العراق والفراغ الدستوري

Image-1770149261
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يعُد الدستور العراقي حاكماً، والتجاوز على نصوصه لم تعد بُدعة بل أصبح مشهداً متكرراً.

في بلاد ما بين النهرين، والتي خطَت حضاراتها أول القوانين الوضعية التي عرفها التاريخ، أصبح الالتزام بالدستور والقوانين "ترفاً سياسياً"، يَحضر عندما تتوافق النصوص الدستورية والقانونية مع رغبات القوى السياسية الفاعلة، ويَغيب عندما تتقاطع المواقف، ويكون شعار "المصلحة الوطنية أولاً" جاهزاً للتبرير.

حتى اللحظة، لم تتمكن القوى البرلمانية من انتخاب ركني السلطة التنفيذية، وهما رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، بالرغم من انقضاء المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس والذي يُعدّ انتخابه إيذاناً بتشكيل الحكومة ثم تسمية المرشح لمنصب رئيس الوزراء، بحسب الدستور.

هذا الواقع، كان إيذاناً باعلان دخول البلاد مرحلة "الفراغ الدستوري" كتوصيف واقعي وعملي لحالة الانسداد السياسي التي وصلت إليها البلاد. وبالرغم من كل المحاولات التي جرت ولا تزال تجري لتجاوز هذا الانسداد، فإن المؤشرات تَشي أن لا حلول حقيقية يمكن من خلالها الإستدلال بقرب وجود إنفراجة لحل هذا الاستعصاء السياسي.

 

السياق الدستوري

يشترط الدستور العراقي انتخاب رئيس للجمهورية خلال مدة أقصاها شهراً واحداً من تاريخ انتخاب رئيس للبرلمان. وهذا يعني أن هذه المهلة قد انتهت في 30 كانون الثاني/ يناير الماضي.

ينص الدستور العراقي على قيام الرئيس الجديد المنتخب بتسمية مرشح الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً، وهي الاطار التنسيقي (الشيعي) وخلال فترة لا تتجاوز الخمسة عشر يوماً، لتشكيل الحكومة.

بحسب العرف السياسي المحاصصاتي في عراق ما بعد العام 2003، فان منصب رئيس الجمهورية يُعتبر من حصة الأكراد. والأكراد حتى اللحظة لم يحسموا خلافاتهم ولم يتفقوا على مرشح لمنصب الرئيس. هذا الحال لا يختلف عن القوى السياسية الشيعية التي لم تتمكن هي الاُخرى من حسم موقفها النهائي والاتفاق على مرشح واحد لمنصب رئيس الوزراء القادم.

 

الأكراد ومنصب الرئيس 

على المستوى الكردي، فإن أصل الخلاف نشأ عند مطالبة الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مسعود بارزاني، بمنصب رئيس الجمهورية، وهو موقف يَعتقد الإتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه بافل الطالباني، أنه يتناقض مع إتفاق أُبرم بين الحزبين قبل نحو عقدين من الزمن، يقضي بأن يكون منصب رئيس الجمهورية العراقية للإتحاد الوطني، ومنصب رئيس الإقليم للديمقراطي الكردستاني.

يعتقد الديمقراطي الكردستاني أن هذا الاتفاق لم يعد يصلح للاستمرار بسبب اختلاف الظروف، وأيضاً اختلاف الأوزان البرلمانية لكل منهما، والتي تميل كثيراً لصالح الديمقراطي الكردستاني، ما يجعله مؤهلاً للمطالبة بالمنصبين. 

ومع هذه المواقف المتناقضة، لم تشفع الجهود التي بُذلت لدفع الطرفين للاتفاق على مرشح واحد وحسم الخلاف. كما لم يلقَ مقترح الذهاب إلى البرلمان بأكثر من مرشح، والاحتكام إلى نتيجة التصويت تحت قبة البرلمان قبولاً، والسبب هو غياب الثقة والخشية من أن تتسبب الاتفاقات المُسبقة غير المعلنة، بنسفِ ما قد يتم الإتفاق عليه على نحوٍ مُعلن. 

ومع هذا الاستعصاء، لم تنفع محاولات إقناع الحزبين الكرديين بوضع جميع خلافاتهما في سلة واحدة لحسمها دفعة واحدة، ليس فقط الخلاف على منصب رئيس الجمهورية، بل الخلاف بشأن تشكيل حكومة جديدة للإقليم والتي لم يتم تشكيلها حتى الآن، بالرغم من مرور أكثر من عام على إجراء انتخابات برلمانية هناك. 

 

الشيعة ومنصب رئيس الوزراء

لم يحسمٍ الإطار التنسيقي حتى الآن موقفه من الاتفاق على مرشح واحد لمنصب رئيس الوزراء، بالرغم من أن الإطار كان قد أعلن في وقت سابق عن ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي للمنصب بالأغلبية وليس بالإجماع.

وعبّرت قوى من داخل الإطار عن تحفظها أول الأمر على الترشيح، ليتطور هذا التحفظ فيما بعد إلى إعلان الرفض، خصوصاً بعد تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي وصف الترشيح بأنه "خيار سيء للغاية"، وأن إدارته لن تساعد العراق في حال انتخاب المالكي رئيساً للوزراء "بسبب سياسته وايدلوجيته الجنونية"، بحسب ترامب. وهو موقف يتسق مع مواقف لقوى سياسية عراقية بارزة مثل حزب "تقدم" الذي يتزعمه رئيس البرلمان الأسبق محمد الحلبوسي، الذي أعلن رفضه للترشيح حتى قبل إعلان ترامب موقفه.

وتسبب هذا المواقف بتصدع جبهة المواقف المؤيدة للمالكي بشكل كبير. لكن كل هذا لم يكن كافياً لإقناع الرجل بسحب ترشيحه، وأعلن مؤخراً أنه متمسك بالترشيح ومصمم على المضي إلى نهاية المشوار، وأن القول النهائي سيكون داخل قبة البرلمان.

تسبب موقف الرئيس ترامب بإحراج كبير لقوى الإطار التنسيقي التي وجدت نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما. فالتراجع عن الترشيح سيُترجم بأنه خضوع لإرادة خارجية ومساساً بالسيادة واستقلالية القرار العراقي. أما المضي به فقد يٌُترجم بأنه تحدٍ للادارة الأميركية، وهذا خيار دعا كثيرون إلى تجنبه لأنه قد يدفع ترامب لاحقاً لتنفيذ تهديده، وهو تطور سيضع البلاد برمتها أمام خيارات مستقبلية صعبة سياسياً واقتصادياً.

 

سيناريوهات الحل 

يعتقد كثيرون أن المشكلة الحقيقية لهذا المآل هو عدم تمكن الأكراد من حسم خلافاتهم. لكن جزء مهم من الحقيقة تكمن بعدم حسم الشيعة خلافاتهم والاتفاق على مرشح واحد لمنصب رئيس الوزراء. هذا الفعل يرجح ما يتردد هنا وهناك حول أن قوىً سياسية تؤيد ترشيح المالكي لمنصب رئيس الوزراء، تعمل على استغلال واستثمار الخلاف الكردي لكسب مزيد من الوقت والمراهنة على تذويب الخلافات، ودفع بعض القوى المعترضة على ترشيح المالكي لتغيير مواقفها.

ولمواجهة هذا الانسداد، برز مقترح تمديد عمل الحكومة الحالية لفترة زمنية مقبلة. هذا الخيار أصبح مطروحاً على طاولة الإطار. وبالرغم من عدم دستورية هذا المقترح ومعارضة البعض له، فقد بات خياراً مطروحاً.

ومع هذا الانسداد، لم يكن مستغرباً أن يلجأ البعض إلى تغيير البوصلة باتجاه الخارج، بحثاً عن الحل. فزعيم حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، حاول إقناع الإيرانيين بتغيير موقفهم المعلن والمؤيد لترشيح المالكي مع خلال لقاءات أجراها في إيران في اليوميين الماضيين، مع بعض قيادات الصف الأول.

بينما شجع آخرون فكرة التواصل مع الإدارة الأميركية في محاولة لإقناع ترامب بتغيير موقفه من ترشيح المالكي، وهو ما حدث بالفعل من دون الإعلان عن نتائج هذا التواصل سواءً مع الإيرانيين أو مع الأميركيين.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث