تبدو إسرائيل في محيطها العربي كأنها، بذاتها، قوة عملاقة يصعب التصدي لها، خصوصاً في ظل الدعم الأميركي الصريح لها. ولذلك تعربد بقوتها في هذا المحيط وكثيراً من دون وضع أي اعتبار ليس فقط لدول المنطقة والقانون الدولي وإنما كذلك لكل اعتبار مهما كان. ويكاد المتابع للشأن الإسرائيلي عن قرب يتعجب من هذه القدرة الفائقة على حشد كل هذه القوة والصفاقة التي تتجاوز كل ما كان يُعرف بـ"حدود القوة". ولم يغير من هذا العجب، حتى الآن، واقع التغييرات التي جرت على الرأي العام الدولي عموما وفي أوروبا وأميركا خصوصاً، وفي غير مصلحة إسرائيل. فالوحشية التي أبدتها في حربها على غزة ولبنان وعربدتها في سوريا والمحيط وصولاً إلى اتهامها في المحكمة الجنائية الدولية بالإبادة الجماعية، خلقت ظروفاً تضعف على نحوٍ كبير من قوة وحضور إسرائيل حتى في أميركا نفسها. تشهد على ذلك التظاهرات والمواقف التي صارت تظهر والانتقادات للدعم العسكري الأميركي وصولاً إلى بداية إعادة نظر في حجم وطبيعة العون الأميركي.
وتظهر المعطيات الرسمية التي تنشر في إسرائيل، أن مظاهر العربدة العسكرية لا ترتكز إلى عوامل قوة غير محدودة. فالحرب بينت أن الاقتصاد الإسرائيلي، وإن أفلح في إظهار قدرة استثنائية، إلا أنه ليس حصيناً إلى حدود قصوى. وبحسب هذه المعطيات فإن تكلفة الحرب العسكرية المباشرة بلغت 70 مليار دولار في حين أن تكلفتها مع آثارها الاقتصادية زادت عن 112 مليار دولار. ولولا المساعدات الأميركية الهائلة ومعونات إضافية بما لا يقل عن 10 مليارات دولار لكانت الصورة أشد سوءاً. ومع ذلك فإن الصورة ليست وردية وعلى أكثر من صعيد، وهي مؤهلة للتفاقم في ظل نظرية "الحرب الدائمة " التي يتبناها الكيان حالياً، والتي تقضي بإنفاق ما لا يقرب من 100 مليار دولار إضافية على التسليح في العقد المقبل.
فالتقرير السنوي لمؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية، أشار إلى وقوع نحو مليوني إسرائيلي، بينهم 880 ألف طفل، تحت خط الفقر في العام 2024 في إشارة لآثار الحرب. وأوضح التقرير أنه على خلفية الحرب يتعاظم غلاء المعيشة ويتباطأ النمو الاقتصادي عموماً ما يشير إلى "الأذى المتواصل لرأس المال البشري، الذي يترك آثاره على الانجازات التعليمية وعلى الصحة العامة والقدرة على نيل الرزق". وشدد التقرير على أن أشد المتضررين هم سكان الضواحي والأحياء الفقيرة في الأطراف.
ووفق تقرير مؤسسة التأمين الوطني، فإنه رغم ارتفاع معدلات الدخل الفردي والعام، فإن 28.1 في المئة من الإسرائيليين يعيشون في عدم أمان غذائي لأسباب اقتصادية وبينهم نحو مليون طفل. نحو 26 في المئة من الإسرائيليين لا ينجحون في تمويل غذاء صحي. وفي التأمين الوطني يعترفون بأن "هذا معطىً يشهد على عمق الأزمة بتجاوز التعريف الرسمي للفقر". ويتنازل 9 في المئة عن علاج طبيب بسبب مصاعب اقتصادية، و4.7 في المئة يتنازلون عن وجبة ساخنة مرة على الأقل كل يومين، بسبب مصاعب اقتصادية.
وفي الأسبوع الفائت نشرت دائرة الاحصاء المركزي تقرير "وجه المجتمع" بعد عامين من الحرب، يُظهر تراجع ثقة المجتمع الإسرائيلي بالحكومة والنظام القضائي. ويبين التقرير ارتفاع حالات الاكتئاب والاضطرابات النفسية وتدهور الأمن الشخصي وزيادة أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة. ويشير إلى تعاظم الأعباء المعيشية المالية والنفسية على عائلات من يخدمون في القوات الاحتياطية، وارتفاع نسبة من يعانون من الاكتئاب في المجتمع من 25.5% عام 2023 إلى 33.9% عام 2024.
ومن انعكاسات الحرب أيضا تزايد العجز في ميزان الهجرة إلى إسرائيل، إذ أظهرت بيانات دائرة الإحصاء المركزي أنه رغم انخفاض عدد المهاجرين من إسرائيل في العام 2025، إلا أن العجز لا يزال كبيراً. ففي العام 2024 هاجر من إسرائيل 82 ألفاً و800 شخص مقابل وصول 24 ألفاً و200، ما يُظهر الفارق الكبير بين المغادرين والعائدين. ووفق تقديرات الدائرة لعام 2025، هاجر من إسرائيل 69 ألفاً و500 مقابل 18 ألفاً و800 عادوا إليها. واعترفت الدائرة بأن عدد الإسرائيليين المصنفين كمهاجرين في عام 2024، يزيد بنسبة 39.4% عن عددهم في عام 2023 (59 ألفاً و400)، ويزيد بنسبة 16% عن التقدير الأولي لعام 2025. وأكد المكتب المركزي للإحصاء أن التقدير الأولي لعام 2025، يعكس استمراراً للاتجاه الذي بدأ في عام 2023.
ولا تقف مشكلات إسرائيل الجوهرية عند هذه المسائل على أهميتها، بل تتخطاها إلى قضايا أكثر أساسية تمسّ بنية إسرائيل ومستقبلها وحتى صورتها أمام نفسها وأمام العالم. ولا أدلّ على ذلك، مثلاً، من الاحتفال الرسمي بعيد تأسيس البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) والذي في العادة كان يشكل احتفالاً توحيدياً لكل القوى السياسية، لكنه تحول بفعل الأحقاد الحزبية إلى أبرز مظهر للانقسام. فضمن الصراع على ما يُسمى بـِ "الاصلاح القضائي"، قام رئيس الكنيست أمير أوحنا، بمنع دعوة رئيس المحكمة العليا القاضي إسحاق عاميت، والذي يعدّ رمزياً، الثاني في المقام، بعد رئيس الدولة، لحضور الجلسة الاحتفالية. لكن هذا قاد إلى مقاطعة أحزاب المعارضة حضور الجلسة، وإلى تحول الحفل إلى عنوان تصارع شديد بين السلطتين التشريعية والقضائية. فالأمر في نظر الكثيرين ليس فقط تجاوزاً للبروتوكول، وإنما إعلان تغيير جوهري في واقع التعامل بين السلطات. فرئاسة الكنيست تعلن بذلك أن المحكمة العليا باتت عديمة الأهمية، وأن سلطتها لاغية وباطلة، وأن الاحتفال المفترض أن يكون للديمقراطية صار أشبه بمراسم إزالة ركن آخر من أركانها وخصوصا فصل السلطات.
وأثار الأمر تعليقات حادة بعضها تجلّى في استطلاع أجرته حركة "اليهودية في الرضى"، وهي حركة دينية يرعاها الرئيس الإسرائيلي نفسه تسعى للتوافق الاجتماعي، أشار إلى أن 70 في المئة من الإسرائيليين قلقون في الدرجة الأولى من الانقسام الاجتماعي، أكثر من قلقهم من البرنامج النووي الإيراني. وينبع هذا القلق من تعاظم التقاطب الحزبي والديني الذي يهدد في نظر البعض بنشوب حرب أهلية، وهو ما حذر منه رئيس هذه الحركة الحاخام شموئيل سلوتسكي. وترى هذه الحركة أن "المخاوف الأمنية واضحة ومفهومة، ولكن تحت سطح الواقع الأمني المضطرب، تتكشف دراما عميقة ومصيرية تمس جوهر وجودنا هنا".
وكان القاضي أهرون باراك، الذي يُعتبر أيقونة القانون والديمقراطية في إسرائيل، قد نزع في ندوة عامة عن إسرائيل صفة الدولة الديمقراطية الليبرالية. وتساءل في تلك الندوة: "هل ما زلنا ديمقراطية ليبرالية؟ جوابي هو: لم نعُد كذلك"، وتابع: "لم يحدث ذلك دفعة واحدة. إنها عمليةٌ تتعرض فيها جوانب أساسية من الديمقراطية لهجومٍ شديد، وتضعف الديمقراطية... نظامنا الآن هو حكم سلطة سياسية واحدة تسيطر عليها فعلياً شخصية واحدة، تلك الشخصية تسيطر على الحكومة والكنيست. هذا الشخص هو رئيس الوزراء".
وقد أيد حوالي نصف الجمهور في إسرائيل، وفق استطلاع لمعهد الديمقراطية، توصيف القاضي باراك لوضع الديمقراطية في إسرائيل. وربما لهذا السبب أو ذاك يرى معظم الإسرائيليين، وفق استطلاع لمؤسسة "لازار للأبحاث"، وجوب إنهاء نتنياهو لحياته السياسية بعد أن تولى رئاسة ست حكومات في ثلاث ولايات امتدت على مدى 18 عاماً، بشكل متقطع بين 1996 وحتى الآن. وأظهر الاستطلاع أن معظم الإسرائيليين (53%) يرون أن الوقت حان لإنهاء مسيرة نتنياهو السياسية، إما لأنه يُلحق الضرر بالبلاد (30%) أو لأنه قدم إنجازات إلى جانب أخطاء، وحان الوقت "للإنهاء بشرف" (23%). بينما يعتقد 38% أنه لم يحِن الوقت بعد لإنهاء مسيرته، وأنه ينبغي عليه الترشح في انتخابات الكنيست المقبلة. أما 9% آخرون فليس لديهم رأي في هذا الموضوع.
وضمن منطق اللا استقرار السائد في النظام السياسي الإسرائيلي، وبسبب التناقضات بين المتدينيين والعلمانيين والتصادم بينهما في مسائل قانون التجنيد وتهويد القوانين تعاظم الخلاف حول إقرار الميزانية العامة. وبالرغم من انسحاب الأحزاب الحريدية من الائتلاف إلا أنها ناورت بعد طول رفض، واشتباكات، ومناقشات، وأيّد حزبا "شاس" و"ديجل هتوراه" مشروع الميزانية في الكنيست، وتم إقرار الميزانية بالقراءة الأولى. وقد صوّت أعضاء الكنيست من "أغودات إسرائيل" ضدّها، وربط الحريديم دعمهم في القراءات اللاحقة بإقرار مشروع قانون الإعفاء من التجنيد، وهو قانون يصعب إقراره. وبحسب القانون، كان يجب عرض الميزانية على الكنيست في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر - لكن هذا لم يحدث، حيث ينتهي الموعد النهائي لإقرار الميزانية في قراءتيها الثانية والثالثة بنهاية شهر آذار/ مارس، وإلا سيتم حل الكنيست تلقائياً وإجراء الانتخابات. وليس مستبعداً أن لعبة ما جرت خلف الكواليس في إطار البحث عن سبل لتقديم موعد الانتخابات العامة.




