تبدو شهية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مفتوحةً على تطويعِ أكبر عدد من دول العالم، ثم إعادة تشكيل أنظمتها على طريقته ووفق الرؤى التي يراها، بعدما وجد أن تجربته في تغيير الحكم في فنزويلا وسرقة ثرواتها، قد لاقت نجاحاً منقطع النظير. ولم يكن ليتم له ذلك، من خلال عملية عسكرية سريعة وقليلة التكلفة، إلا بعدما دفنت روسيا والصين رأسيهما في الرمال، بينما كان هو يغزو هذه البلاد التي كانت قيادتها تعول عليهما حليفين تشدّ أزرها بهما لمنع ترامب من تنفيذ غزوه. أما وأنه قد انتقل إلى منطقتنا العربية، حيث إيران هدفه الثاني على لائحة تغيير الأنظمة، فإن الدول العربية، بوضعها الحالي، تبدو هشة، وقد تتأثر بشظايا عملية تغيير النظام الإيراني، إن نجح ترامب فيها، وهو ما يضعها إزاء لحظة مفصلية لتدبُّر أمرها في مواجهة هذه العاصفة المتنقلة.
وإضافة إلى التحدي الذي قد يمسّ العرب جراء شهية ترامب للاستحواذ على دولٍ بكاملها، ليست الضعيفة منها، فحسب، بل حتى تلك التي تصنف واحدة من أعمدة العالم الرأسمالي والنظام الدولي، والمقصود هنا كندا، برزت في الأشهر السابقة عدة قضايا وحوادث أظهرت كم بدت الدول العربية مغلوبة على أمرها ومتروكة لمصيرها ويجري الاستفراد بها دولةً في إثر أخرى. وظهر هذا الأمر عبر توجيه دولة الاحتلال الإسرائيلي ضربات عسكرية لبعضها، أو انتهاك أجوائها لضرب إيران، أو محاصرة أخرى لفرض سياسات عليها، إضافة إلى فشلها في وقف المقتلة التي استمرت ثلاث سنوات في غزة. وبينما احتلت دولة الاحتلال 600 كيلومتراً مربعاً من الأراضي السورية، تواصل قضم مساحات جديدة يومياً، وسيطرت على مرصد جبل الشيخ الإستراتيجي، بعد سقوط النظام السوري. كما استمرت بمحاصرة لبنان دبلوماسياً، في الوقت الذي تستبيح فيه أراضيه وتقتل أهل مناطقه الجنوبية يومياً، ويفشل قادته بحشد موقف عربي للضغط على المجتمع الدولي لإلزام الإسرائيليين بوقف الاعتداءات على بلادهم والانسحاب من المناطق التي احتلوها. وتزامن ذلك كله مع ظهور العرب في موقف العاجز عن وقف الحرب العبثية في السودان.
يمكن القول إن العدوان الإسرائيلي على قطر، والذي وقع، في 9 أيلول/سبتمبر الماضي، لضرب وفد حركة "حماس" المشارك بالمفاوضات مع الإسرائيليين، والتي كانت ترعاها مصر وقطر، كان حادثاً مفصلياً وجبَ على الجميع، سواء في قطر أو دول مجلس التعاون الخليجي أو بقية الدول العربية، أن يتوقفوا عنده دائماً ليتمعنوا فيه ملياً ويعيدوا قراءة الرسائل التي يحملها. ومن هذا المنطلق، كان من الطبيعي أن يتعامل الجميع معه ومع تداعياته بوصفه تحدياً جدياً، نظراً إلى أن الإسرائيليين قد وسَّعوا دائرة الدول المرشحة أن يطالها عدوانهم، من دون أن يقيموا أي وزن لسيادة الدول أو القوانين الدولية، أو حتى العلاقات التي تجمعهم ببعض الدول العربية، والتي وصلها التهديد الإسرائيلي جهاراً باستهدافها بعدوان مماثل، إن رصدوا فيها أي شخص مدرجٍ على قوائم الاستهداف الخاصة بهم، كما صرح بذلك رئيس مجلس الحرب الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير أمنه. من هنا كان المأمول من هذه الدول، والدول الإسلامية التي اجتمعت في قمة الدوحة الطارئة، في 15 أيلول الماضي، والتي خُصصت لمناقشة ذلك العدوان، أن يخرجوا بشيء مختلفٍ عما ألفناه من القمم السابقة. أما وأن نتائج القمة قد كانت متواضعة من جهة الفعل الملموس، أصبح هذا التحدي يتطلب من الجميع، البحث عن وسائل وطرق مختلفة لدفع التهديد عنهم، أحدها إعادة النظر بمفهوم الدولة القُطْرية المقدس، والذي تلاشت قدسيته لحظة استهداف قطر وقبلها اليمن وسوريا ولبنان، وقطاع غزة والضفة الغربية بطبيعة الحال، علاوة على عودة الإسرائيليين إلى التذكير بخطتهم لإقامة "إسرائيل الكبرى" التي تقضم دول عربية بحالها، وأجزاء من دول أخرى.
غير أن قرارات الدورة الاستثنائية لمجلس الدفاع المشترك التابع لمجلس التعاون الخليجي التي عقدت في قطر، في 18 أيلول الماضي، والتي كانت الشكل الأكثر تأثيراً وفاعليةً، بفضل القرارات العملية التي صدرت عنها، كان ينتظر أن تشمل بقية الدول العربية والإسلامية كثمرة لقمة الدوحة التي عقدت قبلها بأيام، لا دول الخليج وحدها. ويعطي خلوص الدورة إلى أن "هذا الاعتداء يشكل تهديداً مباشراً لأمن واستقرار المنطقة برمتها"، انطباعاً بأن دول المجلس باتت تصنف الإسرائيليين مصدراً دائماً لتهديدٍ جديٍّ يحيق بدولهم، فاتخذت قرارات لزيادة قوتها الدفاعية.
من جهة أخرى، برز خلال هذه الحادثة مدى الخلل المستحكم بالنظام العربي الرسمي، وصعوبة إعادة تقويم هذا النظام، وهذا ما يدفع إلى البحث عن بدائل، ربما أصبح الوقت مناسباً لجعلها شعبيةً أكثرَ منها رسميةً. لذلك فإن إفساح هامشٍ أكبر للشعوب، لكي يصبح لها دور في القرارات التي تصدرها الحكومات العربية، ربما يكون له الدور في إنشاء نظام عربي جديد وفاعل.
إزاء هذا الواقع، تبرز ضرورة تبني سياسات جديدة مغايرة لكل ما جرى اتباعه في الماضي، منذ اليوم الذي أُعلِن فيه عن تأسيس جامعة الدول العربية حتى يومنا هذا. ومن هذه السياسات، إعادة الاعتبار لمبدأ التكامل بين الدول العربية، وطبعاً ليس المطلوب ذوبان الدولة العربية الحالية بكيان واحد، بل تقليل الانغلاق، والانطلاق من تجارب التعاون الثنائي الذي شهد نجاحاً في مطارح عدة، إلى العمل الجماعي الأكثر اتساعاً وانفتاحاً وجدوى. كما تبرز أهمية النقاش حول (قدسية) الحدود العربية البينية، بما تسببه من منعٍ لهذا التكامل، لأنها ظلت حارساً معنوياً ومادياً للدولة القُطْرية التي تَكرَّسَ دورها بوصفها عقبة بوجه ذلك التكامل. وفي الوقت الذي باتت فيه دولٌ كثيرة تقيم الجسور بينها، ما زالت الدول العربية تقيم الحدود والأسلاك الشائكة. لذلك، من المفيد اتخاذ خطوات تاريخية، من قبيل تغيير منظمة جامعة الدول العربية، لتصبح "اتحاد الدول العربية"، على شاكلة الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي. كما من المفيد والضروري إفساح دور أكبر للشعوب، عبر تأسيس برلمان عربي، على شاكلة البرلمان الأوروبي، علَّ صوت الشعوب يُسمع، ويجري الأخذ بما تقترحه النخب العربية في هذا السياق.
في الأزمنة السابقة، رَكَنَ العرب إلى مبدأ التطور الموضوعي للمجتمعات العربية، والذي آمن كثيرون أنه سيقود إلى الوحدة العربية بالضرورة، على الرغم من عدم وضع آليات وأسس تدعم ذلك المبدأ. في أيامنا هذه، يُلاحَظ أن العرب لا يركنون إلى أي مبدأ يساهم في تكامل الدول العربية من أجل مجابهة التحديات المختلفة التي تواجهها. أما وأن ترامب قد بدأ يجول العالم لتغيير أنظمة الدول التي لا تروق له ويسطو على دول أخرى، وربما يلتفت إلى الدول التي يرى فيها ضعفاً، وَجَبَ على العرب زيادة عنصر القوة الذي يبدأ ببناء الجسور بينهم لحماية حدودهم الخارجية التي منها ينفذ الخطر، لا من الحدود الداخلية.




