تقرير: طهران قد تقدّم تنازلات بـ"النووي" وتتمسك بالصواريخ

المدن - عرب وعالمالسبت 2026/02/14
GettyImages-2171607282.jpg
"معاريف": بزشكيان مستعد لتنازلات قد تُزيل خطر الهجوم الأميركي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

رأت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، أنه سواء وقع هجوم على إيران أو تمّ توقيع اتفاق معها، فمن المتوقع أن يتغير ميزان القوى والبنية الإقليمية التي اهتزت بشكل جذري منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، بشكل أكبر قريباً.

 

ضمان المصالح الإسرائيلية

وقال ميخائيل ميلشتاين، في تقرير نشرته الصحيفة، إن زيارة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن هدفت إلى ضمان المصالح الإسرائيلية في ظل حالة عدم اليقين بين الحرب والاتفاق، مشيراً إلى محاولات رئيس الحكومة دفع ترامب إلى موقف هجومي، وفي الوقت نفسه الحرص على ألا يقتصر أي اتفاق، إذا تم التوصل إليه مع طهران، على الملف النووي فحسب، بل يشمل أيضاً معالجة صواريخ النظام الإيراني الباليستية ومنظومة "الوكلاء". 

وفي ختام اجتماع الثلاثاء، أصدر ترامب بياناً أكد فيه تمسكه بقناة الحوار، وأنه في حال فشلها، سينظر في بدائل أخرى، بما فيها البدائل العسكرية. أما الاحتجاجات داخل إيران، التي تُعدّ السبب الرئيسي للأزمة، فلا تحظى بمكانة بارزة في النقاشات الجارية حالياً.

ووفق التقرير، بدأ الحوار (جولتان حتى الآن) مما خفف قليلاً من حدة القلق الذي خيّم على الحكومة في طهران في ذروة الاحتجاجات، حين وعد ترامب بأن "المساعدة قادمة"، إلا أن الشعور العام لا يزال يسوده توتر غير مسبوق: تداخل التهديدات من الداخل والخارج، كل ذلك في ظل محدودية القدرة العسكرية للنظام نتيجة الخسائر التي تكبدها في عملية "الأسد الصاعد" وتفكك محور المقاومة. 

ولفت التقرير إلى أن النظام الإيراني يظهر مهاراته القديمة في المناورة، في سبيل الحفاظ على بقائه، إذ يجري مفاوضات مظهراً نهجاً إيجابياً ظاهرياً، ظهر من خلال تصريحات الرئيس الإيراني خلال الأسبوع الحالي، حين قال: "نرى في المفاوضات فرصةً مهمةً للتوصل إلى حل متوازن للقضية النووية"؛ لكن النظام، بحسب الصحيفة، يروج في الوقت نفسه لسياسة الردع، مركّزاً على إشعال حرب إقليمية، لافتةً إلى أن كل هذا يعزز الشكوك بأن الخطاب الحالي ليس إلا خداعاً يُمهّد لضربة مُفاجئة، كما حدث عشية "الأسد الصاعد"، وأنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق، فإن ترامب لا ينوي رفع العقوبات التي تسببت في الاضطرابات الداخلية الأخيرة.

 

معضلة حادة

ووفق ميخائيل ميلشتاين، فإن معضلةً حادة تتجلى في أعلى هرم السلطة في طهران. فالمصلحة الأساسية هي البقاء، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أيّهما أشدّ تهديداً: الاستعداد لتقديم تنازلات قد تُزيل خطر الهجوم الأميركي – وهو نهج يُفضّله الرئيس (الإيراني) – لكنه قد يُنظر إليه على أنه ضعف، ما يُؤجّج الاضطرابات الداخلية أو يُقوّض عزيمة وتماسك أنصار النظام؟ أو، من جهة أخرى، تحمل هجوم أميركي يُلحق أضراراً جسيمة، لكنه لا يُنهي النظام بالضرورة – وهو موقفٌ تبنّاه المرشد الأعلى علي خامنئي، ويبدو أنه مهيمنٌ في الوقت الراهن على الأقل.

وفي ما يتعلق بالملف النووي، رأى ميلشتاين، أن إيران قد تُبدي بعض المرونة نظراً إلى تضرر برنامجها النووي بشدة، ووضوح عدم امتلاكها أسلحة نووية، بل وعدم قدرتها على إقامة دولة حافة نووية. وعليه قد تُقبل في طهران أفكارٌ مثل نقل 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة إلى خارج إيران، وتجميد التخصيب (الذي لا يُنفذ حالياً)، شريطة أن يتم ذلك "بطريقة تحترم مصالحها"، وهو ما لا يُنكر من حيث المبدأ حقها في التخصيب. في المقابل، يبرز تباينٌ في الموقف بشأن الصواريخ الباليستية، التي أثبتت أنها أداة استراتيجية من الطراز الأول بعد الأضرار الجسيمة التي لحقت بالتشكيلات العسكرية الأخرى ومعسكر المقاومة. وقد أُعيد بناء الترسانة التي تُعتبر حالياً الورقة الرابحة للبقاء، وعُززت بعد النزاع، ومن المرجح أن تُبدي طهران تشدداً في هذا الشأن.

وأوضح ميلشتاين أنه في إيران نفسها، المشاعر متضاربة للغاية، وفي الخطاب العام، تُوجّه كلمة خيانة إلى ترامب. إذ يزعم كثيرون: "لقد وعدتَ بأن المساعدة قادمة، ثم ذُبح عشرات الآلاف، وكل هذا لتتفاوض مع قتلتنا على اتفاق نووي أفضل؟".  إذ يُنظر إلى المفاوضات نفسها على أنها تُضفي الشرعية على النظام، وخطوة ستُمكّنه من البقاء، كما توضح الدكتورة تمار جيندين-إيلام، الخبيرة في الشؤون الإيرانية. لكن "مع ذلك، من الواضح أن الحماس الثوري لم يخمد، وأن اندلاع ثورة أخرى مسألة وقت. هناك بالطبع تردد بسبب الوحشية التي مارسها النظام، ولكن هناك أيضاً جرأة وشعور بأن "اما الآن وإلا فلا".

وأشار إلى أن الذكرى الـ40 للقمع مطلع الأسبوع المقبل قد تشكّل فرصة لاندلاع ثورة عفوية، مضيفاً: "لقد انعكست تلك الطاقة المكبوتة في الذكرى السابعة والأربعين للثورة، التي أُقيمت هذا الأسبوع: أظهرت مقاطع فيديو نُشرت على الإنترنت ألعاباً نارية في سماء طهران، وهتافات الله أكبر تُسمع من المساجد، بينما تُرى في الخلفية حشود تهتف من الشرفات الموت لخامنئي".

 

رد فعل إيراني

ووفق ميلشتاين، يدرك النظام الإيراني تماماً احتمال اندلاع أعمال عنف عالية، لذا بدأ برد فعل مضاد حذر نسبياً: موجة اعتقالات لقادة التيار الإصلاحي، مع تجنب الإعدامات الجماعية حتى لا يُثير غضب ترامب. 

"وفي أعقاب القمع غير المسبوق، هناك أصوات في المعسكر الإصلاحي تزعم أنه لم يعد هناك جدوى من الحديث عن التغيير في ظل النظام القائم، بل اتخاذ خطوات جذرية مثل إزاحة الزعيم وإجراء استفتاء وانتخابات، لكن الكثيرين يتمسكون بالقول إن الإصلاح هو المطلوب، وليس الثورة"، يوضح البروفيسور مئير ليتفاك، رئيس مركز الدراسات الإيرانية في جامعة تل أبيب، في حديث، مضيفاً: "يقدم البروفيسور صادق زيباكلام، وهو مفكر إصلاحي بارز، مثالاً صارخاً على ذلك: فقد كان يجادل في الأسابيع الأخيرة بأن التغيير يجب أن يتحقق تدريجياً، وليس من خلال الثورة، وبالتأكيد ليس من خلال العنف".

ولفت ميلشتاين، إلى أن "ما يحدث على الجانب الأميركي مُضلل إلى حد كبير. يبدو أن هناك أصواتاً متعددة وترددات، لكن من غير الواضح ما إذا كانت هذه الأصوات حقيقية أم مجرد ستار دخاني مُصمم لخداع الإيرانيين. في هذا السياق، تبرز التقارير التي تفيد بأن ويتكوف وكوشنر يسعيان جاهدين لتعزيز الحوار مع إيران مع التركيز على الملف النووي واتخاذ نهج متساهل في قضايا أخرى. ووفق الصحيفة، فإن "ترامب عالق في معضلة بين تصريحاته وقيود الواقع، هذا ما أوضحه دان شابيرو، السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل، في حديث له. دعا ترامب الجماهير في إيران إلى السيطرة على مؤسسات الدولة، لكنه في الوقت نفسه، يبدو مدركاً أنه لن يتمكن من تغيير النظام عبر الضربات الجوية وحدها، ولا يرغب في التورط في مستنقع الصراع الإيراني، ويتأثر بأصوات من حوله تدعم المفاوضات (على عكس الموقف المتشدد لروبيو وهيغسيث)، بقيادة ويكتوف وكوشنر، اللذين يُظهران سذاجة كبيرة في اعتقادهما أن الاتفاق مع الإيرانيين أشبه بصفقة عقارية في نيويورك. وبين هذين النقيضين، يبرز لغز محوري: ما هو موقف ترامب، إن وُجد أصلاً؟"، ولفت إلى أنه "من الممكن لحل التوترات، وعندما يتضح أنه لا أمل حقيقي في الحوار، سيختار الرئيس (ترامب) شن هجوم على أهداف النظام (الإيراني)، وربما على منظومة الصواريخ أيضاً. لكن مع ذلك، سيسعى إلى أن يكون الرد الإيراني مقيداً نسبياً – كما في (الأسد الصاعد) – وأن يُثير الهجوم اضطرابات شعبية".

 

أزمة حادة في المنطقة

وقال ميلشتاين، إن "الأزمة الحادة تتجلى بوضوح في المنطقة، ما يخلق رابطاً غريباً بين الخصوم، إذ يجمعهم جميعاً معارضة أي هجوم على النظام في إيران. هذا الموقف، بطبيعة الحال، يُعبّر عنه أعضاء محور المقاومة، الذين يرون في تقويض النظام أو إسقاطه خرقاً لركيزة وجودية. ومن جهة أخرى، يُوجّه خصوم طهران، بقيادة السعودية ومصر، إلى جانب قطر وتركيا، الذين، بالإضافة إلى نفورهم من سيناريوهات الثورات الشعبية ضد الأنظمة القمعية، يخشون الفوضى، تحذيرات عديدة لترامب: إسقاط النظام في طهران ليس بالأمر الهين؛ ولا يزال البديل عن نظام آيات الله غير واضح، إن وُجد؛ وقد تنشأ أزمة اقتصادية عالمية حادة تُؤثر سلباً على الاقتصاد الأميركي".

ورأى ميلشتاين أنه "إذا ما انهار الحوار ونشب صراع، فمن المتوقع أن تُفعّل طهران شبكة وكلائها، على الرغم من الهجمات التي تعرضوا لها منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر- سواء على أهداف أميركية في المنطقة أو على إسرائيل"، كما يوضح داني سيترينوفيتش، الباحث في الشؤون الإيرانية ومحور المقاومة. وأشار إلى "الاجتماع الذي عقده هذا الأسبوع علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، مع ممثل الحوثيين في عُمان، والذي تضمن على الأرجح تنسيقاً في حال انهيار المحادثات، كتعطيل خطوط الملاحة ومهاجمة القوات الأميركية. أما في ما يتعلق بحزب الله، فهناك علامة استفهام في ضوء الهجمات التي تعرض لها وانتقادات داخلية في لبنان من جرّه إلى حملة تخريبية أخرى، وهذه المرة أيضاً بسبب المصالح الإيرانية"، مشيراً إلى أنه "من المتوقع أن تتوخى المنظمة (حزب الله) الحذر، لكن قد تظهر سيناريوهات تعتبرها تجاوزاً للخطوط الحمراء، وعلى رأسها تصفية خامنئي، ما قد يدفعها إلى التحرك، ولو بشكل محدود".

ووفق ميلشتاين، "في خضم ذلك، يستمر القلق في العالم السني من أن تستفيد إسرائيل من انهيار عدوها الأكبر، ولا سيما من ترسيخ هيمنتها الإقليمية. هذا السيناريو يثير مخاوف في الدول العربية وتركيا لا تقل، بل ربما تفوق، مخاوف استمرار النظام الإسلامي".

وتابع: "هذه هي خلفية الدور المحوري لتركيا في الأزمة"، توضح الدكتورة غاليا ليندنشتراوس، قائلة: "لطالما دعمت أنقرة حل الأزمة النووية عبر الحوار، وعرضت في وقت مبكر من العام 2010 تخزين 1200 كيلوغرام من اليورانيوم منخفض التخصيب في المنطقة". وتضيف: "يشعر الأتراك بالقلق إزاء الفوضى التي ستصاحب تدفق اللاجئين إلى أراضيهم، وتصاعد الإرهاب الكردي – وهي سوابق تعلمتها أنقرة عن كثب بعد الصدمات التي حدثت في العراق وسوريا". ومثل العرب، تشعر تركيا أيضاً بالقلق إزاء تعزيز إسرائيل لنفوذها في المنطقة. في هذا السياق، توضح "من المهم الإشارة إلى التصريح غير المألوف الذي أدلى به وزير الخارجية التركية هاكان فيدان هذا الأسبوع، والذي أشار فيه إلى أن تحقيق إيران اختراقاً نووياً سيدفع بسباق تسلح نووي إقليمي، مع تلميحه إلى إمكانية انضمام أنقرة إليه".

 

فرصة استراتيجية

ولفت ميلشتاين إلى أن "الأزمة المحيطة بإيران فرصة استراتيجية لإسرائيل تتمثل في إضعاف عدو وجودي يهددها منذ عقود، أو حتى القضاء عليه. ويُحسِن نتنياهو صنعاً بتقديمه المصالح الحيوية لترامب في أي سيناريو، وحتى في حال التوصل إلى اتفاق لا يتضمن رداً على قضية الصواريخ، فمن الضروري الحفاظ على حرية التصرف لمواجهة هذا التهديد. ومع ذلك، من المهم ألا يُنظر إلى إسرائيل على أنها تُثير الفتنة، الأمر الذي قد يُفسر على أنه دفع واشنطن إلى مستنقع مماثل لما حدث في العراق".

ووفق ميلشتاين، فإنه "يُوصى بفهم العلاقة بين التعامل مع إيران والقضايا الأخرى، ولا سيما القضية الفلسطينية. ولتحقيق أقصى قدر من الإنجازات في ما يتعلق بإيران، من الضروري تجنب إثارة توترات أخرى، كما حدث هذا الأسبوع في مجلس الوزراء بشأن يهودا والسامرة – محاولةٌ لترويج ضمٍّ تدريجيٍّ حتى من دون ذكر هذا الاسم صراحةً. كل هذا على أمل ألا يُثار غضب ترامب، مع أنه قد أبدى معارضته لهذه الخطوة، ومن المرجح أن يُعبّر عنها بأسلوبه الخاصّ قريباً".

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث