مُلتقى التعاون العربي مع الهند.. فائدة للمستقبل

ناصر زيدانالسبت 2026/02/14
Image-1770998186
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

لقاء وزراء خارجية الدول العربية أو ممثليهم مع القيادات الهندية في نيودلهي (30 و31 كانون الثاني/يناير 2026) مُنطلقاً واعداً لتعاون له أبعاد استراتيجية، وهو الثاني بعد انقطاع عشر سنوات عن المؤتمر المُماثِل الأول الذي انعقد في مدينة المنامة عام 2016، لكن الزيارات والمؤتمرات المُتخصصة بين دول من الجامعة والهند لم تنقطع، وهي شملت توقيع اتفاقيات تجارية مختلفة، ووضعت برامج ثنائية مشتركة في المجالات الثقافية والعلمية والسياحية. والطرفان راغبان في تعزيز العلاقات. وهذه العلاقات لا تُثير أية إلتباسات، وقائمة على أساس المنفعة المشتركة بين أمتين جارتين، وتفعيل الشراكة ليس موجهاً ضد أحد.

 

رئيس وزراء الهند نارندرا مودي الذي اجتمع بالمشاركين في الملتقى؛ أعرب عن ثقة واضحة بأن العلاقات بين الجهتين اللتين تربطهما علاقات جيرة تاريخية، قادرةٌ على إنتاج فوارق هامة في النواحي التكنولوجية والابتكار والطاقة، وفي تفعيل التجارة البينية والدولية، والارتقاء إلى مستويات متقدمة تخدم شعوب الهند والعالم العربي، وللتعاون فائدة عالمية جامعة. بينما أكد أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط في اللقاء مع مودي، وجود رغبة جامعة لدى 22 دولة عربية بتطوير الصداقة مع الهند، وتأطير العلاقات في مختلف النواحي.

 

من الواضح أن العلاقات بين الدول الخليجية العربية والهند مُتقدمة جداً، ولها خصوصياتها الوازنة، وهذه الدول تستضيف ما يقارب الـ9 ملايين من الوافدين الهنود يعملون في مختلف القطاعات، بينما التبادل التجاري والسياحي بينهم كبيرٌ جداً، نظراً للتقارب الجغرافي بين الجهتين، ولأن قواعد التعاون مبنية على أساس من الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة، ومن دون مُقيدات تحالفية قد تثير حساسيات إقليمية أو دولية. وخصائص الجانبين العربي والهندي تبقى مُلكاً لهما، ولا يتدخَّل أي طرف منهما بالشؤون الداخلية للطرف الأخر.

 

وقفت الهند إلى جانب القضايا العربية العادلة طيلة ما بعد تحررها من الاستعمار في العام 1947، وكانت رائدة في إرساء قواعد عدم الانحياز الدولي أيام الاستقطاب القطبي الثنائي قبل العام 1990، وهذه الميزة أعطت دفعاً للعلاقات العربية-الهندية على المستويات كافة، خصوصاً في السياق الدبلوماسي، وفي المنتديات الدولية، وفي أروقة هيئة الأمم المتحدة. والبحث بضرورة تطوير قواعد العمل في مجلس الأمن الدولي؛ كان يلقى قبولاً مشتركاً بين الجانبين، بحيث تفهّم الجانب العربي لمطلب زيادة عدد العضويات الدائمة في المجلس لتشمل مقعداً للهند، كما تفهَّم الجانب الهندي للحق العربي بعضوية دائمة كاملة الصلاحية في المجلس أيضاً.

 

في أجواء السخونة الدولية الراهنة تبرز أهمية التفاهمات الإقليمية كضمانة لعدم انفلات الوضع إلى فوضى كبيرة، لا سيما في ظل أجواء شديدة التوتر تُلقي بتبعاتها السلبية على الاستقرار العام. والهند نقطة ارتكاز على المستوى الإقليمي وفي السياق الدولي، ولها تأثيرات وازنة في أكثر من ملف ساخن، كما أنها تُعتبر في صلب الحراك الذي تقوده مجموعة دول العشرين (أكبر الاقتصادات العالمية)، وهو أدى للتفاهم عام 2023 حول إطلاق خط النقل الذي يصل بين الهند وأوروبا عبر دول الخليج العربي، وللهند دور أساسي في المباحثات التي تجري ضمن مجموعتي دول "بريكس" و"شنغهاي" لإنتاج نظام جديد للتعاملات التجارية العالمية، ولدى الفريقين العربي والهندي بعض الاختلاف في التوجهات الدولية، وفي العلاقة مع إسرائيل، لكن هذا الاختلاف محكوم بسقفٍ مُحدَّد، ولا يُفسِد الودّ القائم.

 

والهند التي تربعت على عرش أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، لديها مقومات تقنية وعلمية وإنتاجية كبيرة، وقد برزت في المدة المُنصرمة من بين أهم الدول التي تتعاطى في مجال تحويل المشتقات النفطية، وإعادة تصديرها، بينما تنامى منسوب إنتاجها للطاقة الكهربائية المُتجدِّدة بشكلٍ واسع، لا سيما من خلال توفير جزء كبير من حاجاتها الكهربائية من خلال تقنية الألواح الشمسية ومراوح الهواء الضخمة ومن المياه الجارية.

والعالم العربي المُتربع على أهم جغرافيا سياسية؛ يُعتبر مكاناً مثالية للاستثمار، وهو سوق استهلاكية هائل مكون من ما يُقارب الـ500 مليون شخص، وهو بالتحديد مصدر للطاقة الأحفورية التي تحتاجها نيودلهي، ومستورِد لبعض الإنتاج الهندي، خصوصاً الزراعي والتكنولوجي. واليد العاملة الهندية تستفيد من فرص العمل العربية، وهناك تقارب ثقافي موروث بين الشعبين اللذين اعتادا على بعض القيم المشتركة منذ القِدم.

 

الملتقى العربي – الهندي على مستوى وزراء الخارجية الذي انعقد في نيودلهي، أعطى صورة عن سياقات هادئة من التعاون المشترك، بعيداً عن ضجيج الاستقطابات المحورية الدولية القائمة، وهو يُنشد السلام والاستقرار لمنطقة غرب آسيا التي تحفل بتوترات كبيرة ومُقلِقة، وقد أكد المجتمعون حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة، وعلى تأييد المبادرة العربية للسلام التي أطلقتها قمة بيروت العربية للعام 2002. ومن أبرز مقررات الملتقى أيضاً؛ الدعوة إلى حلّ النزاعات الإقليمية والدولية عن طريق الحوار بعيداً عن استخدام لغة العنف، ومن دون استعمال السلاح الفتاك الذي قد يُهدِد مستقبل البشرية جمعاء.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث