المقبلة. فالتغيرات في شمال شرقي سوريا، والضغوط الإقليمية، وإعادة فتح قنوات الحوار الداخلي، كلها عوامل تدفع نحو إعادة تعريف الأدوار.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث