في بداية تعزّز اليمين المتطرف داخل الليكود وإسرائيل عموماً

انطوان شلحتالسبت 2026/02/14
نتنياهو الكنيست.jpg
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

تُجسّد انتخابات الكنيست الإسرائيلي الثامن عشر، التي جرت في شباط/فبراير 2009، وما أعقبها من تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الثانية، لحظةً فاصلة كرّست الصعود المتراكم لليمين الإسرائيلي، لا بوصفه تحوّلاً انتخابياً عابراً، بل كنتيجة لمسار سياسي واجتماعي تعزّز خلال عام 2008 في ظل أزمة قيادة، وحروب إقليمية، وانهيار ما تبقّى من "مشروع التسوية" مع الفلسطينيين. فقد أسهمت استقالة رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت على خلفية قضايا الفساد، وفشل حزبه "كاديما" في الحفاظ على الحكم، وصعود قوى يمينية وقومية متشددة داخل الليكود وخارجه، في إعادة رسم الخريطة الحزبية لمصلحة اليمين، بالتوازي مع تراجع حاد لليسار الصهيوني وتآكل مصداقيته. وكانت المؤشرات واضحة إلى انتقال مركز الثقل السياسي الإسرائيلي نحو مقاربات أكثر تشدّداً، تتجاوز خطاب اليمين التقليدي. فالمحصلة العامة لنتائج الانتخابات الإسرائيلية (في 10 شباط/ فبراير 2009)، وما ترتب عليها من تأليف حكومة بنيامين نتنياهو الثانية، كانت تنطوي على ترجمة عملية ملموسة لحدث شكّل أحد الأحداث الأساسية في المشهد السياسي والحزبي الإسرائيلي خلال عام 2008، وهو تصاعد قوة اليمين الإسرائيلي، وازدياد تأثيره في جدول الأعمال العام، وتعزّز المؤشرات إلى عودته لتسلم زمام الحكم. وقد أبانت استطلاعات الرأي العام عن هذه المؤشرات فور أن بدأ التداول في مسألة احتمال إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، في أعقاب إعلان أولمرت، استقالته من منصبه في 21 أيلول/ سبتمبر 2008، مدفوعاً بسبب مباشر هو اتهامه بـ"قضايا فساد من العيار الثقيل".

انعكس تصاعد قوة اليمين في المجتمع الإسرائيلي، خلال عام 2008، في نجاح حزب الليكود في أن يلملم أشلاءه، التي تبعثرت في الانتخابات العامة في عام 2006 (هبط تمثيله في الكنيست في إثرها إلى اثني عشر مقعداً)، وذلك عقب انشقاق رئيس الحكومة السابق أريئيل شارون عنه وإقامة حزب كاديما، وأيضاً عقب تنفيذ خطة الانفصال أو فك الارتباط الأحادية الجانب مع غزة (في عام 2005)، ونجاحه في أن يفوز بسبعة وعشرين مقعداً في انتخابات 2009.

 

صعود ليبرمان ومتطرفي الليكود

فيما يلي سوف تُستعرض الخلفية المباشرة التي سبقت عودة نتنياهو حينذاك، وتحديداً ولاية إيهود أولمرت، وأوضاع أحزاب المعسكر المسمى الوسط واليسار الصهيوني. في هذا الإطار، صعد نجم حزب "إسرائيل بيتنا" ورئيسه أفيغدور ليبرمان، إذ فاز في انتخابات 2009 بخمسة عشر مقعداً وبمكانة الحزب الثالث قبل حزب العمل التاريخي. وتعزّز نزوع حزب شاس نحو حسم مواقفه السياسية إلى ناحية اليمين. وقد كانت مواقف شاس السياسية خلال عام 2008، بالإضافة إلى مواقف حزب "إسرائيل بيتنا"، هي التي وضعت حدّا لحكومة أولمرت وحسمت مسألة الذهاب إلى انتخابات مبكرة، بعدما أدّت إلى فشل رئيسة كاديما الجديدة، تسيبي ليفني، في تأليف حكومة جديدة تحمل صفة الاستمرارية لحكومة سلفها، بعد انتخابها في 17 أيلول/ سبتمبر 2008 رئيسة لحزب كاديما.

ضمن هذه الظروف، فإن تعجيل انصراف حكومة كاديما- العمل، حكومة أولمرت، جاء على خلفية سياسية محضة، حتى وإن كان السبب المباشر الذي وقف وراء استقالة رئيسها هـو الفسـاد السلطوي، من دون أن يعني ذلك أن هذه الحكومة انتهجت في الواقع العملي سياسة تفضي إلى التسوية، أو إلى "تقديم التنازلات" بلغة اليمين الإسرائيلي. وبالتالي فإن هذا الانصراف يعكس، في الآن ذاته، تصاعداً في قوة ونفوذ اليمين الإسرائيلي.

هنا، كانت نتائج الانتخابات الداخلية في الليكود، التي جرت في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2008، قد أظهرت أن النجاح كان من نصيب القوى الأكثر تطرفاً في هذا الحزب اليميني. وانعكس ذلك، أساساً، في نجاح خصم رئيس الليكود، بنيامين نتنياهو، داخل الحزب وزعيم جناح "قيادة يهودية" الأكثر تطرفاً في الليكود، المستوطن موشيه فايغلين، في أن يحلّ في المكان العشرين المضمون بحسب استطلاعات الرأي العام، وهو ما يعتبر خسارة لنتنياهو الذي حاول حينذاك إبعاده عن عضوية الكنيست كي لا تظهر قائمة الحزب متطرفة. ولفتت صحيفة هآرتس (9/12/2008) إلى أن مركزية نتنياهو في الليكود قد انهارت في أعقاب عدم انتخاب شخصيات كان قد أوصى بانتخابها في أماكن متقدمة. وفي مقابل ذلك احتل من كانوا يُعرفون بـ "متمردي الليكود"، الذين عارضوا الانسحاب من قطاع غزة في إطار خطة فك الارتباط (2005)، أماكن متقدمة في قائمة المرشحين. 

وقد هاجمت قيادات الأحزاب المنافسة لليكود، وخصوصا كاديما والعمل وميرتس، الليكود ووصفت قائمة مرشحيه الجديدة بأنها "يمينية متطرفة". وقال عضو الكنيست تساحي هنغبي من حزب كاديما، والرئيس السابق لمركز حزب الليكود، إن "نتنياهو عرض قائمة يمينية متطرفة، ولم يعد متمردو الليكود متمردين وإنما أصبحوا هم المسيطرون". 

وكتبت محللة الشؤون الحزبية في صحيفة يديعوت أحرونوت، سيما كدمون، في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2008، أن "نتنياهو كان يتطلع إلى عرض قائمة متزنة، أي ذات مزيج من اليمين واليسار، وذات شخصيات معروفة وجديدة. وبالأساس كان يتطلع إلى إبقاء فايغلين ومؤيديه خارج القائمة. لكن تم خرق هذا التوازن".

 

صعود أولمرت

وازدياد قوة المعسكر المغالي في الليكود، وفي اليمين عموماً، سبقته ولاية أولمرت التي كانت صاخبة بالأحداث، بدءاً من صعود حركة حماس إلى الحكم، مروراً بـ "حرب لبنان الثانية" (2006) ومحاولة انتزاع شرعيته من جرائها، وبعدها السعي للتوصل إلى اتفاق دائم مع الفلسطينيين واستئناف محادثات السلام غير المباشرة مع سورية، وانتهاء بتحقيقات جنائية ضده بشبهة ارتكاب مخالفات فساد خطرة أدت إلى إعلانه الاستقالة. 

غير أنه خلال فترة تولي رئاسة الحكومة الانتقالية، التي استمرت أكثر من نصف عام على مدار الفترة من 21 أيلول/ سبتمبر 2008 إلى 31 آذار/ مارس 2009، اتخذ أولمرت عدداً من القرارات المصيرية، كان أهمها القرار بشنّ الحرب على غزة، التي أعادت خلط أوراق كثيرة. 

لقد بدأ أولمرت ولايته في رئاسة الحكومة الإسرائيلية قائماً بأعمال رئيس الحكومة السابق أرييل شارون، في 4 كانون الثاني/ يناير 2006، بعدما تم إدخال شارون على عجل إلى المستشفى بسبب إصابته بجلطة دماغية حادة جعلته يغط في غيبوبة عميقة لم يفق منها. وبعد ثلاثة أسابيع من توليه منصب رئيس الحكومة بالإنابة، جرت الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 25 كانون الثاني/ يناير 2006 وأسفرت عن فوز حركة حماس بالعدد الأكبر من المقاعد في المجلس التشريعي الفلسطيني. وكان هذا أول حدث تعيّن على أولمرت مواجهته. وبعد ذلك رفضت إسرائيل الاعتراف بحكومة تشكلها حماس، إلا في حال اعتراف هذه الحركة بإسرائيل وبالاتفاقيات الموقعة بين الجانبين، وقيامها بنبذ العنف.

وفيما كان أولمرت يشغل منصب رئيس حكومة مؤقتة دخل في مواجهة مع المستوطنين بعدما أمر بإخلاء البؤرة الاستيطانية غير القانونية (بحسب التوصيفات الإسرائيلية) "عامونا" في الضفة الغربية.

وعندما تبين أن شارون لن يعود إلى وعيه وسيبقى غائباً عن الحلبة السياسية، ترأس أولمرت قائمة حزب كاديما في انتخابات آذار/ مارس 2006. وفاز هذا الحزب بتسعة وعشرين مقعداً في الكنيست، ما أتاح له إمكان تشكيل الحكومة الإسرائيلية، كونه أصبح رئيس أكبر الأحزاب الإسرائيلية.  وفي 4 أيار/ مايو 2006 أعلن أولمرت عن تشكيل حكومته (وهي الحكومة الإسرائيلية الحادية والثلاثون) من خلال التحالف مع أحزاب العمل وشاس والمتقاعدين (وقد انضم إليها، في وقت لاحق، في تشرين الأول/ أكتوبر 2006، حزب "إسرائيل بيتنا"). 

وبدأت ولاية هذه الحكومة وسط توقعات كبيرة داخل إسرائيل وخارجها. فمن جهة أولى خاض أولمرت الانتخابات ببرنامج سياسي مبني على "خطة الانطواء" (أو "خطة التجميع")، التي كان في صلبها تنفيذ انسحاب أحادي الجانب من معظم أراضي الضفة الغربية، و"إنهاء الاحتلال". ومن جهة أخرى سادت توقعات بأن حكومة أولمرت الجديدة جاءت مع "أجندة مدنية" على ضوء تعيين رئيس حزب العمل عمير بيرتس وزيراً للدفاع على الرغم من أنه يفتقر تماماً إلى الخبرة الأمنية والعسكرية.

 

انهيار خطة أولمرت

لكن بعد شهر ونصف الشهر من تشكيل الحكومة الجديدة وقع حدثان قلبا حسابات أولمرت رأسا على عقب: ففي 25 حزيران/ يونيو 2006 أسر مقاتلون من حركة حماس وفصيلين آخرين الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط واقتادوه إلى قطاع غزة. وفي 12 تموز/ يوليو 2006 أسر مقاتلون من حزب الله الجنديين الإسرائيليين إيهود غولدفاسر وإلداد ريغف واقتادوهما إلى لبنان. وعقب ذلك اندلعت "حرب لبنان الثانية". وأغارت الطائرات الحربية الإسرائيلية على لبنان ودمرت أجزاء واسعة منه، خصوصاً في جنوبه وفي معقل حزب الله في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، وقد أدت إلى مقتل أكثر 1200 لبناني. وفي المقابل أطلق حزب الله نحو 4500 صاروخ على شمال إسرائيل وصولاً إلى مدينة حيفا، أسفرت عن مقتل قرابة 50 مدنياً وألحقت بإسرائيل أضراراً كبيرة، كما قُتل 120 جندياً إسرائيلياً. وكشفت هذه الحرب، ضمن أشياء أخرى، عن نقطة الضعف الأساسية لإسرائيل، وهي الجبهة الداخلية المدنية التي لم تستعد إسرائيل من قبل لحمايتها.

أدت هذه الحرب إلى زلزال سياسي وعسكري في إسرائيل أسفر عن استقالة رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي دان حالوتس، في مطلع عام 2007 في أعقاب سلسلة تحقيقات عسكرية داخلية، وعن استقالة وزير الدفاع بيرتس في شهر نيسان/ أبريل 2007 في أعقاب صدور التقرير الجزئي للجنة فينوغراد، التي حققت في إخفاقات القيادة الإسرائيلية خلال الحرب وأكدت أن هذه القيادة "مُنيت بفشل ذريع في الحرب". وفي أعقاب هذا التقرير الجزئي تعالت أصوات أحزاب اليمين في إسرائيل مطالبة أولمرت بالاستقالة، ودعت تظاهرة جرت في تل أبيب وشارك فيها نحو 150 ألفاً إلى استقالته.  وأدت الحرب إلى أمر مهم آخر هو القضاء على "خطة الانطواء" وعلى فكرة الانسحابات الأحادية الجانب "كونها لم تحقّق الأمن لإسرائيل". 

