من تيغراي إلى عَصَب كيف يتحول حق الوصول للميناء لشرارة حرب؟

شفيق طاهرالثلاثاء 2026/02/17
Image-1771264694
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

تعود منطقة القرن الأفريقي إلى واجهة القلق الإقليمي والدولي مع تصاعد السجال الإثيوبي-الإريتري حول الأمن الحدودي، والحق في وصول أثيوبيا إلى البحر، في وقت لم تُغلق فيه تماماً جراح حرب تيغراي، ولم تحل عقد الجوار مع الصومال والسودان. وبينما تبدو مدينة عَصَب الإريترية القريبة من الحدود الإثيوبية ومن مضيق باب المندب، عنواناً جذاباً لسردية صراع الموانئ، فإن المشهد أعقد من معركة على رصيف بحري، إنه تقاطع بين اقتصاد دولة حبيسة كبرى، وتوازنات سيادة وحدود، وحسابات أمنية داخلية، ومحاور إقليمية تبحث عن نفوذ على شريان ملاحة عالمي.

 

من الإمبراطورية إلى الدولة الحبيسة

على امتداد العقود الأخيرة، شكلت مسألة الوصول الى البحر أحد أبرز أوجه التحول في الدولة الإثيوبية الحديثة. فإثيوبيا التي كانت تاريخياً تتداخل فيها القوميات والحدود ضمن كيانات سياسية متغيرة، فقدت منفذها البحري الفعلي بعد استقلال إريتريا. ومنذ ذلك الحين تحولت الجغرافيا إلى عبء اقتصادي وسياسي، دولة كبيرة متعاظمة السكان، تعتمد على ممرات خارج حدودها لتأمين التجارة والطاقة والسلع الأساسية. وقد ازداد هذا العبء مع نمو الاقتصاد الإثيوبي وتضخم فاتورة الاستيراد، ما جعل خيار الاعتماد شبه الكامل على جيبوتي الجارة القريبة رغم واقعيته مصدر قلق مستمر من زاويتين، الكلفة المالية، وقابلية الضغط السياسي إذا تعقدت العلاقات أو اهتز الأمن في الممرات.

لكن الطريق إلى البحر لا يُقرأ اقتصادياً فقط، بل يتغذى أيضاً من سردية وطنية تتكرر في خطابات رسمية وإعلامية داخل إثيوبيا حول تصحيح خطأ تاريخي أي استقلال إريتريا. وهنا تكمن المفارقة، ما تراه أديس أبابا أولوية تنموية، قد تقرأه أسمرة كتهديد للسيادة وفتح لباب مطالبات قد تتطور من التفاوض إلى الإكراه. وبين هاتين القراءتين، تبرز تيغراي بوصفها منطقة مفصلية، جغرافيا حدودية مثقلة بتاريخ حربين حرب إثيوبيا وإريتريا، ثم حرب تيغراي وبحاضر سلام هشّ لم يكتمل.

 

تيغراي سلام ناقص وقابلية عالية للانزلاق

اتفاق وقف إطلاق النار في تيغراي، المعروف باتفاق بريتوريا، والموقّع في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2022 برعاية الاتحاد الأفريقي، أوقف رسمياً الحرب بين الحكومة الفدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي الانفصالية، هذا الاتفاق أنهى الحرب، لكنه لم يلغِ عوامل الانفجار. فملفات نزع السلاح، وإعادة بناء الإدارة المحلية، وترتيبات الأمن في المناطق المتنازع عليها، ظلت عرضة للتأويل والتعطيل. كما أن ذاكرة الاصطفاف في حرب تيغراي تركت ندوباً عميقة وانعدام ثقة متبادل. وفي ظل تجدد الاحتكاكات في الشمال، واندلاع توترات داخلية في أقاليم أخرى مثل أمهرة، يصبح أي تحرك عسكري أو تعبئة على الحدود مادة قابلة للانزلاق، حادث صغير قد يتحول إلى سلسلة ردود متبادلة تخرج عن السيطرة.

في هذا السياق، تظهر عَصَب، أحد أهم المرافئ الإريترية على ساحل البحر الأحمر، كرمز مكثف للمعضلة. فهي من جهة ميناء قريب جغرافياً من إثيوبيا مقارنة ببدائل أبعد أو أعقد سياسياً، ومن جهة أخرى تقع في موقع بالغ الحساسية قرب باب المندب، ما يجعلها أكثر من أصل اقتصادي. كما أن محاولات إثيوبيا لتوسيع خياراتها البحرية بينت أن الحسابات الإقليمية والدولية لا تسمح بسهولة بتغيير خرائط السيادة تحت عنوان الاقتصاد. وعندما تتعثر البدائل أو تتعرض لضغوط، يرتفع منسوب الإغراء باستخدام القوة بدل التسوية، ولو بالخطاب أولاً.

 

انعكاسات التصعيد على أمن البحر الأحمر

تتجاوز تداعيات أي تصعيد محتمل بين إثيوبيا وإريتريا حدود القرن الأفريقي لتلامس مباشرة أمن البحر الأحمر، لأن خطوط التماس من تيغراي حتى محيط عَصَب تقع قرب باب المندب، أحد أهم طرق الملاحة العالمية. وفي ظل أزمة الحوثيين القائمة أصلا منذ أواخر 2023، فإن إضافة بؤرة توتر جديدة على الضفة الأفريقية قد ترفع كلفة التأمين والشحن البحري، وتطيل زمن الرحلات عبر تحويل بعض السفن إلى رأس الرجاء الصالح، كما قد تدفع إلى مزيد من عسكرة السواحل وزيادة الدوريات البحرية العسكرية الأجنبية بما يرفع مخاطر سوء التقدير والحوادث. أما إقليمياً، فتتعاظم حساسية ممر جيبوتي-إثيوبيا الذي تمر عبره الحصة الأكبر من تجارة إثيوبيا، ما يجعل التنافس على الموانئ ومسارات الإمداد أكثر قابلية للتسييس والابتزاز، ويحول صراع الموانئ من قضية اقتصادية إلى معادلة أمنية تمس استقرار البحر الأحمر بأسره.

المنطقة ليست محكومة حتمياً بحرب وشيكة، لكنها محكومة بقدر عالٍ من الهشاشة الاستراتيجية. فإذا اجتمعت أزمة داخلية إثيوبية مع احتكاك حدودي، ومع خطاب متشدد حول الوصول الى البحر، فإن احتمالات التصعيد ترتفع وإن لم يكن هناك قرار مُعلن بالذهاب إلى مواجهة شاملة. 

فبين تيغراي وعَصَب وباب المندب، يصبح السؤال الأهم ليس فقط، هل تريد الأطراف الحرب؟ بل، هل تملك القدرة على منعها إذا وقع خطأ في الحسابات؟

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث