ليس من الصدفة أن تجتمع الولايات المتحدة مع إيران في جنيف، في التوقيت والمكان نفسيهما اللذين تجتمع فيهما مع روسيا بشأن أوكرانيا. روسيا، عدا عن كونها حليفاً رئيسياً لإيران، فإن وجودها العسكري في سوريا يجعلها طرفاً غير منفصل عن أي تسوية تخص الشرق الأوسط. المشهد يبدو أقرب إلى اجتماع ثلاثي غير مُعلن حول مستقبل الإقليم، قبل أن تحسم واشنطن ما إذا كان المسار الدبلوماسي ما زال ممكناً أم أن المواجهة أصبحت الخيار الوحيد. فما هي أدوات الضغط الأميركية؟ وماذا تملك إيران وروسيا في المقابل؟
النفط والطاقة
استخدمت الولايات المتحدة الأسلوب نفسه في الضغط على روسيا وإيران: الطاقة. مع روسيا، مارست واشنطن ضغوطاً على الهند لتقليص وارداتها من النفط الروسي، ودعمت توجهاً أوروبياً لإنهاء استيراد الغاز الروسي تدريجياً حتى عام 2027، بهدف تجفيف الموارد التي تموّل الحرب في أوكرانيا.
اليوم يُعاد السيناريو نفسه مع إيران. تسريبات إعلامية تحدثت عن تنسيق بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، للضغط على الصين من أجل تقليص استيراد النفط الإيراني، مقابل توفير بديل فنزويلي. الصين تستورد نحو 80% من صادرات النفط الإيراني بأسعار مخفّضة، وأي خفض فعلي لهذه الواردات سيشكل ضربة اقتصادية مباشرة لطهران.
بالتوازي، يجري العمل على تحييد أوراق الضغط الإيرانية التقليدية. إغلاق مضيق هرمز أو تهديد الملاحة في البحر الأحمر عبر الحوثيين، لم يعد ورقة حاسمة كما كان سابقاً. هناك محاولات لإحياء مسارات بديلة، أبرزها مشروع تمرير النفط من الخليج العربي إلى ميناء نشطون على بحر العرب في جنوب اليمن، إضافة إلى مسارات برية محتملة عبر سوريا. الهدف هو ضمان استمرار تدفق الطاقة عالمياً حتى في حال التصعيد.
تزامن الضغط على روسيا وإيران في ملف الطاقة، يكشف أن واشنطن تتعامل معهما ضمن مقاربة واحدة. هي لا تفصل بين أوكرانيا والشرق الأوسط، بل تعتبر التحكم بسوق النفط أداة أساسية لإعادة رسم التوازنات السياسية والعسكرية.
العسكرة… الضغط العسكري الموازي للتفاوض
الضغط الأميركي لا يقتصر على الاقتصاد. منذ كانون الثاني/يناير الماضي، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط بشكل ملحوظ. أرسلت حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" مرفقة بثلاث مدمرات، إلى جانب تعزيزات جوية وبحرية إضافية ضمن عمليات القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم). شملت التحركات نشر غواصات، صواريخ بعيدة المدى، تكثيف الطلعات الجوية وتعزيز القواعد الأميركية في الخليج والعراق وسوريا.
لاحقاً، أعلن ترامب أن حاملة الطائرات "جيرالد آر فورد" ستتجه إلى المنطقة قريباً جداً، بالتزامن مع المهلة التي حددها للتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران. عملياً، موعد وصول الحاملة يتقاطع مع نهاية المهلة السياسية، ما يجعل الانتشار العسكري جزءاً مباشراً من معادلة التفاوض، ووجود حاملتي طائرات أميركيتين في مسرح عمليات واحد ليس خطوة روتينية. هذا المستوى من الانتشار يمنح واشنطن قدرة على تنفيذ عمليات واسعة خلال وقت قصير إذا صدر القرار السياسي.
الفارق عن عام 2015، أن التفاوض آنذاك جرى في ظل بيئة إقليمية أقل توتراً، أما اليوم فهو يجري بينما تعاد هندسة المشهد الأمني من غزة إلى البحر الأحمر. والمطلوب هذه المرة لا يبدو مقتصراً على ضبط نسبة تخصيب اليورانيوم، بل يتصل بملفات أوسع: البرنامج الصاروخي، النفوذ الإقليمي وشكل الترتيبات الأمنية المقبلة. في هذا السياق يمكن فهم تصريح ترامب بأن "تغيير النظام في إيران قد يكون أفضل ما يمكن أن يحدث"، إضافة إلى تقارير عن لقاءات عقدها جاريد كوشنر مع معارضين إيرانيين في الولايات المتحدة لبحث سيناريوهات ما بعد النظام.
أدوات الضغط الإيرانية والروسية
في المقابل، لا تدخل إيران وروسيا إلى جنيف من موقع المتلقّي للضغط فقط. إيران تملك شبكة نفوذ عسكرية غير تقليدية ممتدة في عدة ساحات. أي ضربة مباشرة ضدها قد تُقابل بتحريك فصائل في العراق تستهدف قواعد أميركية، أو تصعيد من الحوثيين في البحر الأحمر، أو توتر من جنوب لبنان، أو دعم عمليات من غزة. تصريح حركة "حماس" بأن أي اعتداء على إيران هو "اعتداء على العالم الإسلامي"، يضع المواجهة في إطار أوسع من الرد الإيراني المباشر، ويشير إلى احتمال تعدد الجبهات إذا اندلعت مواجهة.
ورقة إيران الأساسية ليست مواجهة بحرية مباشرة مع الأسطول الأميركي، بل القدرة على إشعال محيطها الإقليمي بشكل متزامن، بما يرفع كلفة أي هجوم ويعقّد الحسابات الأميركية. روسيا من جهتها تملك ورقة مختلفة: الأمن الأوروبي.
قبيل توجه موسكو إلى جنيف، صرّح الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، بأن روسيا تواجه ضغطاً اقتصادياً متصاعداً نتيجة تقليص واردات الغاز، وأن هذا الضغط سيستنزف قدرتها على المدى البعيد، في إشارة إلى أن الغرب يراهن على إنهاك موسكو اقتصادياً. لكن في المقابل، تداولت صحف أميركية وبريطانية تقارير عن محاكاة عسكرية ناقشها محللون عملوا ضمن أطر أطلسية. السيناريو يفترض أن روسيا قد تدّعي وجود أزمة إنسانية في كالينينغراد، وهي منطقة روسية تقع بين بولندا وليتوانيا على بحر البلطيق ومنفصلة جغرافياً عن باقي الأراضي الروسية، لتبرير تحرك عسكري محدود داخل ليتوانيا نحو ممر استراتيجي يربط روسيا ببيلاروسيا.
المحاكاة افترضت أن قوة محدودة قد تحقق مكاسب سريعة خلال أيام إذا ترددت بعض دول "الناتو" في الرد الفوري. تفعيل المادة الخامسة يعني دخول جميع أعضاء الحلف في مواجهة مباشرة مع روسيا، وهو قرار سياسي ضخم قد يمرّ بنقاش داخلي قبل اتخاذه. هذا الهامش الزمني يمنح موسكو فرصة لفرض أمر واقع. التقارير لا تعني أن الغزو وشيك، لكنها تُظهر أن القدرة العسكرية الروسية لا تزال ورقة ضغط فعالة. موسكو تلوّح بإمكانية اختبار تماسك الحلف إذا شعرت بأن الغرب منشغل أو منقسم.
وبهذا المعنى، تتقاطع موسكو وطهران في نقطة واحدة: كلاهما يتعرض لضغط اقتصادي عبر الطاقة، وكلاهما يحتفظ بأداة عسكرية مضادة. إيران عبر ساحات الشرق الأوسط وتهديد الملاحة، وروسيا عبر احتمالية زعزعة الأمن في البلطيق أو توسيع نطاق التوتر الأوروبي. وعليه، فإن جنيف، في هذا السياق، ليست محطة تفاوض عادية، بل اختبار توازن قوى. واشنطن تحاول فرض تسوية شاملة تعيد رسم معادلات المنطقة عبر ضغط اقتصادي وعسكري متزامن. وإذا فشل هذا المسار، فإن الأرضية العسكرية جاهزة. والسؤال ليس فقط ما إذا كان سيتم التوصل إلى اتفاق، بل أي طرف سيقتنع بأن كلفة المواجهة أعلى من كلفة التراجع.




