لا أكاد اجد تفسيراً مريحاً لحال من الشغف تهيمن على المزاج العام لجماهير عربية أو غير عربية، و لوسائل إعلام عربية ودولية، كلما تعلق الأمر بحرب تعتزم الولايات المتحدة أن تشنّها ضد إيران. لكن خيالي يستدعي من عالم نجيب محفوظ، حال الحرافيش في زمن الفتوات، والمتطلعين للفتونة. حيث هناك طوال الوقت بعض المتشوفين ممن أصابهم شغف الانتظار، لرؤية الفتوة، والتعرف على مصير من يتحداه، يريد أن يمتحن تهديدات ترامب بالحرب، وتطلعات نتنياهو من ورائها. بينما يرقب البعض الآخر سلوك ملالي إيران، يقلّبون الأمر بينهم بتؤدة، غير مبالين بمخاطر تحدق بهم من كل صوب، لا تدري إن كانت رباطة جأشهم عن فرط قوة، أم عن فرط جهل بحقائق القوة المستجدة.
في ترسانة القوة لدى إيران، عدا عن الصواريخ بقدراتها والمسيرات بمختلف أنواعها، مخزون من خبرات تاريخ فارسي يستدعي زمن قورش الأعظم، وفيها أيضاً مخزون من التجارب أثبتت خلالها طهران أن لديها طاقة صمود في الحروب الحديثة، امتدت معاركها على مدى أكثر من ثماني سنوات طوال الحرب-العراقية الإيرانية.
خبرات الصراع التي راكمها ملالي طهران (مع الولايات المتحدة بصفة خاصة)، على مدى نصف قرن منذ الإطاحة بحكم الشاه محمد رضا بهلوي في شباط/فبراير 1979 وحتى اليوم، هي جزء لا يستهان به في حسابات رصيد القوة الإيرانية في تعاطيها مع الأزمة الراهنة.
فبينما يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضع إطار زمني صارم للحرب ضد إيران، بتأكيده على أن تكون "خاطفة" لا تتجاوز بضعة أيام، يلوّح الإيرانيون بقدرتهم على خوض حرب طويلة ممتدة تتقطّع فيها أنفاس البيت الأبيض.
في حسابات دونالد ترامب فإن إيران التي أنهكتها حرب الاثني عشر يوماً، لا تملك ما يكفي من طاقة للحرب ضد الولايات المتحدة،التي ابتلعت فنزويلا واقتلعت رئيسها في نصف ساعة، أما في حسابات ملالي طهران، فإن إيران تخوض لأول مرة حرباً تتعلق بصميم وجودها، بينما يعلن أعداؤها بوضوح أن هدفهم هو إسقاط النظام، أو حتى تمزيق وحدة إيران.
ما يريده نتنياهو هو حرب كبرى ضد إيران تخرجها من الجغرافيا ومن التاريخ معاً، وما يريده ترامب هو استسلام إيراني بغير حرب إن أمكن، وإلا فإن ضربة أميركية واحدة ثقيلة ربما تكون كافية لتعطيل المشروع الإيراني لعشر سنوات على الأقل.
مهلة الثلاثين يوماً التي منحها ترامب للملالي قد تكون كافية لتشحذ أميركا أسلحتها، وتستكمل بناء منظومة القوة القادرة على فرض شروطها على طهران، لكنها لا تكفي بالطبع لتمكين إيران من تعويض خسائرها في حرب الاثني عشر يوماً، ومع ذلك فبوسع إيران الاحتيال لشراء المزيد من الوقت، خصوصاً عندما يصبح ترامب محشوراً بين مهلة فرضها بنفسه، وبين حسابات في الصورة الكبيرة لم يتحسب لها جيداً.
الطابع الوجودي للصراع الذي لم تسعَ إليه طهران، لا يدَع أمامها خيارات أخرى سوى خوض حرب شاملة بكل الأسلحة وعلى كل الجبهات، وهو ما يكفي على الأقل لإحداث ضرر ولو معنوي بصورة أميركا باعتبارها القوة العظمى الوحيدة.
حجم الضرر المحتمل الذي قد يلحق بحلم الصين كقوةعظمى ثانية ضمن نظام دولي جديد متعدد الرؤوس، قد يصبح هائلاً، إذا تمكنت أميركا من إلحاق هزيمة كاملة بإيران، ما يرفع رهانات إيران على دعم صيني كبير في مجالات التسلّح كافة، من أول أسلحة الذكاء الإصطناعي المختلفة وحتى سلاح الطيران وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة.
حلفاء إيران في الحرب المقبلة، أصحاب مصلحة مؤكدة في تقويض خطط ترامب ضد إيران، أما عن مدى ومستوى انخراط الصين وكوريا الشمالية وروسيا في أنماط دعم مختلفة لإيران في الحرب المقبلة، فيتوقف إلى حد كبير على قدرة إيران على شراء المزيد من الوقت قبل اندلاع الحرب وبعد اندلاعها، فكلما طال أمد الحرب كلما تضاعف مستوى الدعم الصيني والكوري الشمالي والروسي وهكذا.
هذه الحرب ضد إيران، التي يترقبها الجميع، دون تحرك جاد لمنعها، لا يريدها أي من أطرافها المحتملين، عدا إسرائيل، المستفيد الأكبر وربما الأوحد إذا اندلعت الحرب.
فترامب يبدو متردداً في شن هذه "الحرب" أو توجيه تلك "الضربة"، وهو مقتنع تماماً بأنه قد تمكن من تقويض المشروع النووي الإيراني في حرب الإثني عشر يوماً، لكن إلحاح رئيس الوزراء الاسرائيلي على ضرورة استكمال الضربة والقضاء بصورة تامة على أي مقومات -ولو ثانوية - لأي طموح نووي إيراني في المستقبل، يضع الرئيس الأميركي تحت ضغوط داخلية، لضرب إيران وإنقاذ إسرائيل.
يضع ترامب ثلاث مطالب يتعين على إيران تحقيقها إذا أرادت تجنب الحرب، ويمنحها مهلة شهر واحد للوفاء بتلك المطالَب الثلاث، وإلا فإنها ستواجه عواقب وخيمة.
مطالب ترامب الثلاثة هي: أولاً: التخلي نهائياً عن البرنامج النووي. ثانيا: تقييد البرنامج الصاروخي ليصبح أقصى مدى له هو 300 كيلومتر. ثالثاً: التخلي عن أذرعةا في لبنان واليمن والعراق.
تعرف واشنطن أن النظام في إيران لا يمكنه تلبية هذه المطالَب دون أن يتعرض صميم وجوده للخطر، وتعرف أيضاً أن تجميد برنامج إيران النووي هو أقصى ما تستطيع إيران تقديمه، لكنها تصرّ رغم ذلك على بناء حشد عسكري هائل لا قبل لإيران بمواجهته، بما لا يدع لها خيارا آخر سوى الحرب، في حال أصرّت واشنطن على شروطها، وأصرت طهران على الرفض.
لا يبدو ترامب متحمساً للحرب ضد إيران، ولا مانع لديه على الأرجح من طَي صفحة الأزمة، اذا ما أعلنت طهران التخلي عن مشروعها النووي، لكن إسرائيل لا تكتفي بذلك.
تعرف إيران أن عامل الوقت، هو أفضل ما يمكنها أن تراهن عليه في تلك الأزمة، وها هي قد ربحت شهراً، أتاحه لها إنذار ترامب الذي أمهلها ثلاثين يوماً، يتعين عليها خلالها أن تلبي مطالب واشنطن وإلا فإنها الحرب!
هل تعتزم طهران حقاً التجاوب مع شروط ترامب لتجنب إنذاره؟!..
أغلب الظن أن طهران، تتطلع لاستثمار مهلة الثلاثين يوماً، للاستعداد للحرب، ومراكمة مخزون كافٍ من الصواريخ ووقودها الصلب، بما يكفي لرفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وإسرائيل.
تستفيد الصين من أجواء حرب استنزاف بين إيران وأميركا، وتزداد الاستفادة كلما طال أجل الحرب وامتد، ولهذا فقد تعمل روسيا والصين على تمكين إيران من الصمود لأطول مدى زمني ممكن، وهذا أيضاً ما تعِد به طهران حلفاءها، مذكرة بما تتمتع به من نفس طويل في الحرب، امتد لثمان سنوات في حربها ضد صدام حسين.
أكثر ما يخشاه ترامب من الحرب ضد إيران، هو أن تتحول الحرب إلى مستنقع تغرق أميركا في أوحاله، ولهذا فهو يخطط لضربة لا لحرب، وهو يريد لهذه الضربة أن تكون خاطفة لبضعة أيام فقط، وأن تكون مؤثرة بما يكفي لزعزعة النظام وإسقاطه، سواء بالملالي أو بدونهم.
يريد ترامب إدخال طهران قسراً في بيت الطاعة، باعتبار أن معركته ضد الملالي سوف تتيح له قطع نصف الطريق نحو الهيمنة على النظام الدولي لما تبقى من هذا القرن.