من جهة أخرى، وخلال ولاية أولمرت "تحسنت" العلاقات بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية. وفي شهر آب/ أغسطس 2007 تم التوقيع على اتفاق لاستئناف التنسيق الأمني بين الجانبين، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2007 عقد مؤتمر أنابوليس في الولايات المتحدة والذي انطلقت منه المفاوضات على قضايا الحل الدائم بين الجانبين. 

في المقابل تواصل تصعيد التوتر بين إسرائيل وسوريا. ووصل التصعيد أوجه عندما أغار الطيران الحربي الإسرائيلي على موقع في دير الزور شمال شرق سوريا ودمره (في أيلول/ سبتمبر 2007). وادعت إسرائيل لاحقاً أن سوريا استخدمت هذا الموقع "لبناء مفاعل نووي بمساعدة كوريا الشمالية". 

لكن في أيار/ مايو 2008 صدرت بيانات عن ديوان أولمرت وديوان الرئيس السوري بشار الأسد وديوان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، تحدثت عن استئناف محادثات السلام غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل بوساطة تركية.

 

تمييع أهداف حكومة أولمرت

وفي خضم هذا الانفراج السياسي بين إسرائيل وسوريا كشفت النيابة الإسرائيلية العامة عن أنها تجري تحقيقاً مع أولمرت بشبهة حصوله على رشى مالية من المليونير الأميركي اليهودي موريس تالانسكي. وأوصت الشرطة الإسرائيلية النيابة العامة بتقديم لائحة اتهام ضده بشبهة ارتكابه سلسلة أعمال فساد.

كان المؤرخ والصحافي الإسرائيلي عاموس إيلون قد رأى أن أولمرت ربما يكون الزعيم الإسرائيلي الأكثر واقعية منذ عام 1967 (وهي رؤية يشاركه كثيرون فيها، بمن في ذلك ساسة وإعلاميون وأدباء من "اليسار الصهيوني")، غير أن وصوله إلى منصب رئيس الحكومة الإسرائيلية ربما يكون متأخراً جداً أيضاً. لكن في النهاية لن يُحاكم أولمرت على ميله إلى التوافق- وهو تعبير صار يستخدمه حتى "اليسار الصهيوني" بحذر- بل على أفعاله الحقيقية. فقد أمضى ولايته وهو يستمر في تأخير القيام بالإجراءات الضرورية: على الأقل إلغاء بعض القيود التي لا تحصى المفروضة على الفلسطينيين، ووقف توسيع المستوطنات، وتفكيك المئة وخمس بؤر استيطانية غير قانونية (بحسب التوصيفات الإسرائيلية). وقبل مؤتمر أنابوليس تعهد أولمرت بتجميد بناء مستوطنات جديدة. لكن هذا التعهّد أصبح خاوي المعنى بما أنّ الحكومة الإسرائيلية تستمرّ في توسيع مستوطنات قائمة في الضفة الغربية.

وبنظر المحلل السياسي الإسرائيلي ألوف بن، فقد سعى أولمرت وثاني وزير للدفاع في حكومته إيهودا باراك، إلى توسيع المستوطنات، خصوصاً تلك الواقعة داخل الكتل الاستيطانية والأحياء الاستيطانية في القدس الشرقية المحتلة، بشكل غير مسبوق. وعلى الرغم من تعهدات إسرائيل في خطة "خريطة الطريق" بإخلاء بؤر استيطانية غير قانونية إلا أن حكومة أولمرت- باراك لم تنفذ شيئاً منها.

وقال بن إن أولمرت اعتبر "الكتل الاستيطانية وكأنه تم ضمها فعليا إلى إسرائيل". (للتذكير: حصل شارون في نيسان/ أبريل 2004 على "رسالة الضمانات" من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، والتي تعهدت الإدارة الأميركية من خلالها بأن تعترف بضم الكتل الاستيطانية إلى إسرائيل عبر اتفاق دائم مع الفلسطينيين. وكان شارون قد تعهد للإدارة الأميركية بإزالة البؤر الاستيطانية لكنه لم يفِ بهذا التعهد. ومع استمرار التوسع الاستيطاني تغاضت إدارة بوش عن هذا النشاط الاستيطاني أو أنها اكتفت بانتقادات خجولة لإسرائيل).

لقد سبق لأكثر من دارس للسياسة الراهنة في إسرائيل أن اتفقوا على أنه منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية (في خريف 2000) انتقل المفهوم الإسرائيلي للصراع من محاولة تسويته، والتي بدأت موضوعياً بالتزامن مع عملية أوسلو في النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين الفائت، إلى عملية إدارة الصراع. وفيما كانت تسويته تستهدف التوصل إلى اتفاق على حل وسط بين الطرفين، فإن إدارته تُعتبر بمثابة خيار افتراضي، اضطراري، طالما أنه لا يمكن تسويته. وهي (إدارة الصراع) عملية تهدف بالأساس إلى الحدّ من "العنف" أو حتى وضع حدّ له، وذلك لضمان استئناف العملية السياسية.

وقد انطلق أولمرت من فرضيات أساس شبيهة بفرضيات شارون الأساس، وهي الفرضيات التي وقفت من وراء تنفيذ خطة الانفصال عن غزة في 2005، والتي تقضي بانعدام الفرصة لتسوية وإدارة مشتركة للصراع مع الفلسطينيين، وتقضي في الوقت ذاته باستحالة الحفاظ على الوضع القائم.

 

"ديماغوجية" كاديما وضعف اليسار

ارتباطاً بصعود اليمين، لجأ كثيرون من المحللين السياسيين في إسرائيل (على غرار ناحوم برنياع في صحيفة يديعوت أحرونوت، وآري شفيط في صحيفة هآرتس، وشالوم يروشالمي في صحيفة معاريف، وغيرهم) إلى قراءة أسباب انهيار حزبي "اليسار الصهيوني"- العمل وميرتس- في الانتخابات العامة، 2009، والذي دلّ عليه حصولهما معاً على ستة عشر مقعداً فقط في الكنيست المنتخب، عبر منظار رأوا من خلاله أن نجاح حزب كاديما في اجتذاب مصوتين تقليديين لهذين الحزبين هو السبب الرئيس الواقف وراء انهيارهما.

وفي نظر هؤلاء، في معظمهم، فقد استند هذا النجاح إلى عاملين: الأول، دبّ مشاعر الخوف في أوصال الناخبين الإسرائيليين من مغبة عودة رئيس الليكود بنيامين نتنياهو، إلى سدّة رئاسة الحكومة الإسرائيلية.  الثاني، خلق الانطباع أنه فقط في وسع رئيسة كاديما تسيبي ليفني، أن تهزم نتنياهو وتمنع عودته، علاوة على أنها أصلاً غير متنائية في مواقفها السياسية عن مواقف ذلك اليسار.

لم يقتصر هذا المنظار على المحللين السياسيين الإسرائيليين، وإنما ميّز أيضاً عدداً من قادة هذا اليسار الصهيوني. ومن هؤلاء عضو الكنيست السابق والسكرتير السابق لحركة "السلام الآن" المناهضة للاحتلال والاستيطان، موشيه راز، المرشح الخامس في قائمة ميرتس الانتخابية، التي فازت بثلاثة مقاعد في الانتخابات. وقال: "إن أحد أسباب تراجع اليسار الصهيوني في إسرائيل هو وجود حزب ديماغوجي على غرار كاديما. فهذا الحزب يتحدث مثل اليسار. من الناحية الكلامية يتحدثون في كاديما بصورة ليست بعيدة عن ميرتس، بل وتكاد تكون قريبة جداً. لكن من الناحية الفعلية فإن كاديما قريب جداً من أفيغدور ليبرمان. إنهم في كاديما يتحدثون عن دولتين للشعبين، وعن وجوب التوصل إلى اتفاق، وليفني تقول إن هناك حمامة تقف على شرفة النافذة، لكنهم من الناحية الفعلية شنوا حرباً على غزة وأخرى على لبنان، وكلتا الحربين لم يكن لهما لزوم. وهم أقاموا مستوطنات، ولم يجروا مفاوضات جادة مع الفلسطينيين. حتى نتنياهو وقع على اتفاقي الخليل وواي ريفر عندما كان رئيساً للحكومة، وتحادث مع ياسر عرفات وانسحب من جزء من الضفة الغربية، أما كاديما فإنه لم يتقدم خطوة واحدة في هذا الشأن" .

وهو يضيف سببين آخرين، على الوجه التالي: "إن الأول هو سبب ديموغرافي، إذ علينا أن نأخذ بالحسبان أن الأشخاص الذين يصوتون لليسار، وهذا تعميم لكنه يبدو صحيحاً في أغلب الأحيان، ينجب كل منهم ولدين على الأكثر. وفي مقابل ذلك فإن الأشخاص الذين يصوتون لأحزاب الليكود وشاس ويهدوت هتوراه، وهم بطبيعة الحال متدينون ومحافظون وتقليديون، ينجب كل منهم أولاداً أكثر". ويمكن إدراج واقع أنه هاجر إلى إسرائيل خلال الأعوام الخمسة عشر - العشرين الفائتة قرابة مليون ونصف المليون شخص من دول الاتحاد السوفياتي السابق في نطاق هذا السبب، برأيه. فهؤلاء يشكلون عشرين في المئة من عدد المصوتين في الدولة، وباستثناء ستة في المئة صوتوا لميرتس منهم، فإن أربعة وتسعين في المئة صوتوا لحزب كاديما والأحزاب التي على يمينه وخصوصا لـ"إسرائيل بيتنا"، ارتباطاً بأصول تقاليدهم السياسية.

أمّا السبب الثاني فهو انهيار "عملية السلام". فبالنسبة إلى الجمهور في إسرائيل، بغض النظر عما إذا كان هذا الأمر صحيحاً أم لا، فقد حاول (رئيس حزب العمل ورئيس الحكومة الإسرائيلية في حينه) إيهودا باراك إعطاء الفلسطينيين كل شيء في كامب ديفيد عام 2000، غير أنهم ردّوا على ذلك بالعنف. وبالنسبة لهذا الجمهور، وهنا أيضاً بغض النظر عما إذا كان هذا صحيحاً أم لا، فإن باراك انسحب من لبنان عام 2000 ورد حزب الله على ذلك بالعنف. كما أن (رئيس الحكومة الإسرائيلية السابقة) أرييل شارون انسحب من غزة عام 2005 وردّ الفلسطينيون بالعنف. إن هذه الأوضاع أضعفت اليسار الإسرائيلي بصورة كبيرة للغاية، على حدّ قوله.

غير أنّ يوسي سريد، الوزير السابق الذي كان زعيماً لميرتس وأحد أقطاب "اليسار الصهيوني"، رأى أن الحرب على غزة كانت بمثابة امتحان مصيري آخر لليسار الإسرائيلي، وقد سقط فيه سقوطاً مدوياً. واعتبر أن هذا اليسار كان، قبل تلك الحرب، أحد أبرز المدفونين في "القبر الجماعي" الذي حفرته الحرب على لبنان في صيف 2006 وأهالت التراب فيه على مجموعة من ساسة إسرائيل وعسكرها وإعلامييها. ومردّ ذلك أنه لم يفعل ما كان يتعيّن عليه أن يفعله (وهو معارضة الحرب بصريح العبارة من دون أدنى تلعثم) وبقي يمارس "الرقص على حبلين"، بين المعارضة وبين التأييد للحرب، بمسوّغ أنها "عادلة" و"مبرّرة". وكان يتوجب على هذا اليسار أن يفهم باكراً- في قراءة سريد- أن انضمامه إلى الإجماع القومي حتى لو كان متحفظاً بعض الشيء من شأنه فقط أن يؤجّج تهافت إسرائيل نحو عمق لبنان. وتساءل: إذا لم ينهض هذا اليسار في وقت الامتحان فمتى كان في نيته أن ينهض على قدميه؟ 

ويؤكد د. مناحيم كلاين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان وأحد رواد "مبادرة جنيف"، أن ميرتس واليسار الصهيوني عموماً لم يعودا ذوي صلة، بعد مرور تسعة أعوام على انتفاضة 2000. فهما كرسا حل الدولتين وتقسيم القدس ونهاية الاحتلال، وعلماه حتى لليمين "الناعم" (كاديما)، ولكنهما فشلا في محاولة الإقناع بأن هذا الحل هو ذو صلة هنا والآن، وأن هناك شريكاً فلسطينياً. وقد ساعد في ذلك تأييد اليسار لإخلاء المستوطنات من قطاع غزة بصورة أحادية الجانب، حيث وافق الجمهور في إثر الأحداث التي تلت هذه الخطوة على السير وراء شعار "رحلنا عن غزة فحصلنا على (صواريخ) القسام، لأنهم (أي الفلسطينيون) يريدون النقب أيضاً".

 

أسباب انهيار العمل وميرتس

بالإضافة إلى هذا ثمة سببان جوهريان آخران لما آلت إليه حال ميرتس، برأي كلاين، وهما:

الأول، اليسار الصهيوني في معظمه يقوم بتدوير الزاوية الحادة المسماة حق العودة (للاجئين الفلسطينيين). فهو يرفض النظر باهتمام إلى "ملف 1948" بالنسبة للفلسطينيين، ويعتقد أن جوهر المشكلة هو الاحتلال (منذ عام 1967). هو يفعل ذلك لأسباب تكتيكية بعض الشيء (حتى يحشد تأييداً أوسع لبرامجه السلمية)، ولأسباب جوهرية أكثر من ذلك ناجمة عن كونه غير ناضج للتنازلات في هذا المجال. والجمهور الإسرائيلي يشعر بهذه الفجوة ولا يعتقد أن هناك شريكاً فلسطينياً. كما أن مواجهة قضية اللاجئين تستوجب الالتفات أيضاً إلى اللاجئين الفلسطينيين من مواطني إسرائيل، الذين يفضل اليسار تجاهل وجودهم.

الثاني، اليسار الصهيوني غير متحرّر من الشرك الأمني. فباعتباره طرفاً وطنياً وصاحب التزام أمني يصعب عليه الاعتراض على الخطوات الأمنية التي تدافع عن مواطني إسرائيل في الظاهر، لكنها تزيد من التوسع الإقليمي/ الجغرافي والسيطرة على الفلسطينيين، وتتسبب في اجتذاب المزيد من الميزانيات والقوة والتأثير والمكانة الاعتبارية الاجتماعية.

في السياق نفسه، كان تراجع حزب العمل متواصلا منذ عام 2000 أيضاً، في ظل ما حدث في قمة كامب ديفيد. وبلغة أكثر من باحث ومحلل فإن رئيس الحزب إيهودا باراك، الذي كان في إبان تلك القمة رئيساً للحكومة الإسرائيلية بعد ولاية حكومة يمينية برئاسة نتنياهو (تولت الحكم في إثر فوزها في الانتخابات العامة عام 1996، والتي جرت عقب مقتل رئيس الحكومة السابق يتسحاق رابين)، تنكّر للجانب العملي التدرجي لاتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، وبدلاً من ذلك اقترح قمة واحدة وحلاً حاداً وسريعاً يضع نهاية للصراع مرة واحدة وأخيرة، متناسياً أن السياسة ليست معادلات رياضية، وأن مئة سنة من الصراع ليس في الإمكان حلها بقمة تستمر أسبوعاً ولا باتفاق واحد. غير أن باراك تمسك بالرأي القائل: إما كل شيء وإما لا شيء. وهذا كان بمثابة الخطأ القاتل الذي ارتكبه، والذي انهار عنده هو، وانهار معه حزب العمل ومعسكر السلام الإسرائيلي كافة.

ثمة نتيجة واحدة، على الأقل، أسفرت عنها انتخابات الكنيست الثامن عشر، تبدو مؤكّدة تماماً، وهي دخول إسرائيل، مرة أخرى، في خضم دوامة انعدام الاستقرار السياسي، والتي سبق أن أدّت على مدار العقدين الفائتين اللذين سبقا تلك الانتخابات إلى عرقلة إمكان انتهاء الولاية القانونية لكل من الحكومات الإسرائيلية المختلفة.

وعلى الرغم من أنه يحلو لإسرائيليين كثيرين أن يعزوا هذه الدوامة إلى طريقة الانتخابات المتبعة (الطريقة النسبية القطرية) أو فقط إلى نسبة الحسم المنخفضة في رأيهم (كانت في ذلك الوقت 2 في المئة وارتفعت لاحقاً إلى 3.25 في المئة. ونسبة الحسم هي بمثابة حاجز يتعيّن على أي حزب اجتيازه من أجل الحصول على تمثيل برلماني)، إلا أن العامل الرئيس الواقف وراء ذلك هو في واقع الأمر عامل جوهره سياسي بامتياز. ونقصد الجوهر المترتب على بلوغ السياسة الإسرائيلية العامة الباب الموصود، بصورة تكاد تصبح دورية. 

 

انسداد السياسة الإسرائيلية

في الخلاصة، كان عام 2008 في الحلبة السياسية الإسرائيلية بمثابة عام انتظار حكومة جديدة، رجحت مؤشرات كثيرة أنها ستكون حكومة جديدة ذات نزعة يمينية واضحة. 

وكشفت مفاوضات تأليف الحكومة التي أجراها نتنياهو مع رئيسة كاديما تسيبي ليفني، أنه "يؤيد قيام دولة فلسطينية من دون سيادة وعلى 50 في المئة من أراضي الضفة الغربية"، وأنه يصر على "أن تحتفظ إسرائيل بـ50 في المئة من أراضي الضفة الغربية- وهي المناطق المفتوحة في غور الأردن وصحراء يهودا- والتي تعتبر ضرورية كحزام أمني شرقي" في قراءته. ورأى أحد المحللين السياسيين أن معارضة نتنياهو إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة لا تُعتبر، في واقع الأمر، مجرّد "خدعة" في سياق مفاوضات تأليف الحكومة، وإنما تنمّ عن موقف مبدئي يتمسك به منذ أعوام كثيرة. ووفقاً لهذا الموقف فإن نتنياهو كان يتطلع إلى أن يجرّد الفلسطينيين من أربع صلاحيات تحظى بها أي دولة ذات سيادة، وهي: السيطرة على المجال الجوي، والسيطرة على المجال الإلكترو-مغناطيسي، والحق في بناء جيش والتوقيع على أحلاف عسكرية، والأهم من ذلك كله السيطرة على المعابر الحدودية. إن هذه الصلاحيات الأربع يجب أن تبقى، بحسب رأي نتنياهو، في يد إسرائيل في المستقبل أيضاً.

وكان يعتقد حينذاك أيضاً أن إقامة الدولة الفلسطينية يجب أن تكون جزءاً من المفاوضات، وليس تنازلاً إسرائيلياً مسبقاً. وهو ينظر إلى "عملية أنابوليس"، التي أدارها أولمرت، مع ليفني، كما لو أنها نكتة، إذ لا يجوز أن تقترح إسرائيل، سلفاً، انسحاباً شبه تام من الضفة الغربية، لأن ذلك لن يعود عليها بأي فائدة، لا بل سيشجع الجانب الآخر (الفلسطيني) على أن يطلب المزيد.

لاحقاً سيتبيّن أن هذه الحكومة أيضاً لم تسلم في دوّامة عدم الاستقرار السياسي داخل الخريطة السياسية. هذه الخريطة تغيرت كثيراً على مدار تاريخ إسرائيل. فقد بدأت بمركزية حزب واحد (مباي؛ المعراخ) وانتقلت إلى مركزية ثنائية الأحزاب منذ عام 1977 (الليكود؛ المعراخ)، غير أنها ظلّت تواجه عملية تذرير إلى أحزاب متوسطة وصغيرة بحيث أن تأليف الحكومة أصبح، منذ أواسط التسعينيات من القرن العشرين الفائت، بحاجة إلى ثلاثة أحزاب على الأقل، ما كان يؤدي عموماً إلى إضعاف الحكومة ويشكل عامل عدم استقرار لها، كما هي حال حكومة أولمرت. وهذا يعني أن بنيامين نتنياهو كان عملياً في دور من سيقود الحلبة الإسرائيلية حتى الأزمة المقبلة، التي كان يؤكد الجميع أنها ستحدث لا محالة، لكن لم يعرف أحد متى وكيف.

عاد نتنياهو إلى الحكم حاملاً رؤية راسخة لدولة فلسطينية منزوعة السيادة، ومؤكداً استمرار السيطرة الإسرائيلية على الأرض والحدود والأمن. وبذلك دخلت إسرائيل مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي البنيوي، تتسم بحكومات يمينية قوية أيديولوجياً لكنها هشة ائتلافياً، في مشهد يعكس انسداد السياسة الإسرائيلية عند "باب موصود" يتكرّر فتحه وإغلاقه بدون أفق اختراق حقيقي.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث