في جولة جديدة من المفاوضات التي تجري اليوم الثلاثاء في جنيف بوساطة عُمانية، ستضع إيران جميع أوراقها الاقتصادية على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، وذلك بهدف إغراء ترامب لمنع نشوب حرب قد تكون لها أبعاد وعواقب مدمرة محتملة.
لقد أظهرت تجربة فشل الاتفاق النووي الإيراني مع مجموعة (5+1) الذي أُبرم عام 2015، أنه لا يمكن لأي اتفاق بين إيران والولايات المتحدة أن يكون مستداماً ما لم يضمن المصالح الاقتصادية الأميركية. وكان الرئيس دونالد ترامب نفسه قد أوضح في ولايته الأولى، قبل الانسحاب من هذا الاتفاق، أن الاتفاق لم يحقق أي مكاسب لأميركا وأن الشركات الأميركية لم تستفد من منافعه.
في فترة ولاية ترامب الأولى، كانت أمام إيران فرصة لتصحيح وتعديل مسار تنفيذ الاتفاق النووي بقبول دعوة ترامب، لكنها بدلاً من أن تأخذ الرئيس الأميركي على محمل الجد وتدخل معه في مفاوضات وتصل لاتفاق، اختارت طريق المقاومة والاعتماد على القانون الدولي والالتزام بالتعهدات المنصوص عليها في الاتفاق النووي. في هذا المسار كان النظام الإيراني واثقاً من أنه بدعم من أوروبا والصين وروسيا، سيكون قادراً على تحييد العقوبات الاقتصادية، خصوصاً المصرفية الأميركية، وأن يُبقي أبواب إيران مغلقة في وجه الأميركيين.
تم اتخاذ سياسة إبقاء الاقتصاد الإيراني مغلقاً أمام الولايات المتحدو بعد الاتفاق النووي لعام 2015، على أعلى المستويات في النظام. فعلى الرغم من تفاؤل حكومة حسن روحاني بأنه مع تحقيق الاتفاق النووي قد انفتحت صفحة جديدة في العلاقات الإيرانية-الأميركية، وبناءً على هذا التفاؤل قامت بعقد شراء 180 طائرة مدنية من شركة بوينغ، إلا أن المرشد علي خامنئي شكّك في جدوى هذا الإجراء خلال خطاب علني. وبالرغم من أن أسطول النقل الجوي الإيراني كان منهكاً جداً بسبب العقوبات الأميركية وكان بحاجة ماسّة للتحديث، إلا أنه أنكر ضمنياً الحاجة إلى هذا العدد الهائل من الطائرات الجديدة.
قال خامنئي إن المسؤولين الأميركيين في الاتفاق النووي الشامل مع إيران، كانوا يهدفون إلى شق طريق للنفوذ في هذا البلد. لكنه شدد قائلاً: "سنغلق هذا الطريق بشكل قاطع". وفي خطاب ألقاه في 17 آب/أغسطس 2015، قال السيد خامنئي: "لن نسمح بالنفوذ الاقتصادي لأميركا في البلاد ولا بالنفوذ السياسي ولا الثقافي. سنواجه هذا النفوذ بكل قوتنا". وأضاف أن الأميركيين يسعون للنفوذ في المنطقة ويريدون متابعة أهدافهم لكنه قال: "لن نسمح بذلك". كما قال إن الجمهورية الإسلامية ستدافع عن "المقاومة في المنطقة والمقاومة الفلسطينية"، وتابع: "سنقدم كل أنواع الدعم الممكن لنا لمن يحارب إسرائيل ويسحق الكيان الصهيوني ويؤيد المقاومة".
الآن، وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على هذه التصريحات وفيما الجمهورية الإسلامية التي لم تعُد تملك أوراقها الرابحة الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط، حلّت مجدداً ساعة المفاوضات، وهذه المرة لن تقتصر على الموضوع النووي فحسب، بل تشمل استثمارات واسعة النطاق في قطاعات الغاز والنفط والصناعات الأخرى تتطلب الترحيب بالشركات الأميركية. تحاول إيران الآن أن تطمس ذكرى المواقف الحادة للمرشد في 2015، تجاه الاستثمار الأميركي، بل وتنكرها نوعا ما.
صرّح وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي في 30 كانون الثاني/يناير الماضي، في مقابلة مع "سي إن إن ترك"، بأن التعاون الأميركي في الحقول النفطية، يمكن أن يكون أحد الخيارات، إذا تمكنا من حلّ القضايا النووية والتوصل إلى اتفاق جديد قائم على برنامج نووي سلمي ورفع العقوبات، عندها يمكن أن تتشكل تبعات مثل التعاون في مجال الطاقة ومشاريع تقوم على المصالح المشتركة. وأضاف "نحن لم نقصِ أميركا أبداً من مشاريعنا الاقتصادية".
يُذكر أن عراقجي كان في عام 2015 كبير المفاوضين الإيرانيين ونائب وزير الخارجية، ومن المؤكد أنه كان على علم بموقف خامنئي. يعلم عراقجي أنه بعد إبرام الاتفاق النووي، بقيت أميركا وحدها خلف أبواب إيران، لكن يبدو ان أوضاع إيران في عام 2026 تختلف جوهرياً عن إيران عام 2015، فالنظام الإيراني اليوم يحارب من أجل البقاء وليس لديه خيار سوى التراجع عن بعض مواقفه السابقة.
اليوم، حاملات الطائرات الأميركية استقرت قرب إيران وهي على أهبة الاستعداد للهجوم. والعقوبات الاقتصادية تسببت في سخط شعبي واسع واحتجاجات داخلية. والإيرانيون المقيمون في بلدان الاغتراب يقومون بمسيرات واسعة دعما لنجل الشاه المخلوع، رضا بهلوي، والحلفاء الإقليميون إما سقطوا أو أُضعفوا. وفي هذه الظروف "هل من غير الممكن تبرير صفقة مع الشيطان الأكبر للحفاظ على بقاء النظام؟"، يبدو أن مثل هذه الصفقة قابلة للتبرير والتفهم. وترامب الذي شلّ دورة تخصيب اليورانيوم الإيرانية إلى حد كبير بضرب منشأة "فوردو"، يسعى الآن لتحقيق إنجاز سياسي واقتصادي كبير للولايات المتحدة. إبعاد إيران عن النفوذ الصيني وضمان أمن إسرائيل وإدخال الشركات الأميركية إلى الاقتصاد الإيراني إذا حدث، سيكون إنجازاً تاريخياً لترامب.




