يبدو المجتمع السوري في هذه الأيام ضاجّاً، أوصله الصخب الكبير إلى درجة عالية من التشتت والتوتر، ما يظهره وكأنه على شفا حفرة، يعجّلُ سقوطه فيها ذلك التقاذف بالمسؤوليات عن الماضي وعن تعثر الحاضر، إضافة إلى التحريض واسع النطاق الذي لا يتوقف، والذي يمارسه أفراد وجماعات بحقّ أفراد وجماعات أخرى، من دون أي وازع أو قانون يردع هذا السلوك المودي به إلى الهلاك.
وإذ تُظهر هذه السلوكيات حجمَ الخلل الذي يعاني منه هذا المجتمع، خصوصاً بعد ما ظهر من تفتُت في البنية المجتمعية لعموم السوريين بعد سنوات الحرب والتقتيل، ومع الخطورة الكبيرة لحدوث صدوع جديدة في هذه البنية، بات لزاماً البحث عن نقاط التقاء، تعيد ربط ما انقطع بين أبناء المجتمع، من أجل التحاور، ومن أجل توجيه طاقة العدمية والسوداوية والتدميرية الذاتية لدى كثيرين، نحو مسالك الضوء والمقدرة والفعل والبناء.
بعد سقوط نظام بشار الأسد، ومُضي سنة وعدة أشهر على فريق الرئيس أحمد الشرع في السلطة، وفي ظل غياب مشروعٍ واضح لدى السلطة لإدارة البلاد وإيصالها إلى مرحلة التعافي، ظهرت الحاجة إلى "المشروع الوطني السوري" ليضع البلاد على المسار الصحيح الذي يفضي إلى إعادة بنائها على أسس جديدة مخالفة لما كانت عليه زمن الأسد. وتعدّ عملية تأسيس هذا المشروع إشكالية، لأن قوى المجتمع التي من المفترض أن تتنطع لمهمة صياغته، هي نفسها بحاجة إلى إعادة بناء كياناتها. فإعادة البناء هذه ضرورية لها من أجل الخروج بمظهر جديد ورؤى مختلفة وأهداف واضحة، تدفع أبناء المجتمع للتفاعل معها والمساهمة في جهدها لصياغته، وطرحه أمام الجمهور الواسع وعلى السلطة الحالية، علَّها تتبنى ما يطرحه من برامج، لكي تُتاح للجميع المساهمة والمشاركة في عملية إعادة البناء، إذا ما انطلقت.
واستناداً إلى ذلك، بات من الضروري بداية، إعادة الاعتبار لموضوع المشروع الوطني السوري بعدما ناله من حيف، هو وعدد من القضايا التي لا يمكن للبلاد المضي في الإصلاحات وبناء المؤسسات من دون إعادة العمل بهديها وبموجب متطلباتها. ومن تلك القضايا، المصالحة الوطنية التي نادراً ما يجري التطرق إليها، على الرغم من أهميتها القصوى في مستقبل سوريا الخارجة من حرب، جعلت كثيراً من الأمراض الطائفية والاجتماعية والسياسية تتغلغل داخلها، وساهمت في تفتيت بناها المجتمعية. كذلك هناك موضوع الحوار الوطني الذي يتطلب مؤتمراً وطنياً دائم الانعقاد، وهناك قضية محاربة الفساد التي تحتاج لهيئة خاصة وقوانين مناسبة. كما أن لدينا الاستجابة لتضحيات أبناء البلاد في التأسيس لدولة المواطنة، وتبنّي عقد اجتماعي جديد، والعمل بمبدأ العدالة الانتقالية التي يجري التقليل من شأنها، من أجل وقف التداول بها والكف عن المطالبة بتطبيقها، على الرغم من ضرورتها لإنجاز أي تسوية سياسية، كونها الشرط الأهم للوصول إلى الاستقرار المنشود في البلاد.
كما تبزر الضرورة لهذا المشروع، لكي يكون جامعاً للسوريين، على مختلف مشاربهم وتنوعهم السياسي والديني والعرقي. كذلك جامعاً للسوريين في الخارج، هذا الخارج الذي صار أشبه بالشتات، بسبب عددهم الذي تعاظم نتيجة حرب نظام بشار الأسد على الشعب السوري، وهو الشتات الذي يتوقون لمغادرته، ويمكن أن يغادروه والعودة إلى بلادهم حين يجدون الوقت المناسب لذلك، من أجل إعادة تكوين معيشتهم في أرضهم وبين أحبتهم. فجهد هؤلاء جميعاً ضروري ليساهم في صياغة أوجه هذا المشروع الوطني وبرامجه، بالتضافر مع قوى المجتمع السوري السياسية والاجتماعية الحاملة للمشروع، والمتوافقة على برنامجه السياسي وأهدافه الوطنية.
أما لماذا يعد المشروع الوطني السوري ضرورياً في هذه الفترة بالذات؟ لأن صوغ مشروع كهذا يعدّ الاستجابة الأولية من مختلف أبناء المجتمع، قبل السلطة، للتحديات الكبيرة، من أجل تحقيق مطالب السوريين المظلومين، وهم أصحاب المصلحة الحقيقية لأي بناء أو إعادة بناء. هؤلاء أبناء الشعب السوري بمختلف أطيافهم الذين يوحدهم، في هذه الأيام، واقعٌ لا يمكن إنكاره، هو واقع الفقر الذي وصل إلى مراحل جعلت السوريين تحت رحمة ما يسمى "سلاسل الجوع"، نتيجة تحويل الخدمات الأساسية التي كانت تقدمها الدولة إلى سلع تدر المال والأرباح لصناديقها، بعدما كانت هذه الخدمات شبه مجانية، وكانت الدولة الحصن الذي يحمي المواطن من تلاعب الصناعيين والتجار بأسعار السلع، فتحولت هي نفسها تاجراً يراكم الأرباح من بيع السوريين ثرواتهم التي تُعدّ حقاً لهم، من المفترض أن يتمتعوا بمنافعها، ما بقوا على أرض بلادهم، ينتجون ويتعبون.
ولماذا هذا المشروع في هذه الفترة؟ لكي يوقف التدهور الحاصل في المجتمع السوري، والذي تتعدد العوامل، وتكثر الأيادي التي تحاول زيادة الانقسام فيه. لقد أضاع كثيرون من المثقفين والأكاديميين والإعلاميين والصحافيين وأصحاب الشأن العام، ممن يصنفون نخبةً، خلال السنة الفائتة البوصلة، ففقدوا قدرة التوجه، نتيجة انزلاق أرجلهم في وحول الطائفية والعنصرية، من دون أن يحاولوا الخروج من تلك الأوحال التي تسبب بها أفراد جاهلون، عبر ممارسات وانتهاكات وتحريض طائفي وعنصري، في ظل غياب دور الدولة في المساءلة والعقاب.
وكان من المستغرب، وجود وجهين وتوجهين للكثيرين من العاملين في الشأن الثقافي والإعلامي والصحافي، وجهٌ على صفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، ينشرون فيه كتابات يظهر فيها توجههم ونزعات الطائفية والكراهية التي لم يستطيعوا مداراتها، إضافة إلى استسهالهم التحريض. ووجهٌ آخر مناقض، يظهرون فيه عبر كتاباتهم الرزينة التي تراعي محددات الصحف التي تمنع نشر الخطاب الطائفي والتحريضي، بل وأحياناً عبر تلك الدوريات التي تحمل رسالة العقلانية والعلمانية والمواطنة والمدنية. فأي وجهٍ منهما سنصدق كلماته ونتأثر برسائله التي يحملها، الوجه العقلاني، أم الوجه الطائفي التحريضي؟ تلك معضلة كبيرة، لا يعرف هؤلاء مدى خطورتها، نتيجة تأثر جمهور واسع بما يكتبون، هذا الجمهور الذي يصنفهم نخبة يمكن الاقتداء بها، وبالتالي يمكن تنفيذ ردود الأفعال في العالم الافتراضي، على الأرض، ما يؤدي إلى توتير الأجواء في الأحياء وربما في المدن، وإعطاء دفعٍ لكرة ثلج الكراهية التي لا تحتاج سوى إلى دفعة صغيرة لكي تكبر.
ربما في سياق هذا المشروع، يُعدّ التواصل والتلاقي والحوار، من أهم العوامل للمساهمة في تشكيل الوعي من جديد، بعدما شابه الكثير من الشوائب التي ظهرت نتيجة سنوات الحرب والتطييف والتحريض، ونتيجة سنوات من التباعد والتنافر ومحاولات زرع التفرقة بين أبناء البلاد، علاوة على الانعزال داخل الكانتونات المصطنعة فزيائياً وافتراضياً. وفي ظل الحاجة إلى إعادة تشكيل البنى المجتمعية وزيادة صلابتها، تبرز الحاجة إلى هذا المشروع لكي يكون له دور في تفتيت بنىً أخرى، إنها البنية الاستبدادية التي تشققت بعد الثورة، ثم تصدعت بعد سقوط الأسد، لكن تبين أنها لم تنهَر بانهياره، وباتت بحاجة إلى مطارق قوية، تطرق مواطن الخلل فيها لتسرِّع في انهيارها، قبل أن يقسو ظهرها من جديد، وتتجذر في هذه البلاد التي ضحّى أهلها وعانوا الكثير خلال ثورتهم للتخلص منها، ومنع أي سبيل لعودتها.




