في مشهدٍ يتصف بالتشابك والتناقض، تمرّ الجزيرة السورية بمرحلة دقيقة من إعادة ترتيب العلاقات والهيكل التنظيمي للفاعلين الأساسيين في المنطقة. لا تبدو التحولات الجارية مرتبطة فقط بحراك تنظيمي داخلي، بل هي انعكاسات متداخلة لضغوط إقليمية، ضبابية في الرؤية الدولية، وانفتاح تكتيكي متدرِّج على دمشق.
وأوضحت مصادر مطلعة لـِ "المدن"، أن عناصر هذا التحول ليست مفاجِئة، بل تم التخطيط لها في جلسات خلف الستار، بين قيادات "قسد"، وأجنحة مدنية، ومنتديات سياسية متصلة بمسار العلاقات مع الحكومة السورية. وتقول المصادر إن هذه الخطوات تكشف عن رغبة في تعديل الواقع من دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع القوى الإقليمية أو الدولية.
في قلب هذا المشهد أربع متغيرات رئيسية: من انسحاب كوادر حزب "العمال" الكردستاني من سوريا، مع الحفاظ على تأثير غير معلن، مروراً بفصل المئات من العناصر العرب ضمن "قسد" في سياق إعادة ضبط هيكلية القوة، وصولاً إلى إعادة هيكلة حزب الاتحاد الديمقراطي وتغيير هويته السياسية، ولكن كان أبرزها قرار حركة المجتمع الديمقراطي (TEV‑DEM) وقف التمويل الشهري للمكوّنات الحزبية، وتداعيات ذلك على المشهد التنظيمي.
حزب "العمال" يعيد تشكيل الحضور
يُعدّ خروج كوادر حزب "العمال" من الأراضي السورية تطوراً استراتيجياً مهمّاً في بناء العلاقات بين "قسد" ومرجعية الحزب. منذ تأسيس الإدارة الذاتية عام 2014، كانت بنية التدريب والمفاهيم التنظيمية مستمدة من أطر فكرية مرتبطة بالحزب. وقد تأثر التنظيم العسكري والمدني داخل المنطقة بتلك التجربة، حتى داخل الإدارات والنخب المحلية. لكن انسحاب كوادر الحزب يشكل تحولاً في طبيعة العلاقة أكثر من كونه فصلًا نهائياً.
الخطوة لا تمحي الإرث التنظيمي للحزب داخل "قسد"، لكنها تُحوّل العلاقة من تواجد ميداني إلى تأثير غير معلن يُمارَس من خلال أطر محلية. وتوضح مصادر "المدن"، أن هذه الخطوة جاءت ضمن "اتفاقات غير رسمية" لضبط التوترات مع دول الجوار، لاسيما تركيا، التي تربط وجود الحزب في سوريا بتهديد مباشر لأمنها القومي.
هذه الخطوة تعكس رغبة في تعزيز قدرة "قسد" على إدارة مناطقها بصيغة أقل ارتباطاً تنظيمياً، وأكثر انفتاحاً على التعامل مع مؤسسات دمشق، من دون التضحية بالخبرات التنظيمية المتراكمة. ومن الناحية السياسية، يُنظر إلى هذا التحول كإجراء تكتيكي، يسمح لـ"قسد" بالتحرك في فضاء سياسي أوسع ضمن البلاد، خصوصاً في ظل تراجع التصعيد الميداني في أجزاء واسعة من المنطقة بعد سنوات من الحرب.
فصل العناصر العرب
في سابقة وصفتها أوساط قيادية داخل "قسد" بأنها "خطوة تنظيمية ضرورية"، تم فصل المئات من المقاتلين والموظفين العرب من بنية القوة. وقد سبقت هذه الخطوة إعداد قوائم يُعتقد أنها مرتبطة بمسار تفاوضي محتمل مع الحكومة السورية.
وتؤكد مصادر المدن أن عملية الفصل جاءت في سياق توجيه داخلي لإعادة فرز البنية القيادية والعسكرية، بهدف تقديم بنية منظمة وأكثر تناسقاً أمام أي حوار سياسي أو إداري مع دمشق.
ووفق المصادر نفسها، فإن التحريك التنظيمي الداخلي يهدف إلى تقديم تشكيلة موحدة في استحقاقات مستقبلية، بعيداً عن التوترات القومية أو الاختلالات التي خَلَقت تباينات في بعض المناطق المختلطة ديموغرافياً. وتضيف المصادر أن هذا "الضبط" استُخدم أيضاً لامتصاص تداعيات انشقاقات سابقة أدت إلى توترات محلية في أوساط السكان العرب والأكراد.
لكن المنتقدين يرون في هذه الخطوة مخاطرة محتملة. فإعادة تشكيل البنية العسكرية عبر تقليص التمثيل العربي قد يعمّق إحساساً بالانفصال أو التهميش في بعض المناطق، وقد يكون لها انعكاسات على العلاقة مع المجتمع المدني في الشرق السوري.
ووفق خبراء في المجتمع المحلي، فإن هذه الخطوة، إن لم تُدَر بحساسية سياسية عالية، قد تفتح الباب أمام موجات جديدة من عدم الرضى المجتمعي، خصوصاً في مناطق حساسة مثل الحسكة ودير الزور.
حزب الاتحاد إلى مشروع سياسي وطني
في سياق موازٍ، يقود حزب الاتحاد الديمقراطي عملية إعادة هيكلة تمتد إلى تغيير الاسم، مراجعة النظام الداخلي ومراجعة الأدبيات الأساسية التي حدّدت مشروعه السياسي لعقود.
وتقول مصادر المدن، إن هذا التحول ليس شكلياً فقط، بل يرتبط بمحاولة جعل الحزب أكثر استجابة لواقع سياسي داخلي يختلف عن البيئة التي تأسس فيها.
