"يمكن أن نكون على يقين بأن الولايات المتحدة هي عدونا، لكن الحوار مع العدو هو جزء من السياسة العالمية الآن، وأنا أعتقد أن تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة قد يكون مفيداً"، هذا ما قاله علي لاريجاني في خطاب ألقاه في 2007 عندما كان يشغل منصب الأمين العام لمجلس الامن القومي الإيراني. في ذلك الوقت لم تكن إيران مجرد تهديد، بل شريكة أيضاً في العمليات السياسية الإقليمية التي تطورت بعد الحربين في العراق وفي أفغانستان.
بهذه المقدمة افتتح محلل الشؤون العربية تسفي برئيل تقريره في صحيفة "هآرتس" العبرية، مشيراً إلى أن وزير الخارجية الإيرانية في حينه منوشهر متكي، شارك في قمة دولية عقدت في شرم الشيخ في تلك السنة لمناقشة مستقبل العراق، إلى جانب كونداليزا رايس وزيرة الخارجية في إدارة بوش آنذاك.
وأضاف أنه "بعد بضعة أشهر استقال لاريجاني، المؤيد للاتفاق النووي مع الولايات المتحدة من مناصبه، الأمين العام لمجلس الأمن القومي ورئيس وفد المفاوضات النووية. ويعود ذلك إلى خلافه مع الرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي تبنى موقفاً متشدداً ضد أي مفاوضات مع الأميركيين بشأن الملف النووي.
الآن، بعد مرور 19 سنة تقريباً، ما زال معظم أبطال تلك الحقبة يشغلون مناصب في الدائرة المقربة من الزعيم الأعلى علي خامنئي، حيث يتولى لاريجاني منصب الأمين العام لمجلس الامن القومي، إضافة الى كونه المنسق الرئيسي للمفاوضات النووية التي يجريها بالفعل وزير الخارجية عباس عراقجي. وما زال علي اكبر ولايتي، الذي شغل منصب وزير الخارجية مدة 15 سنة تقريباً، ثم كان المستشار السياسي رفيع المستوى لخامنئي، يشغل هذا المنصب حتى الآن. ومثلهما هناك مجموعة مستشارين من الذين راكموا عقوداً من الخبرة الجماعية، السياسية، الدبلوماسية والعسكرية، وهم يتابعون الآن المفاوضات النووية عن كثب.
ووفق الصحيفة، فإن كل واحد منهم، الذي يعرف أيضاً الجوانب التقنية للمشروع النووي، يستطيع أن يتسعيد من الذاكرة بغض المواقف والأفكار التي تبادلها رؤساء ايران والولايات المتحدة – بدءاً ببوش ومروراً بكلينتون وأوباما وانتهاءً بترامب في ولايته الأولى. أما في الفريق الأميركي فإنه لا يوجد من لديه هذه الخبرة، أو حتى من كان جزءاً من التاريخ العريق للعلاقات بين الدولتين. من غير المؤكد أنه يوجد عيب في ذلك. فمقارنة مع الطرف الإيراني الذي يعيش في حالة من التكرار، على افتراض انه "لقد مررنا بذلك ورأينا كل شيء"، يتحدث الطرف الأميركي بـ"لغة جديدة" – لغة ستيف ويتكوف وجارد كوشنر، اللذان لا تثقل عليهما ذكريات سياسية وشخصية، وقد يكونا قادرين على تقديم بداية جديدة تحقق النتيجة التي يسعى إليها الرئيس دونالد ترامب.
فرص يصعب تكرارها
وقال برئيل إن الفرص التي سنح بها التاريخ يصعب تكرارها في العادة. لا أحد في القيادة الإيرانية يتحدث الآن عن تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة. وحتى لو كان معظم من يديرون سياسة إيران، وعلى رأسهم خامنئي، ما زالوا نشيطين، إلا أن هناك فجوة كبيرة تفصل بين الظروف التي ميزت الفترة في الأعوام 2007 – 2015 والظروف التي تجد إيران والولايات المتحدة نفسيها فيها الآن. مع ذلك ما زالت القضية النووية الإيرانية حاضرة بقوة في العلاقات بين الدولتين.
وتابع: "مثلما هي الحال مع أسلافه، ينظر ترامب أيضاً إلى التهديد النووي باعتباره قضية مهمة جداً وخطيرة جداً، وهو مستعد لخوض حرب لوقفه. ولكن إيران تحولت إلى حزمة تهديدات تشمل الصواريخ البالستية والتنظيمات الإرهابية التابعة لها، الأمر الذي يطرح معضلة صعبة أمام الإدارة: هل يجب التعامل مع كل قضية على حدة أم كحزمة واحدة؟ هل يجب حتى التعامل مع القضايا غير النووية؟ والأكثر أهمية هو كيف يمكن تحديد أولويات كل تهديد؟".
ولفت برئيل إلى أن "تصريحات ترامب وكبار مستشاريه تشير إلى أن قضية الصواريخ البالستية والدعم الذي تقدمه إيران لوكلائها في المنطقة أو طبيعة النظام الإجرامية، لا تشكل في الوقت الحالي سبباً للحرب. ويفصل ترامب بين التهديد الاستراتيجي العالمي الناتج عن المشروع النووي الإيراني وبين التهديد الإقليمي الناتج عن الصواريخ أو عن وكلائها. لا يستند هذا التمييز فقط إلى حجم الضرر الذي قد يسببه أي تهديد كهذا، بل إلى الصلاحية السياسية المعطاة للرئيس الأميركي".
وأضاف أن "الاجماع الإقليمي، الذي يضم دول الخليج برئاسة السعودية وتركيا، يدعم تحييد التهديد النووي الإيراني. وقد أعلنت السعودية دائماً أنه إذا حصلت إيران على السلاح النووي فهي ستكون معنية أيضاً بالحصول على سلاح مشابه. من جهته، وفي مقابلة مع "سي.أن.أن" التركية هذا الأسبوع، حذّر وزير خارجية تركيا هاكان فيدان من أن حصول إيران على السلاح النووي سيخل بتوازن القوة في الشرق الأوسط، وبالتالي سيشعل سباق التسلح النووي، الذي سيجبر تركيا على الانضمام إليه. لم يتم توجيه تحذير مشابه من تركيا أو من السعودية أو غيرها من برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية، رغم تعرض السعودية لهجوم بصواريخ إيرانية الصنع، بل وقال البعض إنه تم اطلاقها من ايران، في العام 2019".
الصواريخ الإيرانية: تهديد موجه لإسرائيل
وأشار برئيل إلى أن "الصواريخ بالنسبة لدول المنطقة تعتبر تهديد موجه لإسرائيل، أي أنها قضية ثنائية تحاول إسرائيل عرضها كخطر إقليمي وتسعى بجهد إلى إضافتها كشرط صارم في أي اتفاق مع إيران، الأمر الذي يحولها إلى ذريعة للحرب. ويعتبر هؤلاء أن تصوير قضية الصواريخ بأنها مساوية في أهميتها وقيمتها للقضية النووية، وسعي إسرائيل للضغط على ترامب لتبني سياسة (كل شيء أو لا شيء)، يعرض سلامة دول المنطقة للخطر، ويضعف فرصة التوصل إلى اتفاق نووي، الذي بدونه ستصبح الحرب ضد إيران أمر حتمي".
ووفق برئيل "يشكل موقف هذه الدول التي أصبحت بمثابة غطاء سياسي لإيران، عامل مهم جداً في قرارات ترامب. فإلى جانب العلاقات الشخصية الوثيقة والاستثمارات الضخمة التي تعهدت بها في الولايات المتحدة والشركات الخاصة التي يمتلكها أفراد في عائلة ترامب وعائلة ويتكوف في هذه الدول، يوفر قادتها الدعم العربي لسياسة ترامب في الشرق الأوسط، بدءاً بغزة ومروراً باليمن وانتهاءً بسوريا ولبنان. أيضاً هذه الدول تقدم حجج استراتيجية ذات صلة".
وقال برئيل: "تجادل تركيا والسعودية وقطر بأنه في حالة التوصل إلى الاتفاق النووي سيصبح من الممكن التوصل إلى اتفاقات بشأن قضايا تهم إسرائيل والولايات المتحدة. ولكنها لم تقدم حتى الآن أي ضمانات بأن إيران ستوافق على مناقشة هذه القضايا بعد التوقيع على الاتفاق النووي، ونظراً للموقف المتشدد الذي أظهرته إيران حتى الآن فإن هناك شك بوجود أي فرصة للتفاوض في هذه المسائل".
ونقلت الصحيفة عن مصدر دبلوماسي تركي قوله: "يجب علينا النظر إلى الأمور بمنظار زمني. لقد وافقت إيران على التفاوض مع واشنطن، وعقدت لقاءً مباشراً، حتى لو كان قصيراً، مع ويتكوف، وهي تعد بجدية للجولة المقبلة للمحادثات وتقدر أنها ستقدم موقفاً أكثر مرونة بشأن القضية النووية. تجري إيران حواراً مكثفاً مع تركيا وقطر والسعودية، وتأخذ اقتراحاتنا على محمل الجد وتدرك أهمية الدعم الذي تحصل عليه من دول المنطقة والتزامها تجاهنا".
وأشار المصدر نفسه إلى أن تركيا قلقة أيضاً بشأن الضربات الصاروخية، وتشكك بشدة بالمليشيات الموالية لإيران والتي تعمل في العراق، مؤكداً "مع ذلك نحن لن نخوض حرباً بسبب ذلك. هذه أمور يمكن حلها من خلال المفاوضات مثلما فعل ترامب مع الحوثيين. وكما يضغط على لبنان من أجل نزع سلاح حزب الله، ويتخذ إجراءات ضد الحكومة العراقية".
ورأى برئيل أن "إيران ليست الوحيدة المستعدة لتعديل مواقفها. فبحسب وزير الخارجية التركية يبدو أن ترامب مستعد أيضاً للنظر ببعض المرونة في ما يتعلق بتخصيب اليورانيوم في إيران. إذا كان هذا هو موقفه بالفعل فهو يرتبط بالضغط الذي تستخدمه عليه دول المنطقة، التي حصلت في هذا الأسبوع على تقدير الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لإسهامها في المفاوضات".
وأضاف أن "الغطاء الدبلوماسي العربي والتركي المرافق لإيران يضع الولايات المتحدة، ليس للمرة الأولى، في موقف يجبرها، إضافة إلى التفاوض مع ايران، على إجراء مفاوضات ثنائية الأبعاد ضد إسرائيل وضد تحالف دول لها نفوذ يفوق نفوذ إسرائيل كما يبدو. وقد أثبت هذا الغطاء قوته بالفعل عندما نجح التحالف العربي، خلافاً لموقف إسرائيل، في ثني ترامب عن تهجير سكان قطاع غزة وإقامة مشروع الريفييرا ودفعه إلى تبني مسار إقامة الدولة الفلسطينية".
وخلص برئيل إلى القول: "في سوريا ضغط التحالف على ترامب للاعتراف بنظام الشرع، ورفع العقوبات المفروضة على سوريا. وفي غضون ذلك وافق ترامب أيضاً على بيع طائرات (اف35) للسعودية وتركيا، وهو يتفاوض حالياً على صفقة مشابهة مع قطر. والآن ينوي هذا التحالف تحقيق إنجاز مشابه في المفاوضات مع ايران".




