في لحظة سياسية مفصلية تشهدها سوريا بعد تحولات العام 2025، يعود ملف التعاون النووي إلى الواجهة، ليس بوصفه قضية تقنية فحسب، بل كعنوان يرتبط بالسيادة، والعلاقات الدولية، وخيارات التنمية المستقبلية. وبين ملفات عالقة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتحديات اقتصادية وكهربائية ضاغطة، وأسئلة متجددة حول موقع سوريا في مشاريع الطاقة الإقليمية، يبرز دور هيئة الطاقة الذرية السورية في إعادة رسم ملامح المرحلة المقبلة.
في هذا الحوار مع "المدن"، يتحدث مدير هيئة الطاقة الذرية السورية الدكتور مضر العكلة عن واقع التعاون مع الوكالة الدولية، وإمكانية إغلاق الملفات القديمة، وأولويات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية في الطب والزراعة والصناعة، كما يوضح موقف الهيئة من خيار الطاقة النووية لتوليد الكهرباء، وإمكان انخراط سوريا مستقبلاً في مشاريع نووية عربية مشتركة.
بعد التطورات السياسية الكبيرة في سوريا خلال 2025، كيف تقيّمون وضع التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟ وما أبرز الخطوات لإغلاق الملفات العالقة؟
يمكن القول إن التعاون بين الجمهورية العربية السورية والوكالة الدولية للطاقة الذرية دخل مرحلة أكثر هدوءاً وعقلانية، بعد سنوات طغى فيها البعد السياسي على الطابع الفني والمهني. الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى، وفتح قنوات حوار مباشرة ومنتظمة، أسهما في بناء مناخ من الثقة يقوم على احترام الالتزامات والحقوق ضمن إطار معاهدة عدم الانتشار واتفاق الضمانات الشاملة.
في ما يخص الملفات العالقة، ركزنا خلال العام الماضي على ما يمكن تسميته "إدارة الاختلاف" بدل "تضخيم الخلاف"، أي وضع هذه الملفات في إطارها القانوني والفني بعيداً عن التسييس، مع الاستمرار في تقديم الإيضاحات المطلوبة والسماح بالأنشطة الرقابية الروتينية في المنشآت الخاضعة للضمانات. الهدف هو تحويل هذه الملفات من عائق سياسي دائم إلى موضوع فني قابل للمعالجة التدريجية ضمن آليات الوكالة المعروفة.
ما الذي ينقص للوصول إلى تسوية نهائية مرضية للطرفين؟
من وجهة نظرنا، وبعد تقديم سوريا التسهيلات اللازمة ضمن إطار اتفاق الضمانات، ما ينقص اليوم هو المزيد من الموضوعية والحياد في مقاربة بعض الأطراف لملف سوريا داخل الوكالة. نحن أبدينا استعداداً كاملاً للتعاون، شرط أن يكون ذلك على أساس قانوني متوازن، لا وفق ضغوط سياسية أو معايير مزدوجة، مع التأكيد على حق سوريا الكامل في الاستفادة من التطبيقات السلمية للطاقة الذرية.
ما أولويات الهيئة خلال السنوات الثلاث المقبلة في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية؟
أولوياتنا تنسجم مع أولويات الدولة في التعافي الاقتصادي والاستدامة:
في الطب والصحة، توسيع استخدام التقنيات النووية والإشعاعية في تشخيص وعلاج السرطان، وتعزيز قدرات الطب النووي، وتوطين تقنيات المعايرة والرقابة الإشعاعية لضمان سلامة المرضى والكوادر.
في الزراعة والأمن الغذائي، تحسين أصناف المحاصيل، واستخدام النظائر في إدارة المياه والأسمدة، ومكافحة الآفات بوسائل نووية صديقة للبيئة.
في الصناعة، توسيع تطبيقات الاختبار غير الإتلافي وتحليل المواد والقياسات الدقيقة، بما يرفع جودة المنتج الوطني ويقلل الهدر.
في المياه والموارد الطبيعية، استخدام النظائر المستقرة والمشعة لدراسة الخزانات الجوفية وحركة الملوثات، بما يساعد في إدارة أكثر كفاءة للموارد المائية.
إلى جانب ذلك، هناك أولوية لا تقل أهمية، وهي بناء القدرات البشرية الشابة، وتحديث البنية التحتية المخبرية، وربط البحث العلمي بالتطبيقات المباشرة في السوق والقطاع الخدمي.
هل يمكن أن تكون سوريا طرفاً في مشاريع نووية عربية مشتركة لتوليد الكهرباء؟
مشاركتنا في المنتدى العربي لتوليد الكهرباء وتحلية المياه بالطاقة النووية تعكس قناعة بأن مستقبل المنطقة يحتاج إلى حلول جماعية في مجال الطاقة والمياه. المشاريع النووية الكبرى بطبيعتها ذات بُعد إقليمي من حيث التمويل وسلاسل التوريد والتشغيل.
من حيث المبدأ، يمكن أن تكون سوريا طرفاً في مشاريع نووية عربية مشتركة، لكن ذلك يتطلب استقراراً سياسياً وإقليمياً، وإطاراً قانونياً وتنظيمياً عربياً مشتركاً، وبنية تحتية وطنية جاهزة من حيث الكوادر والتشريعات والرقابة، إضافة إلى إرادة سياسية عربية حقيقية للنظر إلى الطاقة النووية كأداة تكامل.
كيف تنظرون إلى تجارب الإمارات ومصر في بناء محطات نووية للأغراض السلمية؟
هذه التجارب تمثل مصدر خبرة مهم. لقد خاضت تلك الدول مسارات معقدة في بناء الأطر التشريعية، وإنشاء هيئات رقابية مستقلة، والتفاوض مع الشركات العالمية، وإدارة ملف القبول المجتمعي.
نحن نستفيد من هذه الخبرات عبر التعاون في إطار الهيئة العربية للطاقة الذرية، والمشاركة في المنتديات المتخصصة، والزيارات الفنية المتبادلة. لكننا نحرص على تكييف أي تجربة مع الواقع السوري، لا استنساخ نماذج قد لا تنطبق بالكامل على ظروفنا.
في ظل التحديات الاقتصادية والكهربائية، هل الطاقة النووية خيار مطروح لتوليد الكهرباء؟
الطاقة النووية خيار استراتيجي يجب أن يُدرس بجدية ضمن مزيج الطاقة الوطني، إلى جانب الطاقات المتجددة والغاز والموارد التقليدية. نحن نعمل على تحديث الرؤية الوطنية للاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، بما في ذلك تقييم الجدوى الفنية والاقتصادية والبيئية لأي مشروع مستقبلي.
لكن أي قرار في هذا المجال هو قرار سيادي يُتخذ على أعلى المستويات، بعد استكمال الدراسات وضمان أعلى معايير الأمان النووي والإشعاعي.
كيف تقيّمون مستوى التعاون العربي في المجال النووي السلمي؟
هناك إرادة عربية متزايدة لتعزيز التعاون في هذا المجال، ويتجلى ذلك في التدريب المشترك وتبادل الخبرات وتنفيذ مشاريع بحثية عربية. لكننا نطمح إلى مستوى أعمق من التكامل، مثل مشاريع مشتركة لإنتاج النظائر المشعة، وربما مستقبلاً مشاريع توليد كهرباء وتحلية مياه مشتركة. الأساس موجود، لكن البناء يحتاج إلى مزيد من الإرادة السياسية والتمويل وتنسيق الأولويات.
كيف تنعكس إرادة الشعب السوري على عمل الهيئة في المرحلة الجديدة؟
عندما نتحدث عن إرادة الشعب السوري بوصفها "سر الحرية ومنارة صناعة المستقبل"، فنحن نعني ذلك حرفياً. نلمس هذه الإرادة في صمود الكوادر العلمية، وفي إصرار الشباب على التعلم والعمل رغم الظروف.
نترجم هذه الإرادة إلى سياسات عملية: حماية الكفاءات، خلق بيئة عمل تحترم الكفاءة وتكافئ الإبداع، ربط البحث العلمي بحاجات المجتمع، والانفتاح على الشراكات التي تحترم سيادة سوريا وحقها في التنمية.
كلمة أخيرة للكوادر العلمية والشباب
أنتم رأس المال الحقيقي لسوريا الجديدة. المباني يمكن إعادة بنائها، لكن العقول إذا هاجرت أو أُهملت يصعب تعويضها. تمسكوا بعلمكم، وطوروا مهاراتكم، وابقوا على صلة بوطنكم أينما كنتم.
أما الشباب الراغبون في العمل في مجال الطاقة الذرية السلمية، فأقول لهم: هذا المجال ليس حكراً على نخبة محدودة، بل هو مساحة واسعة لكل من يملك الشغف والمسؤولية. سوريا ستحتاج إلى مهندسين وأطباء وكيميائيين وزراعيين وقانونيين واقتصاديين يفهمون لغة التكنولوجيا النووية وتطبيقاتها السلمية. أبواب الهيئة مفتوحة لكل كفاءة جادة تريد أن تسهم في بناء سوريا آمنة ومزدهرة وذات مكانة علمية تليق بها.




