حظر "بالستاين أكشن": تجاهل القانون لحماية دولة تنتهكه!

عمّار الجنديالثلاثاء 2026/02/17
Image-1771336886
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

خذلت المحاكم البريطانية مرات عدة الحكومات المتعاقبة لأسباب تتصل باحترام الحريات. لكن الصفعة التي وجهتها المحكمة العليا لإدارة كير ستارمر في 13 شباط/فبراير الجاري، كانت مختلفة. فقد أظهر حكمها بعدم شرعية حظر منظمة "بالستاين أكشن" (الفعل من أجل فلسطين)، أن القانون يمكن أن يكون خادماً للسياسة في بلاد لطالما تباهت بريادتها عالمياً لجهة الحرص على سيادته. 

 

الأول من نوعه

قرر قضاة المحكمة العليا الثلاثة أن الحظر الذي فرضته وزيرة الخارجية الحالية إيفيت كوبر حين كانت تمسك ملف الداخلية، "غير قانوني" لسببين: تعارضه مع الحريات وعدم تناسبه مع "الجريمة" المزعومة. وقالوا إنه ينطوي على "تدخل كبير للغاية" مع الحق بحرية التعبير وحرية الاجتماع، و يتناقض مع السياسة ذات العلاقة للوزيرة نفسها إذ لم يأخذ في الاعتبار مستوى خطورة نشاطات المنظمة وطبيعتها. 

و"بالستاين أكشن" التي تأسست في 2020، تستعمل تكتيكات "الفعل المباشر"، من أجل إغلاق شركات لها علاقة بآلة الحرب الإسرائيلية، مثل "أنظمة إلبيت". واقتصرت أدواتها على احتلال المواقع أو محاصرتها أو إلحاق أضرار بها من أجل إيذاء الشركات المعنية مادياً وليس لإزهاق الأرواح، على طريقة "القاعدة" أو "داعش". 

وقرار "خنق" منظمة سلمية، بموجب قوانين الإرهاب، غير مسبوق في تاريخ البلاد. والمفارقة أن بريطانيا لم تمنع سابقاً مجموعات استعملت العنف لتحقيق أغراضها، كحركة المطالبة بإعطاء المرأة حق الانتخاب (Suffragette) أوائل القرن الماضي، أو تلك المناهضة للتمييز العنصري، مثلما لفتَ الوزير السابق اللورد بيتر هين، فكيف تحظر "بالستاين أكشن"؟

 

أفضلية السياسة

والأدهى أنها حُظرت ليس فقط على نحو سياسي مخالف للقانون، بل دفاعاً عن مصالح دولة تنتهك القانون الدولي بشهادة وزير الصحة ويس سترتينغ، الذي يُعتبر الأوفر حظاً لخلافة ستارمر قريباً. وهو نشر أخيراً رسالة كان قد بعث بها إلى "أستاذه" اللورد بيتر ماندلسون جاء فيها: "إن إسرائيل ترتكب جرائم ضد الإنسانية أمام أعيننا!".

إلا أن لندن تقدم الدعم العسكري لحرب الابادة، على شكل مهمات استطلاعية منتظمة، وتزودها بقطع غيار لطائرات حربية، ما يجعلها شريكة في "الجرائم ضد الإنسانية" التي ذكرها ستريتنغ. لذا، من الطبيعي أن تبذل قصارى جهدها لحماية شركات مثل "أنظمة إلبيت" الإسرائيلية، ولو أجبرها ذلك على أن تلوي عنق القانون انسجاماً مع مصالحها واستجابة للضغوط التي تتعرض لها.

 

ضغوط ترامب وشركاه

في هذا السياق، كُتب الكثيرعن المداولات التي أجرتها الداخلية مع أطراف معنية بوضع حد للضربات المؤلمة التي كانت توجهها "بالاستين أكشن" للبيئة التحتية لصناعة الأسلحة الإسرائيلية، في بريطانيا. وكُشف عن حثّ جماعات ضغط صهيونية في بريطانيا، الحكومة على تجريم المجموعة، وعن عقد اجتماعات بين مسؤولين حكوميين مع ممثلين عن "أنظمة إلبيت" والسفارة الإسرائيلية تمت للغاية ذاتها.

وطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستارمر في مناسبتين منفصلتين، بمعاقبتها بشدة، معتبراً أنها "جماعة إرهابية". ويعود غضبه إلى أنها عبثت بأحد منتجعاته في إسكتلندا حيث كتبت: "غزة ليست للبيع"، بعدما أعلن عن خطته لتحويل القطاع إلى لاس فيغاس جديدة! 

 

هشاشة مؤسسية

و أقرّ مجلس العموم الحظر بأغلبية 385 صوت مقابل 26 فقط، لكونه يصب في مصلحة شريك راسخ، ما يضع ديمقراطية بريطانيا موضع مُساءلة. وليست سمعة إعلامها أفضل حالاً، إذ راحت بعض وسائله، كـ"بي بي سي"، تروّج لعلاقة بين "بالستاين أكشن" وإيران، وهو ما نفى جوناثان هول، مستشار الحكومة لشؤون الإرهاب، وجوده.

هكذا أصابت المؤسِسة المشاركة للمجموعة هدى عموري، بقولها إن الحظر قد أدى إلى نتيجة معاكسة. فهو سلّط الضوء على هشاشة بعض أركان النظام الديمقراطي في بريطانيا. ولعله عزّز حماس الكثيرين على المجازفة بالسجن للدفاع عن المنظمة. ولم يحمل الصغار والكبار من مسلمين ومسيحين ويهود وهندوس، على الإحجام عن الخروج بانتظام في مسيرات في لندن، وفي كبريات مدن المملكة المتحدة، مطالبين بإحقاق الحق الفلسطيني. وقد قطع مستثمرون، منهم بنك "باركليز"، علاقتهم مع شركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية لصناعة الأسلحة التي خسرت مليارات الجنيهات الاسترلينية بسبب نشاطات "بالستاين أكشن".

لكن ذلك لم يكن بلا ثمن. فالقرار قاد منذ دخوله حيز التنفيذ في 5 تموز/يوليو الماضي، إلى اعتقال ألفين و800 شخص بينهم متقاعدون كالكاهن سو بارفيت، 83 عاماً، كانوا مهددين بالحبس مدة تصل إلى 14 عاماً، وأضرب عشرة منهم عن الطعام لأيام طويلة ما عرّض حياتهم للخطر.

وإذا لم تُلغِ المحكمة العليا الحظر، فقد أعلنت الشرطة أنها لن تعتقل مخالفيه. أما الداخلية فأكدت أنها ستطعن بالحكم في غضون أيام. فإن خسرت القضية، ستستأنف المجموعة جهودها ضد بؤر الصناعات الدفاعية التي تفيد منها دولة الاحتلال.

أما إن كسبتها، فالأرجح أن جماعة أخرى ستظهر حين تصل "بالستاين أكشن" إلى نهاية الطريق القانوني، لمواصلة النضالـ بغرض حرمان نظام الاحتلال من السلاح الذي يسدده إلى صدور الأبرياء.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث