خرجت سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقراراته، تجاه حلفاء بلاده، عن الخطّ التاريخي المألوف الذي سار عليه المؤسِّسون والرؤساء المتعاقبون، إلى حدّ أنّ أصدقاء واشنطن قبل خصومها باتوا يرونها خطرًا وتهديدًا كبيرًا لبلادهم، وفي مقدّمتهم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي أطلق جرس الإنذار من على منصّة مؤتمر دافوس الشهر الماضي، موجّهًا نداءً إلى ما وصفه بـ"القوى المتوسطة" لحماية مصالحها الخاصة، في وقت تعمل فيه القوى العظمى، وخصوصًا الولايات المتحدة، على الإطاحة بالنظام الدولي القائم على القواعد، واستبداله بآخر تقوم أسسه على منطق الصفقات والقوّة الساحقة والابتزاز.
أمّا الشواهد فعديدة، ولا تقتصر على غزو روسيا لأوكرانيا، ومحاولات بكين فرض سيطرتها على بحر الصين الجنوبي، بل وصل الأمر إلى مجاهرة ترامب علنًا بضمّ غرينلاند وفرضه تعريفات جمركية عقابية على أقرب أصدقاء بلاده.
من هي القوى المتوسطة، وما إمكاناتها البشرية والمالية؟
في الحقيقة، عند الحديث عن هذه القوى لا نعني بذلك دول القارّة الإفريقية، أو بلدان جنوب شرق آسيا كالهند وباكستان وماليزيا أو إندونيسيا — فجميعها لا تشترك بالكامل في الرؤية السياسية والقيمية الغربية، وترفض الالتزام الجماعي الصارم ضدّ روسيا أو الصين، كما تفضّل الاستقلالية الاستراتيجية على التحالفات الصلبة — إنّما نقصد بذلك الأعضاء غير الأميركيين في حلف شمال الأطلسي (أوروبا وكندا)، إضافة إلى الديمقراطيات الكبرى في شرق آسيا وأوقيانوسيا: أستراليا، واليابان، ونيوزيلندا، وكوريا الجنوبية، وتايوان.
ضع في اعتبارك أنّ هذه البلدان تمتلك إمكانات بشرية واقتصادية هائلة، بحيث لو تحالفت معًا ووضعت إطارًا تعاونيًا مشتركًا، لأضحت قوّة عظمى بحدّ ذاتها. فمجموع سكّان هذه "الكتلة الأوراسية" (الموزّعة دولها بين أوروبا وآسيا) يُقدَّر بنحو 900 مليون نسمة، فيما يصل ناتجها المحلي الإجمالي إلى 39.5 تريليون دولار، بحسب الموقع الرسمي لـ(CIA).
وفي حين يبلغ إنفاقها الدفاعي نحو 830 مليار دولار، لدى هذه القوى ما يقارب 3.1 ملايين جندي. وهذا يفوق بكثير عدد سكّان الولايات المتحدة (338 مليون نسمة) وناتجها المحلي الإجمالي (31 تريليون دولار). والمثير أنّ إنفاقها الدفاعي يتساوى تقريبًا مع الميزانية العسكرية الضخمة لواشنطن (850 مليار دولار هذا العام)، والأرقام هنا تعود إلى مكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي.
صحيح أنّ الصين تمتلك بالتأكيد عددًا سكانيًا أكبر، لكنها تعاني من فجوة واضحة في باقي عناصر القوّة مقارنةً بمجموع قدرات هذه القوى، إذ يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو نصف ناتج الكتلة الأوراسية. أمّا روسيا فتأتي في المرتبة الدنيا، كون ناتجها المحلي الإجمالي لا يتجاوز 2.5 تريليون دولار، وهو أصغر بكثير من ناتج ولاية كاليفورنيا.
التحالفات الجديدة للقوى المتوسطة والابتعاد عن أميركا؟
بمعزل عن جدّية أو قرب نشوء هذه الكتلة، بدأت الدول الغربية بالابتعاد فعليًا عن الولايات المتحدة بسبب سياسات ترامب، فعمدت إلى إبرام اتفاقات تجارة حرّة لتقليل اعتمادها على واشنطن. ولهذه الغاية، عقد الاتحاد الأوروبي معاهدات تجارية مع الهند وخمس دول في أميركا الجنوبية، وبالمثل دخلت كندا في شراكات تجارية أكثر محدودية مع الصين وقطر.
إلى جانب تلك الخطوات، لا تزال هناك فرص كبيرة لتعزيز التجارة بين أوروبا وآسيا. من هنا، يدعو كارني إلى ربط الشراكة العابرة للمحيط الهادئ بالاتحاد الأوروبي، ممّا سيخلق كتلة تجارية جديدة تضمّ 1.5 مليار نسمة.
التعاون العسكري بين قوى التحالف؟
عمليًا، لا توفّر الدول الأوراسية أيّ جهد لتطوير قدراتها الدفاعية بغية عدم الاعتماد على الولايات المتحدة المتقلّبة. وترجمةً لهذه الاستراتيجية، تضاعف الإنفاق الدفاعي الأوروبي تقريبًا خلال العقد الماضي، ولا يزال في ازدياد. وتطبيقًا لهذا الهدف، من المتوقّع أن تنتج الشركات الألمانية قريبًا قذائف مدفعية عيار 155 ملم سنويًا، أكثر ممّا تُنتجه الولايات المتحدة بأكملها وفقا للواشنطن بوست
وفي السياق نفسه، برزت دعوات أوروبية للاستفادة من الجيش الأوكراني المُجرَّب في المعارك، واستغلال قوّة طائراته المسيّرة ذات المستوى العالمي، كون هذه الإمكانات ستُشكّل ركيزة أساسية للدفاع الأوروبي لعقود قادمة.
ومع أنّ أوروبا تمتلك صناعة دفاعية متقدّمة، فإنّ بلدانها تعتمد أيضًا بشكل كبير على مصانع كوريا الجنوبية. فبولندا، على سبيل المثال، تشتري دبابات ومدافع من طراز "هاوتزر" وطائرات مقاتلة من كوريا الجنوبية. وبدورها، قرّرت النرويج أخيراً إنفاق ملياري دولار لشراء مدفعية صاروخية بعيدة المدى من كوريا الجنوبية، ودائمًا بحسب صحيفة "واشنطن بوست".
اللافت للانتباه أنّه في أعقاب تهديدات ترامب لأوروبا وكندا، سرّع حلفاء واشنطن جهودهم لتقليص اعتمادهم على أنظمة السلاح الأميركية، فكندا تناقش هذه الأيّام شراء عدد أكبر من طائرات "غريبن" السويدية وعدد أقلّ من طائرات "إف-35".
ماذا عن التحدّيات؟
في الواقع، إن المشكلة الأساسية التي تواجه هذه القوى المتوسطة هي أنّها غير متّحدة. فأوروبا تتكوّن من دول كثيرة، وكلّ واحدة منها تنتهج سياسات شبه مستقلّة تقريبًا، لذلك لا تُستخدم إمكانات أوروبا بشكل منظّم وقوي.
في المقابل، فإنّ كلّ دولة من الدول الديمقراطية في آسيا ترتبط بعلاقة خاصة مع أميركا، والأنكى أنّها لا تتعاون كثيرًا فيما بينها. رغم ذلك، يمكن لبلدان هذه القوى المتوسطة أن تقوم بخطوات بسيطة ومهمّة تساعدها على العمل معًا بشكل أفضل وأكثر تنسيقًا.
في المحصّلة:
لا يمانع أنصار شعار "أميركا أولًا" أن يختار حلفاء الولايات المتحدة طريقهم الخاص، غير أنّ النتائج قد لا تكون مُرضية للأميركيين. فإذا أصبح أصدقاء الولايات المتحدة أقلّ اعتمادًا عليها في التجارة والأمن، حينها ستواجه واشنطن مصاعب أكبر في إخضاعهم، وبالتالي قد يقلّلون تعاملاتهم التجارية معها. أمّا الأهمّ، فإنّ أميركا قد تخسر حينها حتّى القواعد الخارجية التي تستخدمها لتكريس قوّتها عالميًا.




