أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، قبول إسرائيل رسمياً الانضمام إلى مجلس السلام العالمي الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. غير أن هذا الإعلان انطوى على تناقض حاد ظاهري وجوهري مع موقف الحكومة التي تجاوبت بأشكال التفافية مع مطالب ترامب بخصوص وقف الحرب على غزة، من دون قناعة بأنها ستحقق أي نتائج مفيدة. كما أن هذا القبول، على الأقل في نظر الكثيرين من أنصار نتنياهو، يخالف قواعد العمل السياسي الإسرائيلي، لجهة أن مجلس السلام اتفاق دولي يقتضي موافقة الكنيست وليس فقط رئيس الحكومة. ولكن في زمن تختلط فيه الأوراق بشدة في الحلبة الداخلية صار كل شيء ممكناً ومتاحاً إلى حين.
فحكومة نتنياهو على وشك الانهيار، وفق أغلب التقديرات، بسبب فشلها في تمرير قانون إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية مع إصرار الكتل الدينية، وهي مكون أساسي في الائتلاف، على تمرير هذا القانون كشرط للبقاء في الائتلاف. كما أن الصراع على تشكيل لجنة رسمية للتحقيق في مجريات حرب 7 تشرين الأول/ أكتوبر يشق الحلبة السياسية بقوة ويقرب موعد الانتخابات المبكرة. وليس صدفة أن حزب "ليكود"، كأكبر حزب يجري هذه الأيام انتخابات تمهيدية استعداداً لانتخابات قد تجري على الأغلب في حزيران/ يونيو المقبل.
وقد أعلن الرئيس الأميركي خلال زيارة نتنياهو الطارئة الأخيرة لواشنطن أن عمل مجلس السلام في غزة سيبدأ عملياً في 19 حزيران/ يونيو معتبراً بدء العمل إنجازاً سياسياً كبيراً له. لكن هذا الانجاز يصطدم بواقع الاختلاف، وليس فقط الشكلي، مع إسرائيل. فهو يوحي بتفاؤل مستقبلي ملحوظ في غزة فيما التقديرات الرسمية الإسرائيلية تخالفه. بل أن التناقض الجوهري بين اتهام نتنياهو دولياً بارتكاب جرائم حرب وقيادتها في غزة وبين عضويته في مجلس السلام كان صارخاً. لكن حتى داخل إسرائيل نفسها كان يصعب على نتنياهو تسويغ وجوده في اجتماع هذا المجلس فآثر إرسال وزير خارجيته، جدعون ساعر. وهو بذلك يتجنب بعض ضواغط الوضعين الداخلي والخارجي على حد سواء.
تناقضات على الأرض
ومع ذلك، وبعيداً عن نتنياهو شخصياً، حاولت المراسلة السياسية لـِ "معاريف"، آنا بارسكي، الإشارة إلى اجتماع مجلس السلام الأول في واشنطن، ليس فقط من زاوية كونه جزءاً من سلسلة مبادرات أميركية وإنما من واقع التناقض الكامن فيها. في نظرها، "أي شخص ينظر إلى قطاع غزة نفسه يدرك فوراً أن المشكلة لا تكمن في قاعة المؤتمر، بل في بؤرة التوتر بين منطقتين يصعب تجاوزهما: رأس المال الدولي والقوات المسلحة المحلية". وترى أن الإعلان عن أرقام بالمليارات لإعادة الإعمار تخلق زخماً وديناميكية لكنها في الوقت نفسه تظهر التحدي الحقيقي حول من يدير القطاع ومن سيفرض النظام فيه.
وفي هذا السياق، عندما تسمع تصريحات نتنياهو أو وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أو حتى رئيس الأركان، إيال زامير، عن ما يريدونه من غزة وحدودها، تشعر بصعوبة أن تضخ دول عربية أو أوروبية أموالاً لإعادة الإعمار. فالحديث الإسرائيلي، من دون مواربة، يشير إلى حرب مؤكدة مقبلة وليس إلى احتمال ولو ضعيف لنجاح الخطة الأميركية. ولا يغيب عن البال حجم العقبات والألغام التي تزرعها إسرائيل يومياً في طريق تنفيذ هذه الخطة تحت ذرائع بينها نزع السلاح وتغيير هيكل السيطرة وتدمير البنى الأيديولوجية التي لا تريدها.
ولذلك لم تبد إسرائيل أي ارتياح لتشكيل الإدارة التكنوقراطية الجديدة وترفض البحث في جداول زمنية للانسحاب أو نشر قوات السلام الدولية حيث تطالب بتفويض هذه القوات للاشتباك وفق قواعد تضعها هي. والأهم أن إسرائيل ترفض مبدأ إعادة الإعمار في غزة قبل أن تضمن سيطرتها الكاملة على العملية وبحيث تضمن أنه إذا لم يكن هناك تهجير لسكان القطاع فعلى الأقل لن تجعل بقاءهم سهلاً. وقد سعت حكومة نتنياهو بكل جهد ضمن منهج مماطلة مكشوف، يصعب على الآخرين قبوله لوقت طويل، بعدم تنفيذ الالتزامات سواء ما تعلق منها بحرية حركة المواطنين أو تسهيل عمل الإدارة التكنوقراطية أو إعادة الإعمار. وتقريباً تعمد إلى إبقاء الأمور على الأرض مبهمة في ظل تصريحات قوية متناقضة حول السلام ومستقبل غزة وفلسطين عموماً مختبرة إلى أبعد مدى حدود الصبر الدولية والعربية. وما النقاشات حول سبل نزع السلاح في القطاع وإعادة الإعمار إلا آليات للمماطلة واختبار حدود الصبر هذه.
وتخدم آليات المماطلة الإسرائيلية هذه نتنياهو وحكومته في هذه الفترة الساخنة داخل الحلبة السياسية بانتظار الانتخابات العامة. وبصرف النظر عن تأييد البعض لقبول نتنياهو المشاركة في مجلس السلام أو معارضته طرح السؤال حول سبب عدم عرض الأمر على الكنيست. البعض يرى أن هذا القبول لم يحظ أصلاً بالقبول رسمياً داخل الحكومة وأن نتنياهو اعتمد أساليب التفافية لإعلانه. وآخرون يرون أن الحكومة ليست ملزمة بعرض القبول كاتفاقية دولية على الكنيست لكنهم يصرون على أن هذا هو العرف الثابت تجاه أي اتفاقية دولية قبل دخولها حيز التنفيذ. بل أن هناك قانونيون يرون أن اللوائح الحكومية تنص "على أنه لا يمكن عرض أي معاهدة دولية على الحكومة للتصديق عليها إلا بعد أن تبقى في أمانة الكنيست لمدة أسبوعين على الأقل خلال الدورة البرلمانية". وهذا لم يحدث ما يشير إلى استمرار مساعي إضعاف الكنيست كقوة تمثيلية ضمن مساعي حكومة نتنياهو للسيطرة على مراكز القوة وإخضاع السلطتين التشريعية والقضائية لسيطرة السلطة التنفيذية. وهذا كان أحد أسباب صرخة كبير مفكري القانون في إسرائيل القاضي أهرون باراك بأن إسرائيل لم تعد ديمقراطية ليبرالية.
وكان قد اعترض على هذا السلوك من مفكري معسكر اليمين ذاته، الجنرال يعقوب عاميدرور، الرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي في عهد نتنياهو. وأوضح أنه رغم أن الحكومة غير ملزمة بعرض الأمر على الكنيست، إلا أنها ملزمة "بإجراء نقاشٍ جادٍّ حول ما إذا كان ينبغي لإسرائيل أن تكون عضواً في هذه الهيئة أم لا". وأشار في السياق نفسه إلى أن إسرائيل وافقت سابقاً على خطة النقاط العشرين التي تتضمن إنشاء هذا المجلس نفسه وأيضاً من دون إجراء نقاش جاد.
استراتيجية وتكتيك
في كل حال ثمة في إسرائيل من يجد في الإعلان عن مجلس السلام العالمي تعبيراً عن نظام عالمي جديد يتكون ويتساءلون عن موقع إسرائيل فيه، يكتب ميخا أفنيميلخ، الرئيس التنفيذي لشركة ديلويت للاستشارات في موقع "زمان إسرائيل"، أن "اللحظات الفارقة في صنع القرار أشبه بمأدبة تُقيمها القوى العظمى، تدعو إليها الدول متوسطة الحجم التي تُسيطر على القوى الأساسية لتعزيز المصالح المشتركة وتحقيق الاستقرار. أما الدول التي لم تُدعَ إلى هذه "المأدبة"، فمن المرجح أن تكون على قائمة الطعام". ويضيف أنه "حول هذه المائدة، تُحسّن كل دولة استراتيجياتها، وتدرس نقاط قوتها وضعفها، وتُحدد الفرص والتهديدات، وتسعى إلى وضع خطط تُحقق لها أفضل النتائج على المديين المتوسط والطويل".
وبعد أن يعرض للتطورات والمطامح في المنطقة يكتب: "في هذا الواقع، في إسرائيل التي تعاني من القلق والإهانة جراء أحداث العامين الماضيين، تسعى قوى متطرفة لتحقيق (الوعد الإلهي) بالسيطرة على كل شيء من نهر الأردن إلى البحر، بل وتضيف بعض القوى أراضٍ أخرى تمتد إلى أبعد مدى. تُعرقل هذه الطموحات غير العقلانية عمليات وجهود الاستقرار؛ ومحاولة احتواء هذه النزعات المتطرفة أمرٌ صعبٌ ومليءٌ بالتحديات، ولكنه في غاية الأهمية". وفي نظره، "تتصرف إسرائيل انطلاقاً من اعتبارات تكتيكية لا استراتيجية، ومن نزعة خلاصية متعصبة لا تفكير عقلاني، ولا تسعى إلى حل سياسي".
وأيا يكن الحال فإن هوس إسرائيل بقوتها وانعدام توفر قوى داخلية مناقضة جدياً للمنهج اليميني المتطرف القائم يجعل من غير المنتظر حدوث تغييرات قريبة حتى في حال إجراء انتخابات مبكرة. فما كان يعرف بالانزياح اليميني التاريخي في إسرائيل لم يوصل فقط الحكومة الحالية إلى الحكم وإنما نقل المجتمع الإسرائيلي برمته من موضع إلى آخر وهذا ما يراه البعض فاشية لا دواء منها.