التحول المقترح نحو "حزب سوري وطني"، يضع الحزب في سياق جديد: من كيان يحمل مرجعية أيديولوجية ضيقة نسبياً، إلى فاعل سياسي يكون أكثر انخراطاً، أو قبولاً، في المسار السياسي السوري العريض. وتسعى قيادة الحزب عبر هذه الخطوات، إلى توسيع قاعدة القبول داخلياً، وفتح قنوات تفاوض مع قوى سياسية مختلفة، وصولاً إلى حكومة دمشق إذا ما اتسعت آفاق الحوار السياسي.
الحقيقة أن هذا التحول لا يخلو من تعقيد. إذ إن الحزب سيحتاج إلى توازن دقيق بين الحفاظ على جذوره الفكرية وبين استيعاب انتظارات جمهور أوسع. وهذا يستدعي تغييراً جذرياً في الخطاب التنظيمي، أساليب العمل وحتى في آليات التمثيل السياسي.
وقف التمويل
من بين الإجراءات التي أحدثت ضجة واسعة، قرار حركة المجتمع الديمقراطي وقف التمويل الشهري للأحزاب الـ 35 المنضوية تحت إطارها. هذه الأحزاب، التي تشكّلت في سياق تأسيس الإدارة الذاتية عام 2014، كانت تتلقى دعماً شهرياً يتراوح بين 3 و10 آلاف دولار تبعاً للتنظيم والدور السياسي.
قرار وقف الدعم، الذي أُبلغ لقادة الأحزاب دون كشف آلية بديلة، أثار قلقاً واسعاً داخل المشهد الحزبي، وفتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول دوافعه وتداعياته.
تقول مصادر مطلعة إنه لا يمكن حصر القرار في بعد اقتصادي بسيط، بل يرتبط بمحاور إعادة تعريف التحالفات السياسية، وإعادة ترتيب الفاعلين داخل الإدارة الذاتية. ولعل أبرز سؤال يطرح نفسه: هل يشير وقف التمويل إلى أزمة مالية حقيقية تواجه الإدارة الذاتية، أم إلى تحوّل في السياسة الحزبية المحلية؟
البعض يشير إلى أن تراجع الموارد بعد عودة الحكومة السورية للتحكم في بعض مصادر الإيرادات، ساهم في الضغط المالي. لكن محللين سياسيين يرون أن القرار يندرج في سياق أوسع: تقليص الشبكة الحزبية المرتبطة مالياً بالمركز، بهدف زيادة القدرة على القرار الاستراتيجي دون التزامات موسّعة تجاه أطراف قد تعيق الحركة السياسية المستقبلية.
هل تنتهي التعددية التنظيمية في الجزيرة السورية؟
التساؤل الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل كانت التعددية الحزبية التي نشأت منذ 2014 قائمة على قواعد اجتماعية حقيقية، أم أنها كانت تعتمد في جوهرها على دعم مركزي يضمن استمرارها؟
فإذا كان الدعم المالي هو العمود الفقري الذي يتيح لهذه الأحزاب الاستمرار، فإن قرار إيقافه قد يؤدي إلى زلزال تنظيمي يعيد رسم الخريطة، عبر تراجع بعض الأحزاب، أو توجِّهها للبحث عن مصادر تمويل جديدة، أو إعادة اندماجها في أطر سياسية أكبر.
هذا السيناريو، كما يرى بعض المحللين، قد يخلق تحالفات جديدة، وقد يقوّض بعض الهياكل القائمة. وهو ما سيغير بالضرورة طبيعة التمثيل السياسي في المنطقة.
ضغوط إقليمية ودولية.. ثلاثية تأثير متقاطعة
أي قراءة للمشهد في الجزيرة السورية لا يمكن فصلها عن ثلاثة أقطاب خارجية مؤثرة:
1. أنقرة تراقب عن كثب أي تطور في بنية "قسد"، وترتبط به قضية حزب "العمال"، وتستثمر كل تغيير لصالح سياسات أمنها القومي.
2. دمشق تسعى لاستعادة وجود الدولة، وإن بشكل رمزي أو تدريجي، في مناطق خارجة عن سيطرتها التقليدية منذ 2012.
3. واشنطن تفضّل شريكاً مستقراً، قابل للاستمرار، وأقل إثارة للجدل، وتعمل على تجنب أي قطيعة مع الواقع القائم في المنطقة.
في هذا السياق، ليست التحولات مجرد إعادة ترتيب داخلي، بل مواءمة تكتيكية مع ما يفرضه الواقع الإقليمي والدولي من متغيرات.
إعادة ترتيب المؤسسات… والتحولات مستمرة
ما يجري في الجزيرة السورية، ليس مجرد إعادة ترتيب وظيفي أو تنظيمي. إنه تحول استراتيجي في الفاعل السياسي الداخلي، يستهدف تكييف البنية مع المناخ السياسي الراهن، وإعادة بلورة موقعه في المشهد السوري الشامل.
الانسحاب لا يعني القطيعة، والفصل لا يعني قمع التعددية، وإعادة الهيكلة لا تضمن التحول، ووقف التمويل لا يعني نهاية الحزب أو الإدارة، بل كلها تحولات تتقاطع بهدف واحد: التحوُّل من إدارة أمر واقع عسكري وسياسي إلى القدرة على التفاوض في مشهد عربي–سوري جديد.
النجاح في هذا الطريق مرهون بقدرة القيادة على موازنة الداخل والخارج، والسيطرة على الديناميات المتغيرة، مع الحفاظ على تماسك تنظيمي يضمن استمرار الدور في المرحلة المقبلة.




