يرى الكاتب والمحلل السياسي ألوف بن، أن الحذر الذي يبديه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مقاربة ملف غزة، لا يمكن فصله عن حسابات سياسية داخلية دقيقة، تتقاطع مع رهانات استراتيجية أوسع تتعلق بمستقبل السيطرة على القطاع بعد الحرب.
وفي قراءة نشرها في صحيفة "هآرتس" بتاريخ 17 شباط/ فبراير 2026، تحت عنوان: "نقل السيطرة على غزة.. لماذا يبتعد نتنياهو عن مثل هذا النقاش؟"، يعالج بن هذا الابتعاد بوصفه خياراً مدروساً، لا مجرد تفصيل بروتوكولي، في سياق ترتيبات اليوم التالي، ومحاولات إدارة النقاش حول الانسحاب الإسرائيلي المحتمل من القطاع.
وبحسب بن، يمكن تفسير تكليف نتنياهو لوزير الخارجية جدعون ساعر، بتمثيل إسرائيل في "مجلس السلام" المزمع عقده في واشنطن، باعتبارات سياسية داخلية. إذ يرى الكاتب أن نتنياهو فضّل تجنب الظهور في صورة مشتركة مع ممثلي قطر وتركيا، اللتين تُصنفان في الخطاب الإسرائيلي الرسمي كـ"راعيتين لحماس"، لما قد يشكله ذلك من ضرر لحملته الانتخابية عشية الانتخابات التمهيدية في حزب الليكود.
ويشير المقال إلى أن نتنياهو يدرك أن صورة له إلى جانب ممثلي الدوحة وأنقرة، قد تُستخدم ضده انتخابياً، سواء من قبل معارضيه الذين يتهمونه بالفشل، أو من قبل أنصاره الذين يهددون بالعودة إلى القتال في غزة.
لكن الكاتب يلفت إلى أن الاعتبارات الانتخابية ليست السبب الوحيد. فابتعاد نتنياهو عن المجلس، وفق التحليل، يهدف أيضاً إلى "تمييع" النقاش حول انسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع، في وقت ترسخت فيه في الخطاب الداخلي الإسرائيلي فكرة أن غزة خاضعة لسيطرة "حماس" وقطر وتركيا، متجاهلة – بحسب المقال – واقع السيطرة الإسرائيلية الفعلية على نحو 58% من مساحة القطاع.
خطة ترامب وبند "عدم الاحتلال"
ويتوقف بن عند ما يسميه "خطة ترامب ذات النقاط العشرين" التي أنهت الحرب في غزة، مشيراً إلى أن البند 16 منها ينص على أن إسرائيل "لن تحتل، ولن تضم" القطاع، وستسلّم إدارته إلى قوة دولية وفق شروط تُحدَّد لاحقاً، مع إبقاء "محيط أمني" تحت السيطرة الإسرائيلية.
ويرى الكاتب أن الصياغة المبهمة للخطة، في ظل غياب جدول زمني واضح أو مراحل محددة للانسحاب، لا تفرض التزامات فورية على إسرائيل. ويضيف أن الهدف المعلن هو ضمان ألا تشكل غزة تهديداً مستقبلياً لإسرائيل أو مصر، غير أن النص لا يحدد آليات أو آجالاً لتحقيق ذلك.
وبحسب التحليل، فإن هذا الغموض يتيح لإسرائيل الإبقاء على سيطرتها الميدانية إلى أن "تتغير الظروف"، في تعبير ساخر يشبه غزة بفنلندا أو أندورا من حيث الاستقرار وانعدام التهديد.
مخاوف من استيطان جديد
ويطرح بن في أحد أكثر مقاطع المقال إثارة للجدل، احتمال إقامة مستوطنات إسرائيلية في غزة، مستنداً إلى سوابق تاريخية في الضفة الغربية منذ عام 1967، رغم المعارضة الدولية الواسعة.
ويشير إلى أن الحرب الأخيرة خلقت – من وجهة نظر التيار الاستيطاني – ظروفاً "أكثر ملاءمة" مقارنة بالضفة، إذ دُمّرت مساحات واسعة من القطاع، ونزح عدد كبير من السكان، ما قد يُسهّل – نظرياً – إعادة توطين إسرائيليين هناك، تحت مبررات مثل إلغاء خطة الانفصال لعام 2005، وتأمين بلدات "غلاف غزة" التي تعرضت لهجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وفرض ما يسميه الكاتب "عقاباً نهائياً".
كما يتطرق المقال إلى تصريحات وزير الأمن يسرائيل كاتس قبل نحو شهرين، حين قال إن إسرائيل "لن تخرج مطلقاً من كل قطاع غزة"، وأعلن نية إقامة نوى استيطانية من نوع "ناحال" في شمال القطاع، في مواقع المستوطنات التي أُخليت عام 2005. إلا أن كاتس عاد وخفف تصريحاته لاحقاً، موضحاً أن هذه النوى ستُقام "لأغراض أمنية فقط"، وأنه لا توجد نية لإقامة مستوطنات مدنية.
ويذكر بن بأن مشروع الاستيطان في الأراضي المحتلة، بدأ تاريخياً عبر مواقع (ناحال) أقيمت تحت ذريعة أمنية في الجولان وغور الأردن وقطاع غزة وسيناء، قبل أن تتحول إلى مستوطنات دائمة.
كسب الوقت بانتظار تبدل المواقف
ويخلص المقال إلى أن إرسال ساعر إلى واشنطن يهدف، عملياً، إلى كسب الوقت في مفاوضات شكلية حول تركيبة القوة الدولية المقترحة، مع التركيز على مطلب نزع سلاح "حماس"، من دون فتح نقاش حقيقي حول موعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة.
ويرى بن أن الرهان الإسرائيلي يقوم على انتظار تراجع اهتمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالملف، أو انشغاله بقضايا أخرى، ما قد يتيح لإسرائيل – بحسب تعبيره – "فرض حقائق على الأرض" واستئناف مشروع استيطاني، على غرار ما جرى في الضفة الغربية خلال العقود الماضية.
وبذلك، يقدم المقال قراءة نقدية لسياسة الغموض التي يتبعها نتنياهو تجاه مستقبل غزة، معتبراً أن تجنب النقاش العلني حول الانسحاب ليس صدفة، بل خياراً سياسياً مقصوداً، يتقاطع فيه الحساب الانتخابي مع رؤية أوسع لمستقبل السيطرة الإسرائيلية على القطاع.




