المشهد الإقليمي يتغيّر: المحور السُّني يتماسك حول إسرائيل

المدن - عرب وعالمالثلاثاء 2026/02/17
Image-1771341307
ائتلاف سني واسع يملأ فراغ إيران ويضيق هامش إسرائيل (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

قال الكاتب يوني بن مناحيم، إن إسرائيل تواجه تحولاً استراتيجياً عميقاً في البيئة الإقليمية، يتمثل في تماسك محور سني واسع وتنامي الدور التركي بدعم من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مقابل تراجع متدرّج في مكانة إيران، وفق تحليل نشره معهد القدس للاستراتيجيا والأمن بعنوان "المشهد الإقليمي يتغيّر: المحور السُّني يتماسك حول إسرائيل".

وأوضح بن مناحيم أن مسؤولين كباراً في القدس يُبدون قلقاً عميقاً إزاء المكانة المتنامية لتركيا على الساحتين الإقليمية والدولية، مشيراً إلى أن التقديرات الإسرائيلية ترى أن أنقرة تسعى لترسيخ نفسها كقوة إقليمية ذات قدرة نووية محتملة، مستفيدة من "التآكل التدريجي للنظام الإيراني".

واستعاد الكاتب تصريحاً سابقاً للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 4 أيلول/ سبتمبر 2019، خلال تجمّع لحزب العدالة والتنمية، قال فيه إن بلاده لا يمكن أن تقبل بامتلاك قوى كبرى أسلحة نووية، بينما تُحرم تركيا من مثل هذه القدرات، في إشارة مباشرة إلى إسرائيل، معتبراً أن امتلاكها هذه القدرة يوفر لها ردعاً وحماية من الضغوط الخارجية.

وأضاف أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان جدّد في 9 شباط/فبراير 2026، خلال مقابلة مع شبكة "سي إن إن"، الحديث عن دراسة أنقرة للتداعيات الاستراتيجية لسباق تسلح نووي إقليمي، مع تأكيده أن تركيا لا تمتلك برنامجاً نشطاً للأسلحة النووية، وأنها موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وتُركز حالياً على إنشاء محطات طاقة نووية مدنية هي الأولى من بين ثلاث محطات مخطط لها.

 

"جدار سني" بدل "الجدار الإيراني"

وأشار بن مناحيم إلى أن تقديرات مسؤولين أمنيين إسرائيليين تفيد بأن أردوغان يعمل، بالتوازي مع ذلك، على تطويق إسرائيل دبلوماسياً عبر السعي إلى توحيد العالم السني ضمن منظومة إقليمية جديدة قد تشمل خصوماً عرباً سابقين، مثل مصر، في إطار اصطفاف أوسع يمكن أن يحول الزخم الإقليمي ضد إسرائيل.

وبحسب هذه التقديرات، يتمثل الهدف في استبدال "الجدار الناري الإيراني" بجدار دبلوماسي سني موحد يحيط بإسرائيل، ويقلص حرية مناورتها ويعزلها سياسياً.

ووفقاً للمصادر التي استند إليها التحليل، تشارك تركيا في ما وُصف بـ"حرب ظل" في أفريقيا تمتد من ليبيا مروراً بالسودان وصولاً إلى الصومال، في سياق صراع استراتيجي على النفوذ.

كما أعربت تركيا ومصر والمملكة العربية السعودية، بحسب المقال، عن قلقها من احتمال اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وتنسق خطوات للحد من حرية تحركها الاستراتيجية في منطقة البحر الأحمر.

 

تراجع إيران وتبدّل ميزان القوى

ولفت بن مناحيم إلى أن مسؤولين كباراً في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، يرون أن دولاً عديدة في الشرق الأوسط باتت تعتبر إضعاف إيران عملية لا رجعة فيها، خصوصاً بعد تراجع مكانتها الإقليمية منذ "حرب الأيام الـ12" في حزيران/ يونيو الماضي، إذ تضررت بشدة مراكز نفوذها في سوريا ولبنان وقطاع غزة، بالتوازي مع أزمة اقتصادية عميقة تتفاقم بسبب نقص المياه والغذاء، واستمرار الولايات المتحدة في تشديد نظام العقوبات وزيادة الضغط على النظام الإيراني.

وفي هذا السياق، قال إن ائتلافاً سنياً واسعاً يتبلور ويضم المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وقطر وباكستان، ويتعاون بعض هذه الدول في أطر عسكرية، وينسق مصالحه لمنع عودة تعاظم النفوذ الإيراني وتوسيع التأثير في ساحات مركزية مثل سوريا ولبنان والبحر الأحمر.

 

قلق إسرائيلي وتراجع فرص التطبيع

وأضاف أن دبلوماسيين إسرائيليين كباراً أعربوا عن قلقهم من هذا الائتلاف الناشئ، على الرغم من أن بعض أعضائه يحتفظ بعلاقات وثيقة مع واشنطن، مشيراً إلى أن فرص التطبيع مع السعودية تتراجع، إذ اعتمدت الرياض في الآونة الأخيرة نهجاً أكثر انتقاداً وتشدداً إزاء إسرائيل، ولا سيما على خلفية الحرب في غزة وغياب التزام إسرائيلي بإقامة دولة فلسطينية.

وتناول التحليل كذلك الخلاف العلني النادر الذي سُجل في الأسابيع الأخيرة بين السعودية والإمارات العربية المتحدة بشأن التطورات في جنوب اليمن، موضحاً أن أبوظبي، التي قادت مسار التطبيع مع إسرائيل في إطار "اتفاقيات أبراهام"، تجد نفسها اليوم في موقع أكثر تعقيداً داخل العالم العربي.

وأشار إلى أن ابتعاد السعودية عن إسرائيل يترك الإمارات في عزلة نسبية، ويضع الرياض في موقع اللاعب المركزي على الساحة السنّية.

 

إعادة تقييم العقيدة الأمنية

وأشار بن مناحيم إلى أن استمرار الحرب في غزة والجمود في الساحة الفلسطينية والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية، يجعل عملية اندماج إسرائيل في إطار إقليمي واسع أكثر تعقيداً، فيما تشعر الإمارات، الشريك العربي الأبرز لإسرائيل، بدرجة من العزلة داخل الفضاء العربي.

وختم التحليل بالتحذير من أنه إذا عملت السعودية وباكستان وتركيا بتنسيق وثيق، فستحتاج إسرائيل إلى إعادة تقييم عقيدتها الأمنية وهامش حركتها الاستراتيجية، لأن أي تحرك إسرائيلي قد يكتسب معنىً مختلفاً في حال مواجهة ثلاث قوى سنّية كبرى تنسّق فيما بينها. وحتى إذا لم يُعرَّف هذا التحالف رسمياً على أنه معادٍ لإسرائيل، فإن مجرد وجوده يضيّق المجالين الدبلوماسي والعسكري اللذين اعتادتهما.

كما أبرز دور باكستان باعتبارها دولة نووية قدمت ضمانات أمنية رسمية للسعودية، معتبراً أن ذلك يغيّر ميزان القوى الإقليمي، إذ يمكن للرياض الاعتماد على منظومة قوة سنية داخلية بدلاً من التقارب مع إسرائيل في إطار دفاعي بمواجهة إيران، ما قد يقلّص الحوافز لدفع مسار التطبيع ويعقد العمليات الدبلوماسية التي بدأت بالتشكل خلال العام الماضي.

وخلص بن مناحيم إلى أن هذه التطورات تضع إسرائيل على مسار تصاعدي من التنافس مع تركيا، التي يُتوقع أن تؤدي دوراً قيادياً في البنية الإقليمية الجديدة، وقد تستغل ارتباطها بمحور "الإخوان المسلمين" لتعميق نفوذها في العالم السنّي وعلى الساحة الفلسطينية، بما يقلص هامش مناورة إسرائيل أمام دول الخليج ويعمّق الفجوة الاستراتيجية بين القدس وأنقرة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث